“الحاج مراد”

0
د. ياسر غريب
كاتب مصري

كانت روسيا قد أخذت في إخضاع بلاد القوقاز، وبسط سلطانها على أهلها، في الوقت الذي كانت فيه المنازعات والأحقاد بين أهل القوقاز تحول دون وقوفهم صفًّا واحدًا في وجه التقدم الروسي الغاشم، حتى ظهر سنة 1785م في القوقاز زعيم مجهول الأصل يدعى (منصور)، هذا البطل الذي استنفر الناس لمحاربة الروس وإعلان الحرب الدينية. ومنذ ذلك الحين ظهرت البطولات والشخصيات المجاهدة العظيمة، وكان من أبرزهم الزعيم الشيشاني شامل (1797 – 1871م) الذي قاد القبائل القوقازية في الحرب ضد الروس، وكبَّدهم خسائر فادحة، فكانت له شهرته الواسعة وقوته الضاربة التي جعلت الإنجليز والفرنسيين يسعون إليه لعقد حلف معه ضد الروس في حرب (القرم).

وقد عاصر الأديب الروسي تولستوي (1828 – 1910م) الكثير من أحداث هذا الصراع، وكان تأثره بهذه الأحداث دافعًا لإبداعه واحدًا من أعظم أعماله، وهو رواية “الحاج مراد”، التي يراها الناقد “علي أدهم” من الناحية الفنية الخالصة والموضوعية في طليعة قصصه ورواياته، وقد سُئل تولستوي نفسه عن مؤلفاته غير المطبوعة ويراها ذات قيمة كبيرة عنده، فأجاب: “الحاج مراد والجثة الهامدة.. لا غير”.

النزعة الإنسانية مجملة بتفصيلاتها كالعدل والإخاء والمساواة والتسامح؛ من أهم الملامح التي يُبصرها القراء في أدب تولستوي، بالإضافة إلى المشكلات القومية التي عاصرها هذا الأديب وكان لها أثر كبير في إبداعاته.

و”الحاج مراد” من الآثار الأدبية التي طُبعت بعد رحيل تولستوي؛ إذ ألفها وهو في الرابعة والتسعين من عمره. وبطل الرواية الذي تحمل الرواية اسمه هو الرجل الثاني بعد الزعيم التاريخي شامل، وقد اعترف المؤلف بأن هذه الرواية حقيقية، لكنه استخدم خياله الروائي في تسوية بعض أحداثها فحسب.

وكان تولستوي قد عاش في بلاد القوقاز حينًا من الزمن، وَخَبَرَ أحوالها، وعرف أسلوبهم في الحياة، وأنماط تفكيرهم، بل إنه التقى الحاج مراد نفسه في (تفليس) سنة 1851م، حيث كان ذهابه لبلاد القوقاز ليؤدي امتحان صف ضباط الجيش متزامنًا مع أحداث الرواية.

ومن القوقاز كتب تولستوي إلى أخيه (سرجي) يقول: إذا كنت تحرص على اجتذاب أنظار الناس بأخبار عن القوقاز، ففي وسعك أن تذكر أن من يُسمَّى (الحاج مراد) قد استسلم منذ أيام قلائل للحكومة الروسية، وقد كان زعيم الشجعان والشيشانيين المردة في بلاد الشراكسة، ولكنه سيق إلى ارتكاب عمل دنيء. والعمل الدنيء الذي كان يقصده هو استسلامه لأعدائه الروس.

وكان (الحاج مراد) رجلا من الفرسان القوقازيين الذين دافعوا عن روسيا بدمائهم، وحرروها من البولنديين، وكانت النتيجة أن اضطهدتهم روسيا وطاردتهم وأذلتهم، في إطار تمييز ديني واضح.

وتدور الأحداث حول خلاف شديد نشب بين شامل والحاج مراد، دفع الأول إلى محاولة إلقاء القبض على الثاني (الحاج مراد) الذي فر إلى الروس ليقوم بمحاولة استخلاص أهله من أيدي شامل عن طريق مبادلتهم بأسرى مسلمين في أيدي الروس، ولكن عندما تفشل محاولته يحاول الفرار والهرب من الروس ليقوم بنفسه بالمهمة من دون مساعدة الروس، ولكن الجنود الروس يتبعونه ويلقى حتفه هو وأعوانه برصاصهم بعد معركة بطولية.

كان تولستوي حريصًا على أن يعقد مقارنة بين المجتمع المسلم بعاداته وتقاليده الإسلامية المحافِظة والمجتمع الروسي بأخلاقياته الفاسدة، فكانت عدسته دقيقة التصوير في وصف الملامح المميزة لكلا المجتمعين.

كما قام بتوظيف المرأة التي قامت بدور كبير في الكشف عن التمايز بين المسلمين القوقازيين والروس، فبرزت المرأة المسلمة بصورة تعكس أخلاقيات مجتمعها المحافظ، وكانت والدة الحاج مراد مثالا صادقًا لذلك، حيث كافحت ببسالة لإنقاذ ابنها الصغير (مراد)، وحملته على ظهرها بين الجبال مسافات طويلة، بعدما أُحيط بها، بسبب الصراع السياسي الداخلي بين القادة القوقازيين المتناحرين على الزعامة والنفوذ.

كما كان للظهور العرضي للمرأة القوقازية في الرواية -ممثلا في بعض النساء من أزواج أصدقاء الحاج مراد- دليل على تقدير تولستوي للإسلام، فقد ساعدت المواقف التي اصطنعها تولستوي على الكشف عن سمات خاصة لا يعرفها الروس، مثل الحياء البين والإخلاص الظاهر الذي تتمتع به المرأة القوقازية لزوجها وأسرتها وقضيتها القومية.

في المقابل، كانت المرأة الروسية تُمثل القيم والأخلاقيات الممزقة والمنحرفة، فامرأة (أنديف) -وهو أحد الجنود الروس- تفرح في داخلها بمصرع زوجها في الشيشان، وهي التي كانت حبلى بطفلٍ من غيره أثناء غيابه في الجيش، وبموته يخلو لها الجو مع صديقها الآثم.

وامرأة (فورنتسوف) -وهو أحد القادة الروس- تُثير في النفس السوية الريبة، لأنها كانت على علاقة آثمة مع أحد الجنود الروس. أما الإمبراطور (نيقولا الأول) نفسه فكان يستدرج الفتيات إلى مكان ما بالقصر، وذات مرة يصادف أحد الجنود مع إحدى الساقطات في نفس المكان الذي يقصده، فيطلب من الجندي أن يترك المكان ويذهب إلى مكان آخر مع رفيقته، كما أن (مارية ديمترفيه) -إحدى الممرضات- تعيش مع أحد الضباط الروس بصفة عشيقة، ولا تمانع كثيرًا في أن يغازلها أحد الضباط من أصدقاء عشيقها.

أما عن بطل الرواية (الحاج مراد)؛ فإنه لم يسقط فريسة الإغراءات الروسية، ولم تهتزَّ في رأسه شعره -كما صوره المؤلف- من بهارج الروس في حفلاتهم الصاخبة التي أُقيمت من أجله، وقد ساقوا له فيها فتيات عاريات الصدور، بل إنه أعلن -في صراحة- أن ذلك لا يُوافق تقاليد مجتمعه، وأعرب في دبلوماسية لمضيّفيه عن أن لكل مجتمع تقاليده التي تُعد غريبة على الآخر، قائلا: عندنا في بلادنا مثل يقول: أعطني حمارًا للكلب علفًا، وأعطني الكلب للحمار لحمًا، فجاع الاثنان.

كما أبرزت الرواية روح الجهاد عند المسلمين، وكيف أنهم يقدمون على الموت في جرأة شديدة، ولا يهابون الموت، في حين يقدم نموذجًا روسيًّا جبانًا في مقابل ذلك، ممثلا في الجندي (إبنديف) الذي بادل أخاه ودخل بدلا منه الجيش، خوفًا من مواجهة الموت.

ومن المعروف أن تولستوي من بين فريق عريض من الأدباء والمفكرين العالميين الذين تأثروا بالإسلام، وتناولوه بإنصاف، بل إنه قال في إحدى رسائله للشيخ محمد عبده: “يُوجد دين واحد هو الإيمان الصادق، وأعتقد أني لا أخطئ حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقه”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا