الواقع الاجتماعي والسياسي في عهد مبارك في أدب نجيب محفوظ

0

امتدت حياة الروائي الكبير نجيب محفوظ (1911/ 2006م)(1) عهدًا أتاح له أن يعايش فترات كبيرة من تحولات التاريخ المصري؛ فقد أطلت طفولته على ثورة 1919م، ووعي شبابه حراك التيارات السياسية المتباينة في الربع الثاني من القرن العشرين، ثم استقبل ثورة يوليو 1952م، وعايش دولتها بقيادة زعمائها الأربعة. ولم تكن تلك الأحداث التاريخية الكبرى – التي استوعبها تمامًا – لتغيب عن إبداعاته الفنية؛ فلا تكاد قصة من أعماله تخلو من حدث سياسي مؤثر، يحرك مجرى الأحداث الروائية، أو يكون خلفية لأحداثها، فمجريات الحياة السياسية في قصص نجيب محفوظ كثيرًا ما تتدخل لتصنع حياة أبطاله وتوجه مساراتهم. ومن وراء الحدث القصصي تقف رؤية الناقد البصير المبرز لأخطاء الساسة وسلوكياتهم الأنانية بشكل مباشر أو غير مباشر.

وقد أصدر نجيب محفوظ ما بين عامي (1981م / 2004م) تسع روايات، وتسع مجموعات قصصية متعددة الاتجاهات والموضوعات. وهذه القصص والروايات على تعددها لا تخلو من نقد للواقع الاجتماعي، وتكريس لفكرة الثورة أو تنبؤ بها؛ وإن لم تَدْعُ بشكل صريح إليها. وهذا الإطار الكلي (نقد الواقع الاجتماعي والتكريس للثورة) يمثل رؤية نقدية للواقع، وتصوَّرا للمستقبل.

 والرؤى الثورية الكليّة التي تطرحها أعمال نجيب محفوظ يمكن استشفافها عبر محورين، أولهما: نقد الواقع الاجتماعي والسياسي، والأخير يستشرف المستقبل مقدمًا بعض المخاوف والتصورات المجهولة، الأمر الذي يجعل هذا التصور تصورًا ضبابيًا. وهذان المحوران متآلفان ومتزامنان، بمعنى أن أحدهما ليس نتيجة للآخر، ولا هو تحول عنه. وهو يقدم رؤيته الثوريّة عبر هذين المحورين من خلال الطرح الواقعي المباشر عبر التقنيات القصصية تارة، ومُستَخْدِمًا الرمز تارة أخرى.

وأغلب الطروح الرمزيّة الأكثر جرأة واقتحامًا يقدمها محفوظ في مجموعة: أصداء السيرة الذاتيّة 1995م، ومجموعته الأخيرة التي صدرت قبل وفاته بعامين: أحلام فترة النقاهة 2004م. وهاتان المجموعتان القصصيتان يمكن تصنيف كل ما جاء فيهما من القصص في إطار القصة القصيرة جدًا، وهي نمط بنائي جديد، لا تتجاوز القصة فيه بضعة سطور، وهي تختلف عن القصة القصيرة ((فيما يتعلق بطبيعتها: إذ تقوم على اختزال اللغة، وتهتم لحظة الكشف والاكتشاف، وفيما يتعلق بالبناء: تُعْنى بوحدة الأثر (مَثَلُهَا كمثل القصة التقليدية)؛ ولكن من خلال لحظة))(2). وهذا الاختزال الشديد يتيح تعميق الرؤية وتكثيفها وتوجيهها بشكل كبير، وهي – في ظل هذا الاختزال – لا يتاح لها الاستطراد والتفصيل، ومن ثمّ تكون الصورة الرمزيّة أعمق وأجدى فنيًا.

وليست أصداء السيرة ضربًا من ضروب كتابة السيرة الذاتية، فهي (وإن تضمنت الكثير من الشذرات الواقعية الفعليّة التي يمكن أن تكون عالقة في ذاكرة شيخ تجاوز الثمانين إبَّان نشرها) تعكس مجرد أصداء، وتعيد بلورة هذه الأصداء لتُعَبِّر عن رؤية جديدة، رؤية يمكن أن تكون – من خلال هذا الطرح – ذاتية. أما أحلام فترة النقاهة فهي مجموعة من الأحلام، والأحلام ((مجالٌ خصبٌ لإفراز الصور المفككة غير المترابطة، والتي تبدو للبعض ملغزة، وغير متناسقة ))(3)، وهو ما يجعلها تنهض بالوظيفة الرمزيّة بشكل غير مسبوق، لتخففها من الإطار الواقعي. وأحلام فترة النقاهة (المجموعة القصصية ذات القصص القصيرة جدًا) تختلف عن أحلام الروايات، لأن الحلم في الرواية يكون وليد سياق يجعله وليدًا لسلسلة من الأحداث وتعبيرًا عن المشاعر المكبوتة. أما القصة القصيرة جدًا فهي موجَّهة نحو لحظة إنسانية بعينها، وهذا الشكل البنائي المتفرِّد يجعلها رمزًا خالصًا ونقيًا.

 وفيما يلي عرض لمحوري الرؤية الثورية عند نجيب محفوظ:

 أولاً- نقد الواقع السياسي والاجتماعي:

يقدم نجيب محفوظ رؤية للواقع المصري الذي يعيشه المواطن الكادح البسيط، وهو – بطبيعة الحال – واقع مرير يحول دون تحقيقه لأقل مما يتطلع إليه من أساسيات الحياة!

والحكومة – في إطار هذه الرؤية – مسئولة عن هذا التردي؛ فالسقوط في هُوّة الفقر والحرمان التي يقع فيها أبطال قصص نجيب محفوظ نتيجة مباشرة لانصرافها عن الاهتمام برعاياها، كما أن هؤلاء الرعايا هم – على نحو ما – سلبيون في المطالبة بهذه الحقوق. ويمكن التمثيل لهذه الرؤية من خلال قصة: أسعد الله مساءك، التي عاش بطلها (حليم عبد القوي) طفولته وصباه في سعادة (في تلك الفترة التي كان الموظف الحكومي فيها محسودًا)، وعندما مات والده ووظِّف هو في الحكومة اضطر للبقاء بدون زواج ليعول أمه وشقيقتيه (العانستين)، وعاش معهما في شقة الأسرة (التي أصبحت فيما بعد أشبه بكومة القمامة) وعجز عن الارتباط بحبيبته؛ وعن الارتباط بأي زوجة، لأنه لا يملك القدرات المالية المناسبة، وعندما توفيت والدته وشقيقتاه، وأحيل إلى المعاش حاول من جديد أن يتزوج خاصة وقد اكتشف أن حبيبته قد عادت لسكنها القديم المجاور لشقته بعد أن أصبحت أرملة وحيدة يعيش ولداها في السعودية. وتنتهي القصة على أمله ومحاولاته الشاحبة للارتباط بها من جديد(4).

تظهر رؤية الكاتب من خلال السرد الذي يعبر فيه البطل عن شكواه: ((عُمْرُ طويل تقضَّى في خدمة الحكومة، أفنى شبابي وكهولتي، وأطل بي على الشيخوخة. وأظلني بولاء لمَلِكٍ وأربعة رؤساء، فلم يشعر أحدهم لي بوجود))(4). وهكذا تلخص العبارة التي جاءت في سياق مفتتح القصة تفاصيل القضية في مقابلة بين (عطاء البطل وولائه المستمر للحكومة في جميع أنظمتها الملكية والجمهورية) وجحود الحكومة التي لا يعرف أيٌ من رؤسائها الأربعة هذا المواطن البسيط الكادح. وهو ما يقودنا – في القصة نفسها – إلى تصور مسالة مفاضلة المصري بين المصلحة الفرديّة والمصلحة الوطنية، هل يظل المواطن المُهَمَّش البسيط المُهمَل أبد الدهر على هذا الولاء رغم ما يلاقيه من جحود؟ يظهر هذا من خلال الحوار بين البطل حليم عبد القوي، وصديقه حمادة الطرطوشي، يقول حمادة: ((لا أظن أن الوطن سيخرج من أزمته بسلام)) فيرد حليم قائلاً: ((دعنا في أزمتنا نحن! عمرنا يحسب باليوم، وعمر الوطن يُحسب بالقرون))(5).

إن شخصية المواطن البسيط (حليم عبد القوي) هي صورة نموذجية للمواطن المصري المسرف في الولاء لرؤسائه (على ظلمهم وجحودهم)، فهو – كما يوضح اسم البطل الذي لم يكن اختياره عشوائيًا – (حليم) وكذا (عبد لكل قوي). ونجيب محفوظ يجعل من اسم البطل في كثير من قصصه دالاً على نحو ما، بحيث يخدم رؤيته المُقدَّمة من القصة.

لكن هذا الحِلْم المتطاول والصبر المتناهي الذي يعبر عنه اسم البطل يوشك أن يوضع في موضع الاختبار حينما تبدأ شخصيته في المفاضلة بين مصلحتها (وهي في أخريات عمرها) ومصلحة الوطن (وعمره محسوب بالقرون).

وثنائية (الولاء / الجحود) التي تُطرح بشكل واقعي في قصة أسعد الله مساءك يُعاد طرحها بشكل رمزي في حلم 81 ضمن مجموعة أحلام فترة النقاهة:

 ((أخيرًا ذهبت إلى القصر، ورجوت البواب أن يبلغ الهانم أن الفائز بجائزتها حاضر ليقدم الشكر بنفسه إذا تنازلت وسمحت بذلك، ورجع الرجل بعد قليل وتقدمني إلى بهو راعني جماله وضخامته، ولم تلبث الموسيقى أن عزفت لحن الإقبال، فأقبلت الهانم تتهادى في أبعادها الفاتنة، فقمت لألقي خطاب الشكر، ولكنها بحركة رشيقة من يديها كشفت عن ثدييها، وأخذت من بينهما مسدسًا أنيقًا، وصوبته نحوي، فنسيت الخطاب… وأخذت أنصهر قبل أن تلمس زناد المسدس.))(6).

يقوم عمل الصورة الرمزيّة على ((محاولة لاختراق ما وراء الواقع وصولاً إلى عالم من الأفكار)) (7). ومن ثمّ يُسْتوعب الرمز في القصة حين يتحول إلى هالة شفيفة من الأفكار ذات المغزى التي نتوصل إليها من خلال التأويل، فصورة الهانم القادمة على ألحان الموسيقا التي تستل مسدسًا من بين نهديها لتصوبه نحو ضيفها يمكن أن تكون صورة رمزية للحكومة التي تصوب نارها نحو شخص المواطن الذي يقدم لها فروض الطاعة والولاء. ولا يقف الرمز عند هذا الحد، لكنه – أيضًا – يُبرز الهُوّة الممتدة بين الحكومة والشعب، حين يضطر المواطن لاستئذان البواب والإلحاح عليه ليسمح له بالدخول، ويبرز أيضا الخيلاء والتعالي حين تُقْبل تلك السيدة على أنغام موسيقا الاستقبال. ولا يكف الرمز عن تقديم مزيد من الإيحاءات، فالمسدس يخرج من بين ثدييها، حيث تتبدل مهام العطاء والحنو (الرضاعة ورعاية الأطفال) الذي يتولد عنه البُنُوَّة والانتماء، ليكون موضع الحب الحب والعطاء موضعًا للعنف الدموي والقتل والانتقام. وكل هذه الأفكار والتأويلات تصبُّ في حيِّز الرؤية الكليّة للكاتب التي تبرز صورة الحكومة المستبدَّة.

 وعلى جانب آخر امتدت رؤية نجيب محفوظ الناقدة للواقع السياسي لتطول مؤسسة الرئاسة نفسها؛ وقد نشر نجيب محفوظ روايته: أمام العرش سنة 1983 م (بعد عام وعدة أشهر من تولي الرئيس السابق مبارك)، وتقدم الرواية مجلسًا من حكماء الفراعنة ومعبوداتها القديمة وقد عُقِد لمقاضاة كل حكام مصر، وكبار رجال حكومتها وثائريها، من لدن مينا إلى أنور السادات. وانتهت محاكمة عبد الناصر والسادات بوضعهما بين الخالدين، وإن لم تخل المحاكمة من توجيه الكثير من التُهَم والإدنات (8).

وهذه الرواية يشوبها الكثير من القصور – على المستوى الفني – فهي تفتقر إلى الحدث والصراع، فالحدث فيها لا يُصنع، وإنما يُسرد من ذاكرة صانعيه التاريخيين دون إعادة تشكيل فني أو خيالي. أما أحداث المحاكمة فهي نمطية يعاد تكرارها (بنفس الكيفية ونفس العبارات تقريبًا) مع كل شخصية تاريخية تُستدعى للمحاكمة. ويبقى الجانب الخيالي المُبتدع الوحيد فيها متمثلاً في صورة المُحاكمة التي يديرها كبار حكماء الفراعنة ومعبوداتهم، وهي الفكرة الكليّة البسيطة التي تنتظم فيها الرواية.

وحين نربط بين رواية: أمام العرش ودراستنا قد لا نجد فيها أي إشارة لرئيس مصر الجديد – آنذاك – الرئيس السابق مبارك، غير أن الرؤية في هذه الرواية تقوم على فكرة: مسئولية الحاكم أما التاريخ، وهي فكرة تُنَاسب بداية عهد جديد لم تُعرف توجهاته بعد.

 والحق أن نجيب محفوظ قد وجّه الكثير من الانتقادات لرؤساء مصر السابقين، على الأخص عبد الناصر وحكومة الثورة، ثم السادات وسياسته العامة، ثم سياسة الانفتاح الاقتصادي على نحو كبير، وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية الناجمة بشكل مباشر عن الأخطاء السياسية، وكانت كتاباته تجعله دائمًا على حافة الهاوية، وعلى قاب قوسين أو أدنى من السجن والاعتقال (وإن نجا من ذلك كله ولم يتعرض لشائبة أذى) (9). أما الرئيس السابق (حسني مبارك) فقد ذكر رأيه فيه (خارج كتاباته الأدبية) بعد أن وجّه الكثير والكثير من الانتقادات للرئيسين السابقين قائلا:

 ((شهادة لله والتاريخ أن حسني مبارك شخصية ممتازة جدًا، ورجل نظيف، ومخلص، ومهتم بمشاكل البلد … ركَّز على الإنتاج والتطوير في الداخل، وعلى السلام في الخارج … يُحكِّم العقل قبل العاطفة، أنا أثق في أنه رجل ديموقراطي وحريص على تطبيق الديمواقراطية… وهذا لا يعني أن حكم مبارك خال تماما من الأخطاء، ففي مقابل الصورة الطيبة التي رسمتها هناك سلبيات، ورثها أساسًا من العهد السابق، مثل الفساد، والإهمال، والتسيب، والمطلوب تعديل نظام الانتخابات بحيث نشهد وجود أكثر من مرشَّح في الرئاسة، مع ثقتنا بأن الشعب سيختار مبارك أيضًا..))(10).

وقد قيل هذا الكلام سنة 1998م (في ذروة حكم الرئيس السابق مبارك)، وهذا القول ينطوي – دون شك – على كثير من المجاملة للرئيس السابق، منها على سبيل المثال اعتبار ما يراه من صور الفساد والإهمال والتسيب موروثًا عن عهود سابقة، رغم مرور ثمانية عشر عامًا على توليه الرئاسة! ولسنا – على كل حال – بصدد توجيه أي اتهام لمحفوظ بسبب هذه العبارات التي انتقيناها من بين ثلاث صفحات، فهذا الأمر خارج موضوع كتابنا أصلاً، لكن من يقرأ شهادة محفوظ على الرئيس السابق مبارك قراءة واعية سيجد الكثير والكثير من أوجه النقد والاتهام مُغَلَّفة بعبارات من المجاملة التي يقتضيها إيثار السلامة، ومن المؤكد أن هذه الشهادة كانت ستختلف تمامًا لو أنها قيلت فيما بعد تنحيِّه عن الحكم.

وفيما يبدو أن هذه المجاملة – إذا تجاوزنا عن فكرة الرغبة في إيثار السلامة – كانت مبنية على نوع من عدم الارتياب في شخص الرئيس السابق ذاته، وإن كانت الارتياب وسوء الظن لم يبرحا معاونيه وحكومته. وآية ذلك أن السنوات الأُوَل من حكمه كان مشهودًا بكفاءته ونزاهته خلالها. وهو ما أعلنه محفوظ في رواية: قُشتمر 1988م، حين قال على لسان أبطاله الخمسة الذين كانت حياتهم محور الرواية(11):

(( ذهبنا متوكئين على العِصيّ إلى مركز الاستفتاء بالمدرسة القديمة بين الجناين لننتخب الرئيس الجديد الذي تعلقت به آمالنا بقدر تعلقها بالأمان والحياة))(12).

ورؤية محفوظ تؤكد في هذا الصدد أن الريس سليم النيّة، وليس هو المسئول الوحيد. وفي الرواية نفسها يدور هذا الحوار بين صديقين من الأصدقاء الخمسة:

 ((.. ويستطرد حمادة: عايشنا الوطن مع ثورتين، وصادفنا من الآمال والإحباطات ما لا يعد ولا يُحصى، وها نحن نشهد الوطن مطحونًا في مأزق لم يجر لأحد في خاطر … ويقول إسماعيل: لا أعفي أحدًا من مسئوليته، ومن الخطأ أن نحصر الذنب في شخص أو شخصين ..)) (13).

حين كتب نجيب محفوظ رواية قشتمر لم يكن قد مر على تولي الرئيس السابق مبارك الحكم سوى فترة رئاسية واحدة؛ لكن صورة الرئيس السابق وإن كانت قد تغيرت إلى حد كبير عندما كتب محفوظ أصداء السيرة الذاتية 1995م ؛ لم تتغير رؤية محفوظ في إيمانه بنقاء الرئيس، وعدم الرغبة في تحميله تبعة الخطأ وحيدًا، وهو في هذه المرحلة يتجاوز فكرة الخطأ غير المقصود من حاشية الرئيس، ويرى أن الخطأ متعمَّد ومقصود، وأن الرئيس مُضَلَّل، وهذه الرؤية تُطرح بشكل رمزي – طبعًا – في قصة المُستشار:

((قال الشيخ عبد ربه التائه: حُبًا في الهداية قررت زيارة صاحبكم الذي ضجت الأرض من ظلمه وفساده، طلبت مقابلته، فاستقبلني مستشاره، وقدَّم لي القهوة. والتقت عينانا لحظة، فعرفت فيه إبليس مُتَنَكِّرًا. ولما أحسّ بأنني عرفته ضحك قائلاً: خسرت الجولة فالعب غيرها))(14).

ونود الإشارة -أولاً- إلى أن شخصية الشيخ عبدربه التائه التي تظهر في كثرة كثيرة من قصص هذه المجموعة، والتي ((تختلط صورته لدى بعض القرَّاء السطحيين بشخصية الدراويش التي يقابلونها كثيرًا في رواياته هذا الرجل ما هو – في الحقيقة – إلا نجيب محفوظ، إنه الرمز أو الوجه غير المرئي لنجيب محفوظ)) (15). واستخدام هذا القناع الذي يجعل من عبدربه التائه صورة أخرى من نجيب محفوظ له دلالاته وإيحاءاته المعرفيّة والنفسيّة، فهو شيخ كبير طاعن في السن، تائه، عابد لربه، وكأنما أراد محفوظ أن يُعبِّر عن ((الإنسان الباحث عن نفسه وعن حقيقته، وعن ماضيه .. إنه الإنسان الحائر دائمًا، التائه دائمًا، الذي يحاول فهم الكون من حوله واستيعاب الحياة والناس))(16). وهذه الصورة التي تجمع بين الشغف المعرفي والرغبة في فهم الكون وإصلاحه التي يمثلها الشيخ عبدربه التائه هي التي ساقته نحو (هذا الذي ضجت الأرض من ظلمه وفساده) ليكتشف أن المسالة تتعلق بكون إبليس مستشارًا له، وهو –هنا– لا ينفي التبعة عن رمزه الذي اختاره ليعبر عن شخص الرئيس السابق، لكنه – في الوقت نفسه – ينفي عنه سوء النية، ويصوره مُضللاً.

غير أن نهاية القصة ليست في واقع الأمر نهاية، إنها تفتح باب السؤال، فالجملة التي تُختتم بها القصة جملة مُبهمة (خسرت الجولة، فالعب غيرها)، هل الفعل: (خسرتَ) فيكون الخاسر هو الشيخ عبدربه الذي يمثل ضمير الكاتب اليقظ؟ ومن ثمّ يظل إبليس باقيًا في منصبه الاستشاري؟ أم أن الفعل: (خسرتُ) فيكون الخاسر هو إبليس؟ غير أن اختلاف التأويل لا ينفي – في الحالين – بقاء اللعبة واستمرارها، فإبليس (هازمًا أو مهزومًا) يطالب الضمير الحر بأن يلعب غيرها، اللعبة مستمرة – إذن – والصرع أزلي وباق.

على أن صورة الرئيس السابق بدأت في الاهتزاز في مرحلة تالية 2004م، أي بعد ثلاث وعشرين سنة من الحكم، وبعد صدور أصداء السيرة بتسع سنوات، ونجد أن نجيب محفوظ ما زال متمسكًا بالصورة الطيبة للرئيس السابق، لكنه أيضًا على وعي بأن هذه الصورة الطيبة قد لا تكون موجودة عند الآخرين، يقول نجيب محفوظ في حلم 82:

((أسعدني كثيرًا أن يتولى شئون المؤسسة المدير الجديد، على الرغم من أنني لم أشارك في انتخابه. ولكن كلَّما أثنيت عليه تصدى لي إخوان بالسخرية، فسرت حائرًا بين الإعجاب من ناحية، والسخرية من ناحية أخرى، ولكني رفضت اليأس رفضًا تامًا))(17).

لم يشارك بطل هذه القصة في انتخاب رئيسه (الذي يعبر عنه رمزيًا بكونه مدير المؤسسة)، ولا بأس، فكل الشعب لم يشارك في انتخابه، وهذه إشارة إلى فساد نظام الاستفتاء على الرئاسة، لكن البطل – مع ذلك – يسعد بوجوده، وإن كان لا يتألم من رفض الآخرين للثناء عليه، وسخريتهم من هذا الثناء، فالآخرون كما يقول البطل ليسوا محل ريبة، إنهم (إخوان)، وعمومًا لا مكان لليأس عنده، فهو مازال آملا في أن الموقف من الممكن تداركه بشكل من الأشكال.

ونجيب محفوظ – إذ يبدي تعاطفًا مع الرئيس السابق – يرفض تمامًا ويبدي الكثير من المخاوف تجاه فكرة توريث الحكم لنجله التي بدأت في عام 1997م، وكانت قد تبلورت تمامًا عندما صدرت مجموعته الأخيرة أحلام فترة النقاهة، وهو يُعبر عن هذه الفكرة بشكل رمزي في: حلم 24 الذي تدور أحداثه حول رجل يحاول إصلاح شقته في الإسكندريّة، ويستأجر مجموعة من العمال لإصلاحها، ويكتشف أن بينهم شابًا يتذكر أنه رآه يغتصب حقيبة سيدة ويلوذ بالفرار:

(( سألت المعلم عن مدى ثقته بالشاب.. فقال: إنه ابني وتربيتي، فاستقر قلبي إلى حين، وطلبًا للأمان فتحت إحدى النوافذ … ولكني رأيت حارة الجراج التي تطل عليها شقتي في القاهرة! … وجرى الوقت .. فطالبتهم بإنهاء العمل قبل الظلام لعلمي بأن الكهرباء مقطوعة .. فقال الشاب: لا تقلق معي شمعة، فساورني الشك بأن الفرصة ستكون متاحة لنهب ما خف وزنه وغلا ثمنه، وبحثت عن المعلم، فقيل لي: إنه في الحمام، وانتظرت خروجه وقلقي يتزايد، وتصوَّرت أن غيابه في الحمّام مؤامرة، وأنني وحيد في وسط عصابة، وناديت على المعلم، ونذر المساء تتسلل إلى الشقّة))(18).

إن الشقة التي يعمل فيها المعلم بصحبة ابنه (في الإسكندرية)، ومع ذلك تطل شرفاتها على شوارع القاهرة، فالمعلم وابنه يبسطان نفوذهما على مصر كلها، وحين تكون نذر الظلام مقبلة على مصر يحق لنا أن نتساءل مع بطل هذه القصة: هل يستطيع هذا الشاب المُستراب فيه – أصلاً – أن يبدد الظلمات بشمعته التي يحملها؟ وهل يمكن أن يكون تغييب المعلم، وتركه الفرصة لهذا الشاب المشكوك فيه مؤامرة تحدق بالشقة / الوطن؟.

وهكذا تقدم لنا رؤية محفوظ الثوريّة في جانب منها نقدًا للواقع الاجتماعي والسياسي، وتدين من خلال هذه الرؤية القوى السياسية الحاكمة لمصر، كما تدين بشكل غير مباشر الخضوع الشعبي المستهجن، ولا تكون هذه الإدانة – طبعًا – بشكل مباشر وصريح، وإنما تكون من خلال صوغ أدبي ورؤية فنية يغلب عليها الترميز.

ثانيًا- تصوُّر ضبابي للمستقبل:

حين يكون الواقع مأزومًا ومُحطَّمًا تكون الخطوة الأولى هي الكشف عن موضع الداء؛ ثم يكون استشراف المستقبل خطوةً تالية، بحيث يكون المستقبل مُسْتَئْصِلاً للداء، ومُهَيِّئًا لواقع أفضل.

 وفي رؤية محفوظ للمستقبل يتخوف أن يكون البديل هو العودة إلى الماضي، وإعادة بنائه، ولا يحدد محفوظ – بشكل واضح وصريح وقاطع – ماهية الماضي الذي يتخوف من العودة إليه. لكن يكفي أن يكون المستقبل بعيدًا عن التجارب الفاشلة التي سبق أن عاشها المجتمع المصري. وهو يرى كل التجارب السياسية والفكرية الموجودة على الساحة غير مؤهلة لرسم المستقبل المُرتجى. هذا ما يُعَبَّر عنه في قصة: المسخ والوحوش، حيث يلتقي بطل القصّة بمن يظنه الخضر، ويظن بعدها أنه صاحب رسالة، فقد أخبره الخضر بأن الحياة لا طعم لها في وجود ((مسوخ لهم مسوخ من ضحاياهم، ولا نجاة لهؤلاء وأولئك إلا بقتل الوحش ))، ومن هذه الليلة بدأ البطل رحلته الإصلاحية، ليجد أن هذه المُعضلة لها رؤى متفاوتة ومتباينة بتفاوت وتباين القوى السياسية المصريّة، على هذا النحو:

 المسوخ     مسوخ المسوخ       الوحش

الحزب الوطني الديموقراطي ( الملاحدة الشيوعيين) /

( التيار الديني المتطرف)   أتباعهم المضللون  روسيا والشيوعية /

إيران وليبيا

اليساريون

( حزب التجمع )    أتباع الغرب لا مسوخ لهم لأنهم يفشلون في إيجاد أتباع       أمريكا والإمبريالية االعالمية

التيار الديني المتطرف      حكام العالم الإسلامي المستبدون   جمهور المسلمين       نظام الحكم المستبد في العالم الإسلامي

حزب الوفد    الأحزاب السياسية عدا الوفد البلد وفدي100 % فلا أتباع لهم  النظام الديكتاتوري الحاكم

المثقفون     الجهلاء الذي احتلوا المناصب     أتباعهم الأجهل منهم الجهل

الصوفيون    عشاق الدنيا الفانية  المبهورن بما يملك سادتهم من نعيم      النفس الضالة

وعلى حين يعجز البطل تمامًا عن مواجهة هذه المسوخ، وتلك الوحوش لا يجد من الخضر (حين يلقاه) ذلك الوجه المبتسم الطيب الذي رآه منه في المرة الأولى، ويتركه الخضر غارقًا في حيرته(19).

وتسلمنا هذه القصة إلى رؤية ضبابية متخوفة من صراع هذه التيارات المتضاربة، والتي لا تطرح إلا حلولا ذاتية تخدم مصلحتها أو أيديولوجيتها في المقام الأول.

ونعود إلى مجموعتي محفوظ المتميزتين أصداء السيرة وأحلام فترة النقاهة، لنجد طرح محفوظ لرؤية الخوف من اجتياح الماضي بشكل رمزي، فبطل قصة الأشباح في أصداء السيرة يرى الماضي هيكلاً عظميًا يتطاير الشرر من عينيه، ويجتاحه الرعب حينما يرى أشباح الهياكل تعدو خلف هيكل عظمي يقودها نحو المدينة ويتساءل عمّا يُخَبِّئه القدر لمدينته النائمة؟(20). والبطل في حلم 141 يقول:

((هذا حيُّنا القديم، وهذا أنا أجول في أركانه حاملاً في قلبي ذكرياته، ثم خطر لي أن أقيم في البيت القديم حتى تخف أزمة المساكن، ولكني تبينت من أول يوم أنه لم يعد صالحًا للحياة الحديثة)) (21).

والرمز – بالطبع – واضح في دلالته على الرؤية التي يقدمها نجيب محفوظ دون التباس.

لا تجد رؤية محفوظ الخلاص في ابتعاث الماضي، لكنها لم تيأس من البحث عن هذا الخلاص، وطفقت قصصه وروايته تفتش عن حل يُجسِّد الحرية والكرامة والحب والأمل دون جدوى. هذا ما نراه في قصة اليمامة، حين تقدِّم طفلاً يُطارد يمامة دون جدوى، ويتعرض في سبيل الإمساك بها لكثير من الأذى، حتى كاد يلقى حتفه مرات عديدة، وتنتهي المطاردة بالطفل في المقبرة حيث يهبط المساء دون أن يستطيع الطفل الإمساك بها(22).

ونستطيع أن نتأول اليمامة الحرّة الشاردة المراوغة بما سبق أن أشرنا إليه من الحريّة والكرامة والمحبّة والأمل، غير أننا – وفقًا لهذه الرؤية – نحمل سذاجة طفل حين نظن أن بإمكاننا تحقيق هذه الأهداف في الحياة.

وهذه القتامة والسوداوية كانت مصير الفرعون النبيل إخناتون، في رواية محفوظ التاريخية الأخيرة العائش في الحقيقة 1985. والرواية التاريخية – عمومًا – غير معنية غير معنية بتقديم التاريخ مجردًا؛(( وإنما تكمن قيمتها في مدى براعة الكاتب في استغلال الحدث التاريخي واعتماده إطارًا ينطلق منه لمعالجة قضية حية من قضايا مجتمعه الراهنة)) (23).

وتُقدم الرواية قصة إخناتون عبر سرد تكراري، حيث ((تتكرر الوقائع والأحداث والشخصيات، فجميع مكونات المتن – باستثناء رؤية السارد – تظل ثابتة، لكن الرؤية مختلفة عن غيرها في كل مرة، بما لا يخلخل تعاقب المتن زمنيًا))(24)، ومن ثم تُحْكَي كل شخصية نفس القصة من وجهة نظرها الخاصة التي تتعارض، وكثيرًا ما قد تتناقض مع وجهات نظر الآخرين.

فإخناتون صاحب الرسالة السامية القائمة على المحبة والسلام في وجهة نظر البعض (أفاق ومارق ومجنون ومُخنَّث وأبله)، وفي وجهة نظر أخرى (قائد ومعلم وحكيم ومؤمن وبطل ). لم يستطع إخناتون أن يصمد برسالته إلى النهاية، انفض من حوله الجميع إما مقهورين، أو مختارين، ومات وحيدًا في مدينته الفاضلة التي بناها لتكون مهدًا لرسالته، ولا تزال الكثير من الشكوك تدور حول موته، فلا يُعلم – على وجه التحديد – هل مات مغمومًا مقهورًا بعد فشله؟ أم أن أعداءه احتالوا لقتله (25).

وتتواشج هذه الرؤية الفكريّة لهذه الرواية مع رؤية محفوظ، من حيث نظرتها القاتمة لمستقبل العالم المثالي النبيل، فالحلم المثالي دائمًا يصطدم بأرض الواقع، وعلى الأخص في عالم السياسة. فأغلب المتحلقين حول إحناتون كانوا من المنتفعين والوصوليين الذين انفضوا عنه بمجرد ظهور بوادر سقوطه، اما الأوفياء الذين أخلصوا له – فعلاً- فقد انتُزعوا من حوله انتزاعًا، وعاشوا في حياتهم الجديدة منفيين يجترون الماضي ويتألمون لذكراه.

وهذه الرؤية – أيضًا – تطل علينا مرة أخرى من روايته الرائعة رحلة ابن فطومة 1983 م. وهذه الرواية على ما تحمله من رُقِّي فكري وبراعة فنيّة لم تلق – فيما أظن – العناية الكافية من الدارسين. تدور احداث الرواية حول قنديل، الذي أُطلق عليه: ابن فطومة. تأثر البطل بآراء أستاذه الشيخ مغاغة، وطوَّف في الآفاق بحثًا عن دار الجبل التي لم يعد أي من زائريها أبدًا، إنها دار الكمال الذي ما بعده كمال، وكان وراء هجرته دافع نفسي؛ إذ راقت خطيبته في أعين الحاجب، فانتزعها منه، وهكذا كان ابن فطومة ضحية لنزوات رجال السياسة، وقد صادف ابن فطومة في رحلته إلى بلاد (دار المشرق، ودار الحيرة، ودار الحلبة، ودار الأمان، ودار الغروب) أنماطًا متفاوتة من السياسات والحكومات، أغلبها قمعي همجي، وبعضها يمكن اعتباره مثال للنموذج الشيوعي، والبعض للرأسمالي، والديموقراطي، وتعرض ابن فطومة للقمع والاعتقال في بعض من البلاد التي طوَّف بها، وأعجب جدًا بالنموذج الديموقراطي معتقدًا أن أهله أسعد البشر به، لكنه سرعان ما اكتشف أن السعادة مسالة نسبية، وانه لا توجد سعادة تامة، فكل الأنظمة التي مرّ بها تعاني من انتهاك الحقوق بشكل ما أو بآخر، حتى تلك البلاد التي نظنها أسعد البلاد بما وصلت إليه من تحقيق للحريات على أعلى مستوى، ومن عدالة ومساواة. هذه البلاد على الرغم من كل ما وصلت إليه لا تخلو من انتهاكات واعتداءات على حريات الآخرين، فما وصلت إليه من حضارة ورقي صورة زائفة منطوية على حقد دفين وأنانية مطلقة. ولا شك أن دار الجبل هي المكان الوحيد الذي يجد فيه الإنسان الكمال المنشود. وبالفعل توجه ابن فطومة إلى دار الجبل، لكن أخباره انقطعت تمامًا ولم يُعرف عنه أي شيء بعد توجهه إليها، ولم تعرف أخبار أسفاره الماضية إلا من مخطوطته التي تركها وديعة مع صاحب القافلة قبل رحيله إلى دار الجبل(26).

وسوف نجد الكثير من الخيوط الدلالية المشتركة بين: قصة: اليمامة، وروايتي: العائش في الحقيقة، ورحلة ابن فطومة، لعل هذه الخيوط الدلالية تلتقي عند البحث عن (اليوتوبيا) أو المدينة الفاضلة المثالية الكاملة. والرحلة دائمًا تنتهي بالموت، هنالك حيث انتهى الطفل عند المقابر في زحف الظلام، وفي مدينة إخناتون التي صارت خرائب لاقى حتفه فيها، وأخيرًا في دار الجبل المجهولة التي تنقطع أخبار كل من وصلوا إليها، وربما كانت صورة رمزيّة للعالم الآخر.

وهذه الرؤية السوداوية المُحبطة التي تقدمها القصص التي أشرنا إليها آنفًا هي مجرد رؤية جزئية ضمن الرؤية الثورية لنجيب محفوظ، ولعلها تبعة من تبعات إيمانه بأن السياسة مَفْسَدة وتنغيص للحياة، وأن كل الشرور التي نتعرض لها في حياتنا تقف من ورائها ألاعيب السياسة وترهات السياسيين.

 وإذا كان الواقع على هذه الدرجة من السوء، كما أنّ النظريات والقوى السياسية التي تحاول إعادة بعث الروح في أفكار ماضية عفا عليها الزمن لا هي نظريات مجدية، ولا هي مخلصة وأمينة؛ فإن الحل البديل قد يكون في العمل الثوري، الثورة التي تهدم نظامًا فاسدًا وتعيد بناء نظام جديد على أسس جديدة.

والحل الثوريّ – في حد ذاته – ليس موضع نجاح يقيني في رؤية محفوظ؛ لكنه على كل حال أجدى من الخنوع والاستسلام والرضا بالأمر الواقع.

ونحن نجد رؤية تجريدية للعمل الثوري في قصّة التنظيم السريّ، تقدم رؤية متكاملة للثورة منذ بداية تكوينها حتى النهاية، وهذه الرؤية تجريدية لأنها لا تقدم مضمون هذه الحركة الثائرة، ولا طبيعة مبادئها، ولا تشي بانتماءاتها، كل ما تعرضه عنها كونها تمردًا على نظام فاسد.

تقدم القصة مجموعة سريّة تباشر عملها المُنظَّم، وتمضي من نجاح إلى نجاح، بسبب كفاءة أفرادها وإخلاصهم وإيمانهم بما يؤدون من أ عمال. حتى باتت أعمالهم وخليتهم السريّة حديث وسائل الإعلام، وأصبحت شوكة في ظهر النظام تقضّ مضجعه، غير أن الخلاف قد دبّ إلى هذه المجموعة السرية – أخيرًا – وهي في أوج نجاحها وانتصارها، ولم يكن الخلاف حول الثوابت، لكنه تعصب أحمق لبعض الأراء الجزئية، وبدأت أمارات التفكك والانقسام في الظهور، ولم تلبث تلك المجموعة أن تفككت، وتم القبض على أعضائها واحدًا بعد الآخر(27).

وقد عاد محفوظ إلى طرح الرؤية الثورية بشكل أعم وأقوى في أخريات حياته، على الأخص في المجموعتين الأخيرتين، فه يرى الثورة ويتنبأ بها في أصداء السيرة، إذ يقول البطل عبدربه التائه في قصة الطوفان:

(( سيجيء الطوفان غدًا أو بعد غد، سكيتسح النساء، والفاسدين، والعاجزين، ولن يبقى إلا الأكفاء، وتنشأ مدينة جديدة تنبعث من أحضانها حياةٌ جديدة، ليت العمر يمتد بك يا عبدربه لتعيش ولو يومًا واحدًا في هذه المدينة))(28).

ويعاوده هذا الحلم من جديد في حلم رقم 76، ضمن مجموعة أحلام فترة النقاهة، حين يعود إلى بطلها صديقه الشهيد الذي مات من عشرات السنين، ويلقي إليه عصاه ثم يمضي، وعندما يلتقط البطل هذه العصا يقول:

(( انطلقت من فوري إلى تل القمامة، وانهلت ضربًا على أطرافه، وكل ضربة أحدثت شقًا، ومن كل شق يخرج رجال ونساء، ليسوا على شاكلة جامعي القمامة، لكنهم آية في النظافة والوجاهة والفخامة، وكلما لمح أحدهم العصا بيدي فرّ يركبه الفزع. عند ذلك رسخ يقين بأنّ الشمس ستشرق غدًا على أرض خضراء، وجو نقي)) (29).

لا شك أن صورة عصا موسى، أو العصا السحريّة تلوح بقوة من بين سطور هذه القصّة الحلم، ولعل هذه الصورة مما يتواشج مع رؤية محفوظ التي لا تميل إلى الثورة كثيرًا، وتتخوف منها، فهذه القصة مجرد حلم، يتمناه محفوظ ويخشاه. وهو هنا في هذه القصة يستشرف في حلمه ورؤياه هروب أولئك الرجال والنساء الوجهاء المنهدمين (اللصوص)، وبقاء الأكفاء دون سواهم في الوطن، وعندها يتطلع لشروق الشمس من جديد على وطن يعيش في النور، ويتعم بالنقاء.

 ____________

الهوامش:

(1) ليس الروائي الكبير: نجيب محفوظ (1911م / 2006م) ممن يحتاج إلى تعريف؛ فشهرة الرجل تجوب الآفاق؛ لكننا سنشير إلى سيرته الذاتية إشارة وجيزة وفقًا لما تقتضيه ضرورة البحث العلميّ. وُلِد نجيب محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة، وتخرّج في قسم الفلسفة من كليّة الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) سنة 1934م، وبدأ التحضير للماجستير؛ لكنه أهمل الماجستير وانقطع عنه سنة 1936م مقررًا التوجه إلى الأدب، عمل في عدة وظائف حكومية من عام 1934م إلى عام 1972م حيث أحيل إلى التقاعد، وكانت آخر وظائفه مستشار وزير الثقافة لشئون السينما. وقد تهيأت عدة عوامل لنجيب محفوظ عمَّقت من موهبته الفذّة، وساعدت بشكل كبير في إثراء إبداعه الأدبي؛ فقد درس الفلسفة في العصر الذهبي لجامعة القاهرة (فترة الثلاثينيات) التي كان يعمل فيها صفوة من كبار الشخصيات العلمية الفذّة التي فتحت له آفاقًا من المعرفة العلمية والأدبية، وكانت دراسة الفلسفة – نفسها – عونًا له على سبر أغوار الشخصية والتعمق في فهمها. وقد كان محفوظ متفوقًا (ترتيبه الرابع على دفعته ). وقد اطَّلع محفوظ في بداية حياته الأدبية على روائع الأدب الأجنبي مترجمةً، وكانت قراءته لها قراءة ناقدة مميزة. أبدع نجيب محفوظ زهاء خمسين عملاً قصصيًا ما بين روايات ومجموعات قصصية، بدأها بالتوجه نحو الرواية التاريخية التي لم يستمر فيها كثيرًا، حيث اتجه – فيما بعد – إلى الواقع الاجتماعي المصريّ، وتركزت أعماله على الطبقة الوسطى التي تحمل مجموعة من القيم والمبادئ، وتعاني من الضغوط والقيود الاجتماعية، كما ظهر في بعض روايات محفوظ فكرة الصراع بين العلم والدين، وكانت رؤيته تتركز في أن الحياة تفقد معناها بافتقاد الإيمان، وأن العلم يحاول أن يكون بديلاً للدين؛ لكن افتقاد الإيمان يثير الأسئلة الوجودية الكبرى التي يعجز العلم عن الإجابة عليها. وبعد هزيمة 1967م ظهرت مجموعة من الأعمال التي تنتقد الواقع السياسي بشكل رمزي. وقد مثَّلت روايات محفوظ وأعماله التي توالت لمدة تزيد عن نصف قرن الكثير من الاتجاهات الروائية العالمية ما بين الواقعية، والطبيعية، وروايات الأجيال، مع استخدام تقنيات الرواية الحديثة من تيار الشعور، والقص بأصوات متعددة … إلخ. ولا تقل أعمال محفوظ – فيما يرى الناقدون – عن أعمال كبار الروائيين العالميين الذين كتبوا في هذه التوجهات الروائية. وقد تُوِّجت الرحلة الأدبية لمحفوظ بحصوله على جائزة نوبل سنة 1988م. راجع في ذلك: قاموس الأدب العربي الحديث، إعداد وتحرير: د. حمدي السَّكوت، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية 2009م، ص: 592 و593.

(2) إشكالات القص والرؤية في القص المعاصر، أحمد عبد الرازق أبو العلا، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1997م. ص: 27.

(3) تيار الوعي في الرواية المصرية المعاصرة، د. محمود الحسيني، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1997م، ص: 42.

(4) مجموعة: صباح الورد 1987 م، ضمن: الأعمال الكاملة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2006م، المجلد العاشر، ص: 66.

(5) السابق: ص: 69.

(6) مجموعة: أحلام فترة النقاهة، ضمن: الأعمال الكاملة، المجلد العاشر ص: 758.

(7) الرمزية، تشارلز تشادويك، ص: 46 (سبق ذكره).

(8) راجع رواية: أمام العرش، ضمن الأعمال الكاملة، المجلد التاسع 197- 294 (سبق ذكره).

(9) راجع الفصل المعنون بـ متاعبي مع السلطة، وهو الفصل العاشر من كتاب: نجيب محفوظ صفحات من مذكراته، واضواء على أدبه وحياته، رجاء النقَّاش، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1998م، ص: 125.

(10) السابق، ص: 231 و232.

(11) تدور أحداث رواية: قشتمر حول قصة حياة خمسة رجال تآلفوا وتصادقوا منذ طفولتهم، وظلت علاقة الصداقة قائمة بينهم إلى أن شاخوا. ويمثل خمستهم نماذج متباينة من البشر، فمنهم المتدين العفيف الخلوق: صادق صفوان، ومنهم الموسر متقلب المزاج المتفرغ للشهوات ومتاع الدنيا: حمادة الحلواني، ومنهم الشاعر ذو الحس المرهف: طاهر عبيد، ومنهم الكادح الفقير الذي تأتيه دنياه بما لا يشتهيه: إسماعيل قدري. واسم الرواية مأخوذ من مقهى قشتمر الذ كان مجلسهم وملتقاهم الدائم. وتبدأ أحداث الرواية من سنة 1915م، وتمتد حتى السنوات الأولى من حكم الرئيس السابق مبارك. وتكون أحداث السياسة والمآزق التي تعرضت لها مصر طوال هذه السنوات الطويلة خلفية للأحداث التي يتعرض لها الأبطال الخمسة في صراعهم مع الحياة. راجع الرواية في الجزء العاشر من: الأعمال الكاملة، ص: 102 – 203.

(12) السابق: ص: 199.

(13) السابق: ص: 201 و202.

(14) السابق: ص: 395.

(15) أصداء السيرة قراءة نقدية، وهي دراسة كتبها: ياسر محمود عطية، ونُشرت بالاشتراك مع دراسة أخري لي ضمن كتاب: أصداء السيرة والفجوات الدلالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2010م، ص: 45.

(16) السابق: ص: 47.

(17) مجموعة أحلام فترة النقاهة، ضمن: الأعمال الكاملة، المجـــلد العاشـر، ص: 759 (سبق ذكره).

(18) السابق: ص: 728.

(19) راجع قصة: المسخ والوحوش، في مجموعة: التنظيم السريّ، الأعمال الكاملة، المجلد التاسع، ص: 432 – 437.

(20) مجموعة: أصداء السيرة الذاتية، ضمن: السابق: ص: 328.

(21) مجموعة: احلام فترةالنقاهة، ضمن: السابق: ص: 778.

(22) راجع القصة في مجموعة: القرار الأخير، ضمن: السابق: ص: 419.

(23) اتجاهات الرواية العربية في مصر، د. شفيع السيد، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية 1993م، ص: 30.

(24) المتخيل السردي، مقاربات نصية في التناص والرؤى والدلالة، عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي (بيروت / الدار البيضاء) الطبعة الأولى 1990 م. ص: 112.

(25) راجع الرواية في الأعمال الكاملة، المجلد التاسع، 477- 581.

(26) راجع الرواية في: المصدر السابق، 295-382.

(27) راجع القصة في مجموعة: التنظيم السريّ، ضمن: السابق: ص: 381- 397.

(28) السابق، المجلد العاشر، ص: 387.

(29) السابق: ص: 756.

 

 

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا