حسام عقل: “ملتقى السرد” أعاد الجمهور للحياة بعد موته بندوات مؤسسة الثقافة

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

يُعدُّ “ملتقى السرد العربي” بالقاهرة من أهم المنابر النقدية الرصينة على الساحة المصرية والعربية، حيث يُعنَى عناية كبيرة بجديد السرد، لا سيما الرواية، فضلا عن اهتمامه بالشعر. ويقوم على “الملتقى” عدد من الأكاديميين والمبدعين، منهم: الدكتور حسام عقل، والدكتور إيهاب عبد السلام، والشاعر الأستاذ سعيد عبد الكريم، والأستاذ أحمد عبد المقصود.

وقد تناول المتلقى بالنقد والتحليل عددًا كبيرًا من الروايات المصرية، لا سيما تلك التي أثارت ردود أفعال جيدة، أو تلقاها القراء بالقبول، أو حازت بعض الجوائز الثقافية كجائزة البوكر.

ولأهمية دور “ملتقى السرد” في الحياة الثقافية المصرية، ودوره الإيجابي في مجال السرديات النقدية، كان لـ”حكايا” هذا الحوار مع الدكتور حسام عقل الأستاذ بجامعة عين شمس بالقاهرة، والمنسق العام للملتقى.

– كيف نبتت فكرة ملتقى السرد د. حسام؟

منذ عام ونصف تقريبا، تجمع أربعة أشخاص، وكنت أحد هؤلاء الأشخاص الأربعة، وقالوا ما بالنا لا نتابع تيارات الكتابة القصصية الجديدة. وليس سرًّا يُذاع أنني كنت عضوًا في معظم لجان المجلس الأعلى للثقافة. كنت عضوًا في لجنة القصة عامين أيام كان مقررها الراحل الأستاذ خيري شلبي، وكنت عضوًا في لجنة الدراسات الأدبية عامين، ثم عملت إلى جوار لجنة الشعر، وبدا لي أن المؤسسة الثقافية -ممثلة في المجلس الأعلى للثقافة- عاجزة عن استيعاب تيارات الكتابة الجديدة، وبالتالي كان القرار مع حراك 25 يناير وما تبعه أن أُشكِّل تجمعًا مدنيًّا مستقلا يستطيع أن يتحرر من قيود البيروقراطية، ويتحرر مما يُسيطر أو يهيمن على المشهد من تربيطات أو تحالفات أو شللية، وأن نتتبع أو نتقصى تيارات الكتابة الجديدة بصورة أكثر طواعية ومرونة وتعاملا مع الكتابة الجديدة، وبالتالي نبتت الفكرة في ذهني، وفي ذهن الصديق الدكتور إيهاب عبد السلام، وهو شاعر وناشر، والصديق الشاعر الأستاذ سعيد عبد الكريم، وصديق رابع وهو صديقي الأستاذ أحمد عبد المقصود الذي كان أمينًا عامًّا للملتقى، وأطلقنا التجربة، وبدأنا أولى الندوات في مكتبة مصر العامة في الدقي. وبدأنا نعقد بصورة أولية ندوة شهرية، ندوة واحدة كنا حريصين أن يُعد لها إعدادًا علميًّا طيبًا وإعدادًا إعلاميًّا طيبًا، وألا تكون اختيارات النصوص محكومة بأي اعتبار إلا معيار القيمة الجمالية، وإن كنا حريصين أن تقترب من جيل بعينه، لأنه من مخططي في الحركة الأدبية والنقدية أن أضيئ أو أراهن على الأسماء الجديدة، وقد حدث هذا شعرًا عندما دفعتُ إلى المطبعة بكتابي الأول “مخاضات الخطاب الشعري المعاصر”، والكتاب حصل على جائزة الدولة التشجيعية في 2010، وليس في الكتاب اسم واحد كان معروفًا في وقته، وفيه أسماء راهنتُ عليها وأصبحت فيما بعد ملء السمع والبصر في المشهد الشعري.

أزعم أنني كنت ممن راهنوا على “أحمد حسن محمد” شاعر الشرقية، وبالفعل فاز بما يزيد عن 20 جائزة عربية بما فيها البابطين، وراهنت على أجيال أخرى مثل “سمير فراج”، و”عبد الله الشوربجي”، هذه الأسماء كلها أصبحت فيما بعد تمثل عصب المشهد الشعري.

ما صنعته شعرًا أردتُ أن أصنعه سردًا، خصوصًا أني لاحظت أن السرد -سواء في مجال الرواية أو القصة القصيرة أو “النوفيلا”- يحظى الآن بصدارة المشهد، فهو الجنس الأدبي رقم واحد، ربما بسبب الحراك التي أحدثته جائزة البوكر، أو بسبب أن الناشرين الآن -في تقديري الخاص- يُركزون على طباعة النصوص القصصية، لما لها من ذيوع، ولما لها من انتشار، ويمكن أن تكون تجربة أحمد مراد بـ(الفيل الأزرق) و(فرتيجو) دليلا على هذا.

اكتشفنا في “ملتقى السرد العربي” عددًا من الأسماء، واكتشفنا وأخرجنا للساحة عددًا من النقاد، يعني أزعم أن الدكتور إيهاب عبد السلام عُرف ناقدًا من خلال منتديات “ملتقى السرد العربي”، وأزعم أن السعيد عبد الكريم أُعيد اكتشافه ناقدًا من خلال ملتقى السرد العربي، فضلا عن أسماء تقليدية كصديقي الدكتور عايدي علي جمعة، وهو درعميّ أيضًا. كنا نأخذ أنفسنا بأقصى غايات الجد. لا بد أن يُقرأ النص قراءة جيدة، وتعد ورقات بحثية، والآن ينضم إلى الملتقى عدد من الأسماء التي أثرته، أذكر الصديق الروائي الأستاذ زكريا صُبح، وقد أعدت اكتشافه ناقدًا أيضًا. وستلاحظ أنه بدأ يحدث نوع من التناغم بين الأعمار، لدنيا مثلا ناقد متقدم في السن مثل الأستاذ “شوقي يحيى” وهو روائي وناقد من مرحلة سنية متقدمة، ولدينا شباب. والآن انفتحنا على الأجيال الجديدة، أجيال الجماعات الأدبية كجماعة (مغامير) و(إطلالة)، هذه الجماعات التي ظهرت حديثًا. وأتصور أن كل ألوان الطيف تواردت على ملتقى السرد العربي. ناقشنا مثلا من الجيل الماضي الأستاذ فؤاد قنديل، وأعددنا ندوة احتفائية واحتفالية بالأستاذ مجيد طوبيا، وهو من الأسماء التي تنتمي إلى الجيل السابق. وبالتالي لم تكن هناك قطيعة كما حاول البعض أن يصور مع الأجيال الماضية، على العكس نحن ناقشناهم، واحتفينا بنصوصهم جنبًا إلى جنب مع جيلي. ناقشنا محمد العون في (ليلة التحرير)، وناقشنا عمرو العادلي في (إغواء يوسف)، وناقشنا سهير المصادفة في (رحلة الضباع)، وناقشنا عددًا كبيرًا من الأسماء. وناقشنا كل أنماط الكتابة القصصية، ناقشنا الرواية الرمزية، وناقشنا حتى الرواية البوليسية، وناقشنا أدب الخيال العلمي. معنى هذا أننا ناقشنا معظم الأجناس الأدبية.

ولكن ماذا عن ورش الكتابة الإبداعية والمسابقات الثقافية؟

تولدت لدينا بالفعل فكرة أن نعقد دورات، فهناك دورة أسميناها دورة (نجيب الكيلاني)، وحاولنا من خلال هذه الدورة أن نُناقش أبرز الأعمال. وأطلقنا المسابقة القصصية الأولى للقصة الومضة، وأزعم أننا اكتشفنا أيضًا من خلال هذه المسابقة أسماء مثل: رزق فهمي، ورانيا مسعود، وأشرف خليل، وملاك فرحات، وكل هؤلاء من منتج المسابقة الأولى.

وفكرنا في أن ننتقل إلى نمط آخر من الدورات، فبدأنا دورة أسميناها دورة (لطيفة الزيات) لمتابعة الكتابات التي أبدعتها المرأة في مجال القصة القصيرة أو الرواية، فناقشنا فاتن فاروق في روايتها (صرح الأطلال)، وناقشنا شاهيناز فواز في مجموعتها القصصية (أنا الذي لا أعرفه).

ثم دخلنا في دورة ثالثة أسميناها (دورة الجوائز) لنناقش ونتقصى الأعمال التي تصل إلى قوائم البوكر أو قوائم الشيخ زايد أو الجوائز العربية الكبيرة، بدأنا هذا بمناقشة أشرف الخمايسي في (منافي الرب)، وأزعم أن هذه المناقشة تحديدًا أعادت تعريف سرد أشرف الخمايسي للوسط، وهو نفسه يعترف بأن هذه الندوة كانت فألا طيبًا له. وناقشنا أحمد سراج في روايته (تلك القرى). وهكذا تتوالى فعاليات ملتقى السرد العربي. نحاول في كل ندوة أن نلتقى ناقدًا جديدًا، أو وجهًا جديدًا، أو نمطًا جديدًا من القراءة. نثير مساجلات ساخنة، ولا نصادر آراء أحد. يتعاور علينا اليساري والليبرالي والإسلامي وكل ألوان الطيف الأيديولوجي، فليس هناك سقف لهذه المسألة، وليس هناك حظر أو إقصاء، فالأهم لدينا تأكيد القيمة الجمالية للنصوص، ومحاولة توفير الميديا أو الحاضنة الإعلامية للأسماء الجديدة.

– بين الفكرة والانطلاقة الأولى للملتقى.. هل كانت هناك فجوة زمنية كبيرة؟

على العكس، استغرق أسبوعًا فقط للإعداد والتحضير لا أكثر، لكن طبعًا أنا أعترف أن وجود مقر كان نُقلة نوعية، لأننا عقدنا الندوات تناوبًا ما بين قصر ثقافة الجيزة، ومكتبة مصر العامة، ثم بالمناسبة فاتني أن أقول إننا عقدنا المؤتمر الأول في نقابة الصحفيين بعنوان (في وداع ماركيز.. رؤية مصرية).

– يجمع الملتقى بين السرد والشعر.. فلم الاقتصار في التسمية على (ملتقى السرد)؟

مسألة الأمسيات الشعرية المفتوحة إرهاص وتمهيد لخطوة لاحقة هي ملتقى الشعر العربي الدائم بالقاهرة، لكن آثرتُ أن نبدأ أولا بالسرد، وأن يأخذ الامتداد الزمني الكامل، وأن ندع التجربة تتبرعم وتأخذ مستويات مقبولة من النضج والاختبار، فإذا نجحت التجربة سردًا فما البأس أن تنجح شعرًا، وما البأس فيما بعد أن تنجح مسرحًا (ملتقى المسرح العربي الدائم بالقاهرة)، خصوصًا أنني لاحظت أن تفاعل الأشقاء العرب مع التجربة كان تفاعلا كبيرًا، فقد وجدت اتصالات ورغبة في عقد اتفاقات توأمة مع عدد من الدول العربية، وعجبتُ من أن هذه الأطراف العربية تقفز فوق المؤسسة الثقافية الرسمية لتصل إلينا، ومعنى هذا أننا -فيما أزعم- نجحنا في أن نصل إلى مساحات وبؤر ورقع من الحركة القصصية والأدبية ربما لفتت الأنظار، لكن هذا يُحفزنا أن نطور الأدوات باستمرار، وأن نبدأ في تجميع هذه الكتابات في تيارات بعينها، ونبدأ في بلورة هذه التيارات.

– أريد إجابة واضحة.. هل هذا الزمن هو زمن الرواية؟

لا شك أن الرواية الآن تتصدر المشهد الأدبي لأسباب كثيرة، قد يكون بعضها ماليًّا؛ حيث يُقيّض لها ما لم يقيض لأجناس أدبية أخرى، كجائزة البوكر بما تُثيره من حشد إعلامي، والآن جائزة (كتارا)، وجائزة (الطيب صالح) وجوائز مماثلة، وقد يدهشك أن اسمًا لم ينتج قصة واحدة عُرف بسبعة أو ثمانية دواوين أنه كتب رواية. معنى هذا أن نزوح الشعراء إلى قارة السرد يؤكد أن هناك أسبابًا كثيرة بسببها استقطبت الحركة نحو الرواية. وأنا لست قلقًا من هذا، فهناك مسابقات تُحشد أيضًا للشعر، مثل: مسابقة أمير الشعراء، والبابطين، وغيرهما. ولكن الصدارة الآن -ولا بد أن نعترف بهذا- ما زالت للمشهد الروائي.

– هل لهذه الصدارة أثرٌ مقلق على الثقافة العربية التي كان ديوانها الشعر؟

ليس مقلقًا، لكنه قد يكون حافزًا للشعراء أن يطوروا أدواتهم، وحافزًا للحركة النقدية أن تُعنَى بحراك الشعر عناية كبيرة. فالحركة النقدية في مصر لا تتابع المنجز الشعري الجديد، كما أن الحاضنة الإعلامية لا تتعامل مع الأسماء الجديدة، هي تؤثر في الغالب الدوران في فلك الأسماء الستينية أو الأسماء السبعينية، وبالتالي فكما قلتُ سابقًا إن مصر تعاني على المستوى الثقافي من احتلال ستيني وسبعيني، وقد أحدثتُ في “أخبار الأدب” معركة نقدية ساخنة لما قارنت بين ديوان أحمد سراج (الحكم للميدان) وهو الديوان الذي ظهر في أعقاب 25 يناير، وديوان (طلل الوقت) لحجازي، وهو ديوان ظهر أيضًا بعد 25 يناير، وأثبتُّ أن حجازي عندما عاد إلى التغريد بعد صمت 25 عامًا كانت العودة محبطة، فالقصائد غارقة في التقريرية والمباشرة، ولو قارنّا بينها وبين طزاجة الصورة الشعرية والمعجم الشعري والأدوات الشعرية لدى أحمد حسن محمد أو لدى أحمد سراج فسنكتشف أن هذا الجيل حقق أشياء جيدة للقصيدة على المستوى الدرامي وعلى مستوى نسق الصورة والأخيلة، وعلى مستوى استحداث ونحت مفردة جديدة ومعجم جديد، لكن الحاضنة الإعلامية والمؤسسة الثقافية ما زالت مشدودة إلى الجيل الستيني والسبعيني.

– إذن الأزمة هي أزمة نقاد وثقافة ومؤسسات ثقافية؟

بلا جدال، فلدينا أزمة نقدية هي أن النقاد عددهم يتقلص، والنقاد الذين يُتابعون الإصدارات الجديدة يُعدون على أصابع اليد الواحدة، وأكثرهم غارق فيما أسميه بالكتابات الصحفية السريعة، وهي كتابات تُشبه السبرتو يتطاير أثرها بعد المقال بأسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

– فهل من أسباب انطلاقة “ملتقى السرد” تدارك هذا القصور في الساحة النقدية؟

بلا جدال.. أنا حريص في الملتقى على ما أُسميه القراءاة النقدية المسئولة، لأن مصر نُكبت بأنماط من الحضور النقدي عجيبة، فهناك من أسميه “ناقد القطار”، حيث يقرأ النص وهو في الطريق ولا يتورع عن حضور ندوة أو مناقشة قد تستمر لساعات لنص لم يقرأه جيدًا، وإنما قرأ العنوانات فقط في المركبة أو القطار أو السيارة التي أتى فيها، وهذه مسألة كارثية، كما أن النقاد يعدون كليشيهات نقدية، ويضعون فيها أي نص. وبالمناسبة نشطاء الفيس بوك بدءوا يفضحون هذه الممارسات، اكتشفوا أن (س) من النقاد مثلا له عبارة بعنوان “هذه رواية فارقة”، أو “هذا ديوان فارق”، يقولها مع كل الدواوين التي يناقشها، ومع كل الروايات التي ناقشها. وبعضهم يشترط أن يحل ثالثًا في ترتيب المناقشة حتى يسمع من المناقشين الآخرين شيئًا يستطيع أن يستضيء به في قراءة النصوص، هذا واقع تجده في اتحاد الكتاب، وتجده في المجلس الأعلى للثقافة، وتجده في كل منابرنا الأدبية والنقدية، في مقابل ناقد آخر تكون معه عُدّة وأدوات جيدة على المستوى المنهجي، يتمثل البنيوية، ويتمثل التفكيك، ويتمثل علم التأويل، ويتمثل أحدث الصيحات النقدية، لكن ليس له من البصيرة النقدية والموهبة ما يستنزل به هذه المعرفة النظرية على النصوص. ولدينا نمط ثالث من النقاد وهو الناقد الانطباعي الذي قد يندمج اندماجًا صوفيًّا بالنقد، لكن تعوزه الأدوات المنهجية.

– يُتهم “ملتقى السرد” باحتضان تيار وإقصاء آخر.. هل هذا صحيح؟

سأكون صريحًا، منذ وُجد ملتقى السرد من الأسبوع الثاني أو الثالث والمعارك بدأت، بدأت سلسلة اتهامات لهذا الملتقى بأنه يحتضن تيارات في الكتابة بعينها، وهذا ليس صحيحًا، بدليل أن المنصة شهدت تنوعًا لكل أسماء الحركة القصصية الموجودة، وبالمناسبة ظهرت أيضًا تنوعات في الأجيال.

هناك بعض الأسماء التي لم ُيتح لنا أن نُناقشها بسبب ضغط الجدول، فلعلها أحست بشيء من الحفيظة أو الغضب المكتوم أو حتى المعلن، لكن سرعان ما يزول هذا الغضب بعد أن نناقشه.

بعض الناس يأخذون علينا أننا نأخذ منهجًا جادًّا يوشك أن يكون منهجًا أكاديميًّا وأنا أتعمد هذا، لأنه بعضهم قال إن ملتقى السرد العربي (مقصلة نقدية)، لأننا في الحقيقة لا ندلل الكاتب مطلقًا، لكن أنا أقول في الوجه الآخر من العملة لا نحمل معولا مطلقًا.

كما أن هناك غَيْرَة من المؤسسات الثقافية، سببها حضور الجمهور الذي بدأ يستقطبه ملتقى السرد، على عكس ملتقيات المؤسسة الثقافية الخاوية، وأصارحك بأن من أسباب رحيلي عن لجان المجلس الأعلى عدم وجود جمهور. فما جدوى أن نكون في اللجنة أنا ويوسف القعيد وهالة البدري، وبعد أن نعد إعدادًا طيبًا، وتعتمد الاعتمادات المالية، نجد الحضور في القاعة حضورًا محبطًا. فهناك حفيظة داخل لجان المجلس الأعلى للثقافة من أن ملتقى السرد العربي بدأ يستقطب الجمهور ومن ثمّ بدأ يأخذ زخمًا إعلاميًّا.

هناك أيضًا استثارة لحفيظة هيئات قصور الثقافة على أساس أن ندوات قصور الثقافة أيضًا تعاني من نفس الشحوب الجماهيري، كما أنها غارقة في الأداء البيروقراطي، فأهم شيء أن تُسوَّد الخانات، وأن توضع صور البطاقة، وأن تُسجل الأسماء ثلاثية، فهي غارقة في القيود البيروقراطية، وبالتالي فقد ماتت التجربة الأدبية في هيئة قصور الثقافة.

ومن المضحك أيضًا أن أحد كتاب الرواية من جيل الستينيات كتب مقالة في صحيفة “الأهرام” بعد مرور عام على ملتقى السرد العربي في نصف صفحة يقول: “لاحظت أن هناك ملتقيات بدأت تستقطب الجماهير، وأحذر المؤسسة الثقافية من هذا”، وهو أمر غريب، فهل من المفروض أن يثير الحضور الجماهيري بملتقى السرد غضبه أم سعادته؟!.

– إذن فالمقالات التي كُتبت للهجوم عليك كان جزءًا منها هجوم على ملتقى السرد في شخصك؟

بالـتأكيد.. فالقناة الثقافية غطت كثيرًا من فعالياتنا، وكذلك الإذاعة، وهناك مساحات صحفية غطت الفعاليات.

– في الختام.. ما الأهداف الذي تَعِدُ متابعي “ملتقى السرد العربي” بالوصول إليها قريبًا؟

الشيء الأول: مزيد من الالتحام بالأطروحات والرسائل الجامعية والحراك الجامعي. الآن أتصور أن طلاب الدراسات العليا الذين ندرّس لهم داخل الجامعة ونستقطبهم إلى ملتقى السرد يُتابعون النشاط الأدبي الجديد، وهذا ما أعد به في الفترة القادمة.

الأمر الثاني: أتصور أن ثقافة المصريين في التعامل مع الجوائز الكبيرة ستتغير إلى الأفضل. مثلا مما قلته في أكثر من ندوة إن البوكر تستبعد أعمالا مصرية كثيرة، وهذا ما قاله الأمين العام للبوكر شخصيًّا.

– هل هذا عن عمد؟

ليس عن عمد، وإنما في تقديري عن استحقاق، فالأمين العام للبوكر قال لي إن معظم الأعمال المصرية بها مساحات خطأ لغوي كبيرة جدًّا، وهذا يدفعنا إلى أن نستبعد كثيرًا من الأعمال.

نحن في ملتقى السرد نحاول أن نجلس إلى الأجيال الجديدة في الكتابة القصصية، وأن نناقشهم بهدوء وتريث، وأن نبصرهم بمكامن العوار، لأن المدرسة النقدية المصرية في السنوات العشر الأخيرة بدأت تغض الطرف عن الأخطاء اللغوية، وتَعتبر هذا ملمحًا كلاسيكيًّا.

مثلا حجاج أدول، وهو من أعز أصدقائي، وهو كاتب قصصي مهم، لما رشح عمله (ثلاث برتقالات مملوكية) لجائزة البوكر، ثم استبعد، وجدت لديه غصه وغضبة، فقلت له صراحة في ندوة من الندوات في الإسكندرية وأنا أناقش عمله، إن فيها ما يزيد عن خمسين خطأ لغويًّا، ولو كنت مكان البوكر لاستبعدته.

من المفروض أن يراجع الكاتب بروفة العمل بنفسه بعد مراجعتها من قبل المدقق اللغوي، فهذه اللغة التي كتب بها العمل بها هي ابنته، لا يصح أن يكلها إلى أحد يتعهدها بالتربية. وبالتالي أزعم في الفترة القادمة أننا سنرهف وعي كتاب القصة الجديدة بثقافة الجوائز، والتعامل مع الجوائز، ونحن في كل مرة نحلل الأضابير والدهاليز التي تحدث داخل البوكر.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا