وديع فلسطين: لا أزال ألعن عهد عبدالناصر إلى اليوم

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

هو عميد محرري الثقافة العرب بلا منازع. كتب في معظم الصحف والمجلات العربية. كما أنه يعد أقدم خريجي ومحاضري قسم الصحافة بالجامعة الأمريكية ممن لا يزالون على قيد الحياة، له العديد من الكتب أهمها كتاب “وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره”. يعد شاهدًا على كثير من قضايا الوطن وقضايا الفكر والثقافة والأدب في مصر والوطن العربي. عاصر وراسل رموز الأدب والثقافة في القرن العشرين، ولذا لقب بـ”سفير الأدباء”.

وكان لنا معه هذا الحوار الذي باح فيه بما لم ينُشر من قبل..

– بداية.. باعتبارك صحفيًّا.. ما الذي دفعك إلى حب الأدب؟

لا أقول عن نفسي إلا أنني صحفي، لأن هذا تخصصي الأصلي في الجامعة الأمريكية.. وأنا حاليا أقدم خريجيها وأقدم أساتذتها، لأني عملت مدرسا بها لمدة ثماني سنين. فأنا صحفي، عملت في بداياتي بإدارة الأهرام، ثم في جريدة المقطم، وكنت المحرر الأول لجريدة المقطم، كما عملت بالمقتطف.

وفي سنة 1952م جاءت الثورة، وفوجئت باعتقالي لغير ما سبب، اعتقلوني وقتها ثلاثة أيام بلا أي تهمة. فحين مجيء عبد الناصر اعتبر كل الصحفيين مشكوكًا في أمرهم، فاعتقلوا يومها 30 شخصا كنت واحدا منهم، كما أغلقوا صحيفة “المقطم” التي كنت المحرر الرئيسي بها.

وكنت أكتب الافتتاحيات في “المقطم” على الرغم من أنني لم أكن سياسيا، بمعنى انضمامي لأحد الأحزاب، فقد كنت حرا في تصرفاتي.

فوجدت السياسة غير مُطَمْئِنَة، فتحولت إلى “الاقتصاد”، وكان هناك نادٍ اسمه “نادي التجارة الملكي” وهو حاليًّا نقابة التجاريين، وكان النادي وقتها يصدر مجلة باسم “الاقتصاد والمحاسبة” فاختاروني رئيسا لتحريرها، فاستمررت سنتين، وقد حولتها خلال هاتين السنتين من مجلة شهرية إلى مجلة نصف شهرية. ثم ضاق بي خريجو كلية التجارة لأني لست متخرجا في كلية التجارة، فتركتها.

حينها أدركت أن الأدب هو آمن المجالات وأدومها، فقد أدركت أن كل مقال أدبي كتبته في مجال الأدب في تلك الفترة لا تزال له قيمة، أما كل ما كتبته في السياسة فلا قيمة له، فتحولت إلى الأدب، ولكن كهاوٍ لا كمحترف.

– لكني مع هذا ألمس فيك عشقا للأدب، وحبا للأدباء.

في الحقيقة، وجدت نفسي محاطًا بأدباء من كل ناحية من نواحي الوطن العربي، ومن المهجر، وكلهم يكاتبونني ويتصلون بي، ويزورونني، ويهدونني كتبهم، فوجدت نفسي متورطا في الأدب. وهي ورطة جميلة لا شك.

– على الرغم من ولوجك عالم الأدب من باب الصحافة، فإننا حين نقارن لغتك الرفيعة السامقة بلغة كثير من محرري هذا العصر فإننا نجد البون شاسعًا.. فشتان بين الثرى والثريا، كما يقال.

حقيقة.. أنا كنت كارهًا للغة العربية، فقد كان اتجاهي (علميا) في الأساس لا (أدبيا) ولا (صحفيا)، فلما حصلت على (التوجيهية) كان هناك قسمان: علمي، وأدبي. فدخلت القسم العلمي، وكان قصدي الدراسة في إحدى الكليات العلمية (الطب، الصيدلة، العلوم..) فوجدت مصاريفها باهظة بالنسبة ليتيم، لأني تيتمت وعمري 7 سنوات، فوجدت الجامعة الأمريكية -وقتها- الأرخص، وكان بالجامعة الأمريكية حينذاك قسمان: قسم للصحافة، وقسم للعلوم الاجتماعية. فوجدت أنه قد يكون للصحافة مستقبل عملي (فرص وظيفية)، فدخلتها وقد كنت كارها للغة العربية، فقد دخلت الدور الثاني في الابتدائية بسبب اللغة العربية، وكذلك التوجيهية.

– إذن.. كيف وصلت إلى حب العربية؟

لما وجدتني أخوض غمار العمل الصحفي، وجدت أنني لا بد لي من الاهتمام بلغتي، وكان ذلك الاهتمام شخصيا، كما كنت أستفيد من أخطائي. أكتب -مثلا- مقالة، وأبعث بها إلى مجلة (الرسالة) وبها أخطاء نحوية، فيصححونها، فأستفيد من ذلك. ومثلا ينبهني أحد من عرفتهم كخليل مطران أو أبي شادي إلى خطأ وقعت فيه فأستفيد منه. فصرت أستفيد من أخطائي، ومن توجيهات الأدباء، ومن اجتهادي الشخصي. كما حرصت على أن أقرأ للكتاب الذين كانوا يُعْنَوْن بالأساليب، مثلا: (وداد سكاكيني) في سوريا، كانت تُعنَى بالأسلوب، فقرأت لها كل شيء، وعرفتها بعد ذلك، وأهدتني كتبها. و(محمود تيمور) بعد أن تحول من العامية إلى الفصيحة. و(فؤاد صروف) الذي كان أستاذي، ويكتب في العلوم وفي الأدب، له أسلوب عظيم تعلمت منه. وكذلك (الزيات). فكنت أقرأ لأصحاب الأساليب لأستفيد من طريقة كتابتهم فيما أكتب.

– لكنك لم تبدع.. بمعنى أنه ليس لك نتاج أدبي؟

مع الأسف.. رغم أن هذه هي الأشياء التي يمشي حالها الآن.

لكنني قمت بالترجمة، فأول كتاب أصدرته هو ترجمة لمسرحية (الأب) عن الأدب السويدي. والحقيقة أنني كنت أنتوي ترجمة كل مسرحيات الأدب الغربي، لأنها كانت مجهولة في ذلك الوقت، ولكن السحار ضمن (لجنة نشر الجماهير) التي كانت تضم أيضًا نجيب محفوظ، وعلي أحمد باكثير، وعادل كامل، قال لي: المسرحية ليست للنشر، ولكن للتمثيل. فانصرفت عنها بعد أن ترجمت مسرحية أخرى بعنوان (دعوى قذف) أهملتها، ولم أنشرها إلى الآن. فأنا كنت أحاول أن أغطي ثغرة في الحياة الأدبية، وهي المسرحيات الأجنبية، ومع الأسف لم أتمكن من ذلك. ولكن ترجمت أشياء كثيرة جدا. هذا إلى جانب كتاباتي الأدبية التي جمع بعضها في كتاب بعنوان “وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره” وطبع في دمشق، والحق أنني أعتبر هذا الكتاب أحسن كتبي، وقد لقي صدى طيبا، كما نوه به بعض الكتاب في مقالاتهم. وأصل هذا الكتاب مقالات نشرتها في صحيفة (الحياة اللندنية)، فجاءني ناشر سوري لا أعرفه، وقال لي: أنا جامع كل هذه المقالات، ومعجب جدا بها. وكان لديه 60 مقالا، فأعطيته 40 أخرى. وكلها مقالات عن أدباء معاصرين لي عرفتهم، من مصر وسوريا ولبنان والمهجر وبعض المستشرقين. وفي الكويت أخيرا نشروا لي كتابا بعنوان “من مقالات وديع فلسطين” وهو مقالات كتبتها في مجلة (المصور) وغيرها. وحاليا لي كتابان عند ناشر كويتي؛ أحدهما عن رحلتي البكر إلى أمريكا ولبنان باعتباري صحفيًّا، وكتاب آخر بعنوان “سوانح وديع فلسطين” وفيه عددٌ من مقالات نشرتها تحت عنوان “سوانح” كتبتها بإحدى صحف منيا الصعيد في أربعينيات وخمسينيات القرن الفائت، وقد جمعها أديب سعودي معجب بها وقدمها للناشر الكويتي، وقد راجعت (مسوّداتها)، ولكني لا أعرف هل نشر أم لا؟، وفيه حوالي 150 سانحة بعد استبعاد السياسي منها، وكلها خواطر أدبية وثقافية واجتماعية، وكذلك عن أشخاص عرفتهم، وكتب قرأتها.

– هل كان لعلاقتك بعدد كبير من الأدباء أثر في تطور وتركيبة شخصية الأستاذ وديع فلسطين؟

جعلني ذلك حقيقة سفيرًا للأدباء، وهو اللقب الذي أُطلق عليّ، فأي شخص -مثلا- كان يريد الاتصال بأديب مهجري لا يعرف سبيل الوصول إليه، يأتيني وأعطيه عنوانه. مثلا كان هناك شخص أردني يحضر رسالة دكتوراه هنا في مصر عن إلياس فرحات، ولا يعرف شيئا عن فرحات، فذهب إلى دار الكتب ولم يجد أي كتاب له في دار الكتب، وذهب إلى الكلية التي يعمل بها ولم يجد أي كتاب، فجاءني، أعطيته أولا عنوان إلياس فرحات، ثم كتبت خطابا لإلياس ورجوته أن يساعد هذا الشخص، فأرسل له كل دواوينه، وأنهى هذا الباحث الأردني رسالة الدكتوراه. وبهذه الطريقة كنت أساعد الكثيرين بسبب اتصالاتي بكثير من الأدباء.

– هل هناك شخصية أدبية ما كان لها تأثير كبير عليك بحضورها وقوة شخصيتها؟

هناك كثيرون تعاملت معهم من خلال المراسلة، لكن الذين تعاملت معهم وصافحتهم وعرفتهم عن قرب، أولا أستاذي (فؤاد صروف)، صحيح أنه كان متخصصا في الشأن العلمي، وكان رئيس تحرير مجلة (المقتطف)، غير أن له اهتمامات أدبية، وكان مكتبه في (المقتطف) يزوره أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومصطفى صادق الرافعي، وكل هؤلاء الناس كانوا يزورونه، وأسلوبه عظيم جدا جدا، وكان أقرب الناس إليَّ. ثم (خليل مطران) الشاعر، وقد عرفته في السنتين الأخيرتين من عمره، ولازمته تقريبًا، وقد أثر فيَّ بشخصيته لأنه كان متواضعًا ومثقفا عظيما جدا، وفي سنتيه الأخيرتين كان تقريبا يعيش بمفرده مهجورا، لا يزوره أحد، ولا يتصل به أحد، فكانت حياته من هذه الناحية تدعو إلى الرثاء، وكنت أزوره كل يومين. هذا إلى جانب (أبي شادي) بالمراسلة، فأنا لم أقابل أبا شادي شخصيًّا، فبعد هجرته إلى أمريكا أصدر هناك ديوانًا بعنوان (من السماء)، وأُقيم له هناك احتفال كبير بهذه المناسبة، وأرسل لصديقه (مصطفى عبد اللطيف السحرتي) نسخة من المقالات والخطب التي أُلقيت في هذه الحفلة، فأعطانيها السحرتي، ونشرتها في صفحة كاملة في (المقطم) مع صورة للحفل، ومن ثم قام السحرتي بإرسالها إلى أبي شادي، فلم علم أبو شادي بأنني وراء هذا الأمر، أهداني نسخة من الديوان، فأرسلت له خطاب شكر، ومن وقتها بدأ الاتصال بيني وبينه، وقد كان هذا الأمر تقريبا في عام 1950م.

– فيما يخص أبا شادي أستاذ وديع.. هل لديك علم يؤكد أمر ماسونيته من عدمها؟

بصراحة.. لم يذكر لي أبو شادي أي شيء إطلاقًا عن هذا الموضوع، ولم ألاحظ أنه كان ماسونيًّا، ولدي منه أكثر من 150 خطابا حصيلة مراسلات استمرت بيني وبينه إلى أن مات لم يذكر لي فيها أي شيء عن الماسونية، أو عن ميول له ناحيتها، أو أنه انضم لإحدى الجمعيات الماسونية، أو أنه اشترك في مؤتمر ماسوني. فأنا شخصيا خالي الذهن عن هذه الناحية.

– في قراءتي للرسائل المتبادلة بينك وبين الدكتور حسين علي محمد لاحظت أن فترة ثورة 1952م أثرت في نفسك كثيرا.. لماذا؟

الحقيقة أنني إلى هذا اليوم لا أزال ألعن عبد الناصر، لأنه من اعتقلني، وأغلق الجريدة التي كنت أعمل فيها (المقطم)، وبقيت 3 سنوات في بيتي لا أعمل في أي عمل نظامي. وكان هذا الأمر غاية في الاضطهاد، ولهذا السبب لا أزال إلى هذا اليوم ألعن عبد الناصر، والعهد الذي حكم فيه.

– ذكرتَ أيضا في الرسائل المتبادلة بينك وبين الدكتور حسين أن العمل والحرص على توقي انكشاريات الحياة (وهذه لفظتك التي استخدمتها) حال بينك وبين إنجاز كثيرٍ من مشاريعك الأدبية؟

هذا صحيح.. فأنا عشت طيلة عمري بعيدًا عن كل الأجهزة الثقافية المصرية، فمثلا وزارة الثقافة بها ما يقارب 60 لجنة، ولست عضوا في أي لجنة من هذه اللجان، ولا أعرف وزير الثقافة، ولا مدير كذا، فقد عشت طيلة عمري منعزلا عن كل هذه الأشياء، وذلك بتأثير الاضطهاد والمعاملة التي عوملت بها بعد ثورة 1952م، فقد جعلني ذلك أخشى الناس وأخشى كل شيء.

 وقد منعني ذلك حتى عن ارتياد ندوة نجيب محفوظ. فقد عرفت نجيب محفوظ منذ بداياته، فحين ترجمت مسرحية (الأب) حاولت نشرها، فوجدت لجنة تنشر للشبان، منهم: نجيب محفوظ، وعادل كامل، وعلي باكثير، والسحار. فتعرفت على نجيب محفوظ في تلك الفترة، وأهداني كتبه، ولذا فإن كتبه الأولى كلها مهداة عندي. وكان نجيب محفوظ يقيم ندوة في كازينو صفية حلمي في ميدان الأوبرا (السابق) يوم الجمعة، وكان يوم الجمعة يوم عمل بالنسبة لي، ففي أحد الأيام هربت من العمل، وقلت أذهب لحضور ندوة نجيب محفوظ، وكان لكازينو صفية حلمي سُلَّمان، يمين وشمال، فطلعت من السلم ناحية الشِّمال، وبمجرد صعودي درجتين وجدت من الناحية الثانية رواد ندوة نجيب محفوظ والشرطة تطاردهم بالعصي، ففرقوا كل الحضور، وقلت في نفسي: ما دخلي بهذا الأمر، لو كنت معهم لكان أصابني ما أصابهم. وقد خرجت من هذا بمعنى أن من الأسلم البعد عن الاختلاط بجمعيات بهذا الشكل لا نعرف دخائلها، ولا نعرف تقارير المخابرات والمباحث عنها، وهذا جعلني أبتعد.

ثم إنني في الفترة التي كنت أعمل فيها بالصحافة، والفترة التي تلتها، استُدعيت إلى مباحث أمن الدولة على الأقل 6 مرات، يريدون أن يعرفوا من أنا، وماذا أشتغل، وأسئلة كثيرة، كما أرادوا تسخيري في خدمتهم، وأنا لست على استعداد لذلك. ما أريد قوله بالاختصار المفيد هو أن علاقاتي كانت مختصرة، بعيدا عن كل الهيئات الرسمية، وكنت عازفًا عنها.

– ما أقصده هو: هل كان انغماسك في العمل من أجل توفير لقمة العيش وحياة كريمة أبعدك عن كثير من مشاريعك الأدبية؟

هذا صحيح.. فقد اضطررت لما وجدت أبواب الصحافة موصدة في وجهي إلى البحث عن عمل، فعملت في أعمال إدارية، فمثلا شركة أرامكو كان لها مكتب في مصر، وهي شركة سعودية، عملت فيها مسئولا عن هذا المكتب في مصر، وكانوا يصدرون مجلة باسم (قافلة الزيت)، وكانت مجلة خاصة بالموظفين، فحولتها إلى مجلة ثقافية أدبية، واستَكتبتُ في هذه المجلة كل من أعرف ومن لا أعرف، ابتداء بالعقاد وعزيز باشا أباظة والدكتور السربوني وفؤاد صروف ووداد سكاكيني، وكان ذلك في الفترة ما بين 1956م و1965م تقريبًا.

ولما أُغلق المكتب سافرت إلى ليبيا، وعملت هناك مترجمًا قانونيًّا في شركة بترول أمريكية لمدة سنتين، ولما جاء القذافي طردني، حيث طلب رحيلي في غضون 24 ساعة بدون إبداء أي أسباب. ثم رجعت أبحث عن عمل فوجدت إعلانا في الأهرام عن أن سفارة إيران فُتحت بعد أن كانت مغلقة بقرارٍ من عبد الناصر، وفي حاجةٍ إلى موظف إداري بعد استئناف نشاطها، فتقدمت وقُبلت، وعملت بها 11 سنة، فلما جاء الخميني طردني. وخلال هذه الفترات كنت بعيدًا عن الحياة الثقافية والأدبية بسبب انشغالي بالحياة العملية، واستغراقي في العمل.

– هل تتابع الحركة الأدبية الحالية؟

أكثر ما أتابعه الآن هو مجلة (أخبار الأدب) رغم ضعف محتواها في الفترات الحالية، كما أتابع صفحات الأدب بالصحف. لكن صلتي الآن بالأدباء محدودة للغاية. فمثلا كرموا أخيرا يوسف القعيد، وأنا لا علم لي بيوسف القعيد، ولم أقابله، ولا أعرف عنه شيئا. وكذلك كرموا الأبنودي، ولا أدري لم؟! وكذلك كرموا أحمد فؤاد نجم، ورغم معرفتي به وبأسرته فإني أرى أنه قد كُرِّم أكثر من اللازم. فأنا أرى أن القيم نفسها تغيرت في هذا الوقت.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا