الفَجَوَات الدلاليّة في القصَّة القصيرة.. (“القرار الأخير” لنجيب محفوظ نموذجًا)

0

لم يكن القارئ -حتى عهد قريب- محورًا لاهتمام الدراسات النقدية، وكان جلّ الاهتمام حين يتناول الناقد والدارس عملاً أدبيًّا هو البحث عمّا يقصده الكاتب، وتأييد ما يمكن اكتشافه من مقاصد بمجموعة من القرائن الفنيّة واللغويّة التي يقدمها النص الأدبي المدروس.

وحين توجَّهت الدراسات النقدية الحديثة نحو القارئ وأولته اهتمامًا كبيرًا كان ثمة تركيز كبير –من ناحية– على الأعمال الشعريّة؛ باعتبار الشعر جنسًا أدبيًّا كثيفًا ومُفْعمًا بالخيال الذي يُتيح للقارئ إعمال عقله، والبحث عن تأويل مناسب أو دلالة منضبطة بين دلالات احتمالية متعددة؛ بينما كانت القصة –على حد علمي وقراءاتي– أقل تعرضًا لهذا الجانب من الدراسات.

ومن ناحية أخرى، كانت الدراسات النقديّة المهتمة بالقارئ ودوره في إبداع العمل الأدبي أكثر توجَّهًا إلى التنظير منها إلى التطبيق النصيّ الذي يتحرى تتبّع بنية النص الأدبي، والكشف عن الكيفيَّات التي يُفعَّل من خلالها دور القارئ، ويتاح له –من خلالها– تأويل قد لا يكون مقصودًا بذاته من المؤلف.

وكثيرًا ما يُتيح العمل الأدبي بعض المساحات التي تغيب عنها الدلالة القاطعة، ومن ثمّ ينشط خيال القارئ في إبداع هذه الدلالة الغائبة. والمواضع التي ينشط فيها القارئ تكون بمثابة فجوات دلالية يملؤها بمعانٍ وليدة تتيحها طبيعة فهمه وتذوقّه بشكل عام.

والإبداع التأويلي المطروح من القارئ إنما هو نوعٌ من أنواع الثراء الفني؛ كما أنه –في حد ذاته– مصدر من مصادر الإمتاع التي يجدها القارئ “حين يصبح هو نفسه منتجًا، أي حين يسمح له النص بإظهار قدراته”(1).

على أن القارئ –في هذا الإبداع التأويلي المُفترض– ينبغي ألاّ يشطح خياله أكثر من اللازم، فلا يجب عليه أن يبعد عن الإطار الدلالي العام؛ وذلك لأن “كل تأويل يُعْطَى لجزئية نصية ما يجب أن يثبته جزء آخر من النص نفسه، وإلا فإن هذا التأويل لا قيمة له، وبهذا فإن الانسجام الداخلي هو الرقيب على مسيرات القارئ”(2).

وعلينا الاعتراف بأن القصة عمومًا قد لا تُتيح كثيرًا من هذه الفجوات الدلالية، فالفجوات الدلالية أكثر ظهورًا مع تخفِّي مقاصد المؤلف، وتمويه أهدافه على القارئ. والقصة جنس أدبي يقوم على الحكاية، التي هي –في حقيقة الأمر– نوع من أنواع التواصل بين المبدع والمتلقي، وهو تواصل يُقيمه العرف الاجتماعي الواقعي الذي تنطلق القصة منه نحو إقامة عالمها الخاص، ويقيمه طبيعة تكوين الحدث، وبناء الشخصية التي من المفترض كونها نموذجًا اجتماعيًا نراه ونعايشه في الواقع.

ومع ذلك فلا يمكن أن نقول إن الفجوات الدلالية المُفعِّلة لدور القارئ منعدمة تمامًا في الفن القصصي، فالفجوات الدلالية ضرورة فنيّة يفرضها الإبداع والبعد عن المُباشرة، والكاتب –دونما شك– يُضحي طواعيةً بتواصله مع القارئ حين لا يترك له أدنى مساحة للتأمل والتفكير والاستيحاء، ملقيًا إليه برؤيته ومقاصده الفكريّة في شكل تعليمي وعظي فج، “فالنص بقدر ما يمضي من وظيفته التعليمية إلى وظيفته الجمالية فإنه يترك للقارئ المبادرة التأويلية”(3).

وغاية القول إن الفجوات الدلالية الموجودة في القصة هي –بالفعل– أقل كثيرًا مما هي عليه في الشعر؛ لكنها أوفر وأغزر –قطعًا– حين نقارنها بالمقال الأدبي –مثلاً– فلكل جنس أدبي طبيعته الخاصة التي تفرضها بنيته الفنيّة.

وسوف نتناول في هذه الدراسة الوجيزة مجموعة قصصية من أخريات المجموعات التي أصدرها الأديب الكبير نجيب محفوظ(4) هي مجموعة: “القرار الأخير” التي صدرت طبعتها الأولى سنة 1996م(5). ونود الإشارة إلى أن ما سنطرحه من تأويلات لما سنعرض له من الفجوات الدلاليّة إنما هو تصور تأويلي شخصيّ؛ باعتبار الناقد الدارس قارئًا له وجهة نظره الخاصة في التحليل والتأويل. وبالطبع فإن ما نطرحه من تأويلات لا يحول دون قيام قراءة أخرى جديدة قد تختلف وجهة نظرها عمّا أخذنا به من التأويلات، فالفجوة الدلالية تُمْلأُ في المقام الأول بوجهة نظر القارئين، التي قد تتفق في الإطار العام، لكن ذلك ليس موجبًا عليها أن تتفق في التفاصيل المستوحاة.

أولاً- المحاور الدلالية للمجموعة القصصيّة:

تتكون مجموعة “القرار الأخير” من أربعة وعشرين قصَّة مختلفة الموضوعات؛ ولعل من النادر أن تتفق المجموعة القصصيّة الواحدة على محور دلاليّ كليٍّ وشاملٍ تلتقي عنده كل وحداتها؛ لأن المجموعة القصصيّة –بخلاف للرواية– تشمل وحدات منفصلة تُكتب دون تخطيط مُسبق يجعل لها أطارًا محددًا وهدفًا واضحًا بذاته؛ وقد تُنشر قصص المجموعة الواحدة في الصحف والمجلات منجَّمة متباعدة أولاً، ثم يُعاد جمعُها وإصدارها في كتاب مستقلٍ.

وفي مجموعة “القرار الأخير” محاور دلالية عديدة تتعرض لظواهر اجتماعية مختلفة؛ كالأب المتسلط، والآثار السلبية لظاهرة الانفتاح التي عايشتها مصر السبعينيات، وتقلبات الحياة وغدر الزمان، والوصوليين الذين يلعبون على كل الحبال، وما هو من هذا القبيل من الظواهر الاجتماعية التي نراها ونلمسها ونستشعرها في مجتمعنا المصري، والمجتمع القاهريّ على وجه التحديد.

وقد تلوح بعض الجوانب الدلالية المشتركة في مجموعة قصصية ما بشكل عفوي؛ لأن هذه الجوانب الدلالية – أصلاً – هي من الشواغل الفكريّة الاجتماعية التي يهتم بها الكاتب ويعكسها في قصصه. ومن ثم تتناولها أكثر من قصة أو تتعرض لها بشكل مختلف، أو من زاوية جديدة.

وفي مجموعة “القرار الأخير” نجد ست قصص تقريبًا (أي ما يُعادل ربع المجموعة) تعكس بشكل جوهري صورة المرأة بجانبها الشرير الذي يفسد الحياة؛ ولا يعني ذلك أن الكاتب يأخذ موقفًا عدائيًا مناهضًا للمرأة؛ وإنما يبدو هذا الشر من المرأة باعتبارها نموذجًا في الحياة يعبر عن ذاته فقط دون تعميم، أو من خلال تفاعل الرجل معها ونظرته الشهوانية لها، ومن ثم يكون الرجل شريكًا مع المرأة في إفساد هذه الحياة، ويقع عليه – أيضًا باشتراكه مع المرأة – بعض المسئولية في تكدير الحياة بما سينجم عن هذه الشهوانية من عواقب وخيمة.

 ومن هذه النماذج زوجة الأب الحقود التي تتمنى وفاة ولده، والمرأة المستبدة التي تطيح بهيبة الرجل وتقضي على وقاره؛ والتي تغوي الرجل بجمالها فتنهار قواه الخارقة وكراماته، والمرأة التي تغوي الرجل فتفقده بالخطيئة أعز أصدقائه الذي كان على وشك انتشاله من هوة الضياع التي ينحدر نحوها بإفلاسه، وكذلك المرأة الشهوانية التي تبحث عن ملذاتها وتضحي بمكانتها الاجتماعية الكبيرة طلبًا لهذه الملذات، وأخيرًا زوجة الابن المتسلطة، وذلك من خلال شخصيتين إحداهما ترفض وجود حماتها تمامًا، والأخرى تقبل بوجودها مع استغلالها لخدمتها والقيام على أمور منزلها (6).

ثانيًا- الفجوات الدلالية في العناوين:

الوظيفة التقليديّة لعنوان القصة تكمن في التعبير عن دلالتها الكليّة بشكل موجز، أو الإشارة إلى العنصر الجوهري الذي يستقطب أعظم أحداثها، وهذا النمط من العناوين موجود في كثير من قصص المجموعة، ومن ذلك –على سبيل المثال– قصص (اليمامة، الخنافس، مؤامرة، العودة، بيت المستشار، الرجل القوي(7). وفي هذه الحالة لا يكون العنوان مؤثرًا تمامًا في بنية القصة؛ لأن القارئ –بطبيعة الحال– سيفطن إلى الدلالة الكليّة بعد قراءة القصة، ولن يغيب عن وعيه العنصر القصصي الهام الذي اتخذه الكاتب عنوانًا لها. وهذا الضرب من ضروب العنونة تكون مهمته تعيين القصة وتحديدها؛ لكنه لا يضيف إليها جديدًا.

ويتجلى العمل الإبداعي الذي يضيفه القارئ إلى القصة من خلال مجموعة أخرى من العناوين التي تصنع فجوات دلالية متباينة الاتساع، أما جهد القارئ وإضافته التأويليّة فتكون على قدر اتساع الفجوة الدلالية التي يقدمها العنوان. وسوف نعرض هذه العناوين تدريجيًّا وفقًا لاتساع الفجوة الدلالية التي تقدمها.

وأول هذه العناوين لا يصنع فجوة دلالية كبيرة؛ لأنه تأكيدي للقصة، ومن قبيل هذا النمط العنواني ما يلخِّص الحدث الجوهريّ في صورة مجازيّة غير موجودة في القصة، وتحدث الفجوة الدلالية الصغيرة من خلال الحاجة إلى تأويل هذه الصورة المجازية وبيان ما تعنيه. ومن ذلك قصة: الحزن له أجنحة التي تدور حول أب ثاكل فقد زوجته التي أنجب منها ولدًا وفتاة، وكان أن تزوج من شقيقتها العانس العقيم، ومن ثمّ أسبغت حبها وحنانها على الأسرة الصغيرة، ثم فقد الأب هذه الزوجة، وكان حزنه عليها أضعاف حزنه على الزوجة الأولى، وتوالت الأحزان فقد قُتل ابنه الضابط في معركة حربيّة، ثم ابنته التي ماتت أثناء الولادة، وفوجئ صديقه بأن الرجل (وقد ظن أنّه قد حُطِّــــم تمامًا بعد هذه النكبات المتوالية) قد أصبح مقبلاً على الحياة بشكل غريب وغير متوائم مع نكباته(8). ورغم أن القصة لم تذكر شيئًا عن أجنحة الحزن التي يعبر عنها العنوان إلا أن القارئ لن يغيب عنه تعبير هذه الصورة المجازية عن رحيل الحزن (أو طيرانه) بعيدًا عن هذا الرجل المنكوب.

ويدخل في هذا الإطار -أيضًا- ما يشير من العناوين إلى جانب جزئي محدود من القصة، ربما كان جانبًا هامشيًا للغاية، وغير ذي أهمية بالمرّة بالنسبة للحدث الجوهري، ونشير –في هذا الصدد– إلى قصة: حَمَلَة القماقم والمباخر، وهي تدور حول امرأة ارستقراطية كانت زوجة لأحد الباشاوات الكبار دفعها زواج زوجها بفتاة صغيرة إلى الانحراف، وظهرت حولها إشاعات تتهمها في شرفها لدرجة قيل معها أنه من المُستبعد أن يدخل أي رجل إلى قصر الباشا دون أن يقيم علاقة معها! وقد دفع هذا الانحراف زوجها إلى تطليقها، ثم دفعها الحب إلى الزواج من كاتب حسابات فرن صغير؛ يصغرها بأكثر من ثلاثين عامًا يُدعى: علي صريمة، وأقامت معه في حي شعبي فقير، وأغدقت عليه أموالها. وأخيرًا ماتت وأقيمت لها جنازة مهيبة جمعت بين علي صريمة وعلية القوم من معارف أبنائها وزوجها السابق، جنازة لم تشهد الحارة والحي المتواضع لها مثيلاً في الحياة، وكان على رأس هذه الجنازة صفان من حَمَلَة القماقم والمباخر(9).

وإشارة العنوان إلى هذا الجانب الجزئي المحدود: حَمَلَة القماقم والمباخر بمثابة مجاز مرسل (علاقته جزئية) يعبر عن القصة كليةً، و كثيرًا ما يناط ((ببعض أشكال المجاز المرسل تحديد وجهة نظر الكاتب وبلورة رؤيته في العمل))(10)، وعلى الأخص عندما يكون المجاز في العنوان؛ حيث الصدارة والهيمنة الكليّة، الأمر الذي يدفع القارئ إلى رؤية الكل من خلال هذا الجانب المحدود؛ ومن ثمّ تنشأ الفجوة الدلالية من خلال الحاجة إلى تعميم دلالة هذا الجزء وبسطها على القصة بشكل متكامل.

وقد يؤدي هذا الأمر إلى الحَيْدة عن الموضوع الرئيسي للقصة (من واقع قراءة المضمون) والتوجّه إلى محور دلالي جديد (من واقع تعميم دلالة العنوان)، واعتبار الجانب الجزئي الذي يعبر عنه العنوان هو المحور الأهم الذي تعبر عنه القصّة. ومن هذا المنطلق يجوز اعتبار حملة القماقم والمباخر إشارةً إلى الجنازة نفسها؛ ويكون اختيار هذا الجزء دون سواه تعبيرًا عن الفخامة غير المعهودة لجنازة في هذه الحارة، تلك الجنازة التي استطاعت أن تنزل بعلية القوم إلى الحضيض والوحل، وأن ترفع من قدر أخس الناس وأرذلهم بوجوده بين هؤلاء الصفوة.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن المحور الدلالي الأهم في هذه القصة ليس انحراف المرأة وانسياقها وراء شهواتها؛ وإنما هو طبيعة الحياة وتقلباتها وعبثية أحداثها حين تسويّ بين الصفوة وأراذل الناس. وعندما تكون هذه الفخامة غير المعهودة لجنازة سرعان ما توضع في التراب يكون الإيحاء بزيف الحياة نفسها وبريقها الخادع الذي لا يدوم.

ولا مانع أن يكون العبث الشهواني والانسياق وراء النزوات الذي تضمنته أحداث هذه القصة عنصرًا جوهريًا في القصة؛ لكنه – بعد أن حادت عنه صدارة العنوان واتجهت إلى عنصر آخر – يأتي في مرتبة المُسبب والدافع القوي الذي يقف من وراء الأحداث، دون أن يكون الجوهر الدلالي المقصود لذاته.

ومن العناوين التي تصنع فجوات دلالية تلك العناوين التي تضيف أبعادًا دلاليةً جديدة إلى القصة. وهذه الأبعاد تتراءى من خلال تأمل العنوان واكتشاف دلالته والربط بينه وبين دلالة القصة؛ ومن ذلك قصة: ((عودة القرين))؛ وهي تدور حول رجل ثري يعيش في مكانة اجتماعية مرموقة، لاح له صديق قديم؛ راح يبتزه مهددًا بكشف الماضي؛ ورضخ الرجل لهذا الابتزاز ودفع له مبلغًا ماليًا ضخمًا؛ لكنه قرر أن يقتله مُضحيًا بكل شيء إذا عاود الابتزاز مرةً أخرى(11). ولم تشر القصة إلى طبيعة الجريمة التي ارتُكبت في الماضي؛ تلك التي أثرت هذا الرجل حين استثمر ماله، وافتقر بعدها ذلك المُبْتَزّ. لكن العنوان يربط بين الشخصين ويجعل كلاً منهما قرينًا للآخر؛ والاقتران يفوق الصداقة فالقرين صورة طبق الأصل ممن يقارنه؛ ومن ثمّ نرى أن العنوان يفضح هذا المتخفي بين الشرفاء؛ ويكشف عن ماضيه الحقير الذي لا يقل فيه خِسّة عن قرينه الذي جاء ليبتزّه. أما صورة هذا الماضي وطبيعة الجريمة التي وقعت فيه فهي متروكة لتصوّر القارئ وابتكاره.

وثمة نوع آخر من العناوين يصنع فجوة دلالية أكبر؛ لأن القصة المعنونة به لا تُقدِّم لقارئها أي إشارة واضحة أو إفصاحًا عن دلالة ما تبين مغزى العنوان؛ فتبقى مسألة الربط بين العنوان والقصة موكولة برمّتها إلى تصوّر القارئ واجتهاده الخاص. ونشير -في هذا الصدد- إلى قصتي: دخان الظلام، طبقات السعادة. والقصة الأولى قصة ميتافيزيقية يتواعد فيها محب مع محبوبته بعد موتها؛ وبعد أن التقيا وقضيا وقتًا طيبًا حاول العودة إلى بيته؛ لكن كل طريق يسلكه كان مليئًا بالعب ما بين مخلوقات مشوّهة وأرؤس آدمية مُقطَّعة، وهياكل عظمية تتناوب الرقص، وضروب من العذاب والألم، وتصرفات غير مفهومة… إلخ، لكن كل هذه المخاوف والعجائب تتبدد بشروق الشمس الذي تتجلى معها الدنيا المألوفة، والتي يبدو – فيما أرى – أن إشراقها ورؤية الدنيا على شكلها المألوف تومئ إلى أن ما مضى من هلاوس كان حلمًا مزعجًا (12).

والقصة تضعنا على حافة المجهول فيما وراء الموت؛ وهذا الجانب الغيبي الغامض المجهول هو مسألة مؤرقة للأديب يحاول أن يسبر أغوارها من خلال بطل قصته الذي يتواعد مع محبوبته بعد أن فرَّق الموت بينهما. ولعل العنوان دخان الظلام هو إشارة رمزية تعبر عن غموض هذا المجهول وتخفيِّه وغيابه عنَّا.

أمَّا القصة الثانية: طبقات السعادة فنرى فيها رجلاً همه في الحياة القراءة والكتب، يرى أثناء توجهه إلى دار الكتب صديقًا قديمًا افتقده بعد الشهادة الثانوية، وفوجئ به خلال هذا اللقاء وقد أصبح ضابط شرطة، ويراه يكيل السباب الفاحش لأحد المجرمين. واندهش الرجل لأن صديقه القديم كان آية في الخلق الرفيع؛ فكيف تحوَّل إلى هذا المستوى الفجّ؟! ويكشف له صديقه عن كون هذه الطريقة هي الطريقة المُثلى في معاملة السوقة من المجرمين وأرباب السوابق، ويقول إن العلم ليس في الكتب النظريّة، وأن الحياة كفيلة بتعليم الإنسان الكثير مما تعجز عنه الكتب. لكن الحوار يمتد إلى المتظاهرين والمثقفين، فكيف يُعاملون بهذه الطريقة – عينها – مع أنهم ذوو فكر وثقافة؟ ولا يجد هذا الضابط مبررًا لهذا المسلك إلا باعترافه بأن السياسة لها أوضاعها الخاصة التي تتطلب ذلك! وفي نهاية هذا اللقاء يتفق المتحاوران – رغم اختلافهما – على أن شعبنا – بالفعل – شعب تعيس للغاية (13).

إن القصة تنتهي بالإقرار بتعاسة الشعب. ومن السهل على القارئ تخمين مصدر هذه التعاسة؛ فهي وليدة الفقر والحرمان الذي يدفع المجرمين إلى ارتكاب جرائمهم للإقامة في السجن على ضيافة الحكومة؛ أو الطريقة القاسية التي يتعامل بها ضباط الشرطة لإجبارهم على الاعتراف رغم خرقهم للقانون بهذه الوسائل، أو الاضطهاد السياسي الذي يتعرض له ذوو الفكر .. إلخ. لكن العنوان يناقض ذلك تمامًا فهو يشير إلى طبقات من السعادة! ولعل الكاتب – في تصوّري – قد أراد بهذا العنوان التعبير العكسيّ الساخر عن المعاناة التي يتعرض لها هذا الشعب المقهور.

ونشير – أخيرًا – إلى العنوان الكليّ للمجموعة: “القرار الأخير”، وهو عنوان القصة الرابعة، وقد جعلها الكاتب عنوانًا كليًا للمجموعة. ومثل هذا الاختيار العنواني ليس له – في الغالب – دلالة ومغزى؛ لأنه مجرد ضرب انتقائي قد يكون مُفرغًا من الدلالة؛ فاختيار إحدى قصص المجموعة ليكون عنوانًا كليًا هو مجرد تقليد يتبعه نجيب محفوظ في كل مجموعاته القصصية – تقريبًا – كما يتَّبعه غيره من الكاتبين. ويتبّعه الشعراء -أيضًا- حينما يختارون عنوان قصيدة ليكون عنوانًا للديوان كاملاً.

غير أن هذا التقليد الأدبي الراسخ لا يمنع القارئ من تعميم الدلالة الجزئية – إذا رغب في ذلك – ومحاولة بسطها على المحاور الدلالية الكبرى في المجموعة القصصيّة، ومن ثم تنشأ رؤية القارئ الخاصة.

والقصة التي تحمل عنوان القرار الأخير التي اتخذها الكاتب عنوانًا للمجموعة تدور حول أب متسلِّط قاس ينشد الكمال في كل ما حوله، وفي تربية أبنائه – على الأخص – وأدت هذه القسوة المفرطة (التي تصل إلى حد الجَلْد فضلاً عن الإهانة والتجريح) إلى هروب الابن الأكبر، وزواج الابنة من عريس لا يناسبها اجتماعيًا؛ لأنها تريد الفرار من جحيم المنزل الذي يفرضه هذا الأب المتسلط . أما الابن الأصغر فلم يطق هذا التسلط، ووجه إلى والده لكمةً قاسية مؤلمة مات الأب على إثرها؛ وقد تسببت هذه اللكمة المهينة في موته – نفسيًا – وإن لم تكن السبب المباشر في قتله – عضويًا – ومع ذلك فقد ظل الابن في نظر الجميع قاتل أبيه رغم تبرئة النيابة له (14).

ولم تشر هذه القصة – من قريب أو بعيد – إلى أي قرار، وقد يفهم القارئ أن القرار الأخير هو القرار الذي اتخذه الابن الأصغر، وهو قرار أخير لأنه مسبوق بقرارين هما قرار الهروب بالنسبة للابن الأكبر، وقرار الموافقة على زوج دون المستوى بالنسبة للابنة الوسطى. وقد يكون هذا القرار أخيرًا لأنه أودى بحياة الأب تمامًا.

وحين نضع في عين الاعتبار هذا العنوان (وبالطبع لن نهمل الإيحاءات التي تصاحبه من خلال القصة التي جُعل عنوانًا لها) يُمكن أن نرى فيه القرارات المصيرية الهامة التي يتخذها أبطال كل القصص في المجموعة، تلك القرارات التي ترتبط بها المصائر والتحولات الكبرى في حياتهم، والتي تحمل بين جوانبها ملامح إنسانية تجعل من البشر الواقعين بين شِراك القدر وفِخاخه، المقهورين أما الزمان العاتي وتقَلُبَاِته شركاء – إلى حد ما – في صنع مصائرهم، أو اختيار بعضها طواعيةً أو قسرًا.

ثالثًا- الفجوات الدلالية في الأحداث:

الحدث القصصي عنصر جوهري من عناصر البناء؛ فالحدث هو الذي يصنع الحكاية؛ والحكاية هي مصدر المتعة والتشويق؛ بل وربما كانت الدافع الأكبر الذي يجعل القارئ مقبلاً على قراءة القصة.

وتشأ الفجوات الدلالية في الحدث – في هذه المجموعة القصصيّة – إما من خلال الإضمار والتكتّم على بعض التفاصيل المُهِمّة، وبالتالي يجتهد القارئ في تأويلها بشكل ما أو بشكل آخر، وإما من خلال غرابة الأحداث نفسها بحيث يعتبرها القارئ غير مقصودة لذاتها، وإنما هي رموز لمعاني أخرى.

وفي المنحى الأول نشير إلى قصة: ((العود والنارجيلة))، وهي تدور حول شاب مريض قعيد الفراش، أهمله أبوه، وتشفَّت فيه زوجة أبيه إلى درجة كونها تأتي ما بين حين وآخر لتلقي نظرة عابرة من شباك الحجرة لترى إن كان على قيد الحياة أم لا. ولا يهتم بهذا المريض سوى زوجة خاله التي تزوره بشكل دائم هي وطفلها الصغير، وتحضر له ما يحتاج إليه من طعام. وفي أحد هذه الزيارات يلمح الطفل العود والنارجيلة على أحد الرفوف، ويتذكر أيام كان هذا المريض يزورهم ويغني على عوده متسائلاً متى يا ترى تتكرر هذه الزيارات(15).

وعنوان هذه القصة يشير إلى جزء هامشي فيها، لكن هذا الجزء – فيما يبدو – ذو علاقة جوهرية بالحدث الرئيس فيها، فما سبب مرض هذا الشاب؟ هل هو الانطلاق نحو حياة اللهو والمرح دون حدود؟ إن هذا الانطلاق هو ما يمثله ويعبر عنه عنوان القصَّة: ((العود والنارجيلة))، وقد تكون النارجيلة على الأخص أداة هذا الانطلاق باعتبارها آلة تعاطي المخدرات مثلاً . وربما كان هذا الانطلاق هو سر القطيعة بين الشاب المريض وأبيه، تلك القطيعة التي استغلتها زوجة الأب للشماتة فيه وترقّب موته، ولا ضير من ابتكار القارئ بعض هذه التفاصيل المُهمَلة التي لم تشر القصة إليها، ولا ضير في اختلاف القارئين في اختلاق هذه التفاصيل وابتداعها ابتداعًا؛ فليس ثمة مجال لتخطئة قراءة ما وتصويب أخرى ما دمنا لم نخرج عن الإطار الدلالي والسياقي العام الذي تتيحه بنية القصة؛ فالعمل الأدبي – عمومًا – ((يستعصي على امتحان الصدق، لا هو بالحق ولا هو بالباطل)) (16). ولذا تكون كل إضافة تأويلية تعميقًا وإثراء للقصة بوجه عام.

ونشير في هذا المنحى الذي يُضمر التفاصيل ويكتمها إلى مسألة قِصَر القصة الشديد رغم كثافتها الدلالية، والواقع أنه ((لا يوجد أي مقياس لتحديد طول القصة القصيرة إلا ذلك المقياس الذي تحدده المادة نفسها، ومما يفسدها – لا محالة – أن تحشى حشوًا لتصل إلى طول معين؛ أو تبتر بترًا لتصل إلى طول معين)) (17)؛ غير أن القصة شديدة القِصَر تكون – بالطبع – أكثر إضمارًا للتفاصيل، ومن ثمّ تستدعي تلك التفاصيل الدلالية المُضمَرة ((حركات تعاضدية فاعلة وواعية من جانب القارئ)) (18)؛ لأن إدراكها يتمم مضمون القصة. ومن ذلك قصة: ((لقاء خاطف)) التي لا تبلغ كلماتها تسعين كلمة:

((مضيت أهبط درجات السلم العريض نحو الطريق مُخلِّفًا ورائي العمارة الشاهقة. اعترض سبيلي عند نهاية السلم فتى في الثلاثين من عمره، حدَّق في وجهي باسمًا، دهشت لغريب يستوقفني، ولكنه لم يكتف بذلك . فمدّ يده مصافحًا وقال:

–     نحن أقارب

ابتسمت بدوري وقلتُ:

–     حقًا ؟ … الذنب ذنب زماننا الغريب ..

قال برقّة:

–     أنا محمد بن زينب صفوت !

غزتني فرحة طاغية كادت تهتك ستر الماضي العذب، شددت على يده بحرارة، وتلقيت سيلاً من الذكريات الناعمة، وهتفتُ:

–     أهلاً بك فرصة سعيدة حقًا …

وفارقني كما فارقته، ولكن لم تفارقني الذكريات))(19).

ولا شك أن في وسع أي قارئ أن يفطن إلى تفاصيل من قبيل قصة الحب بين بطل القصة وزينب صفوت تلك التي طواها الماضي، وأن ذلك الحب قد أخفق، بدليل زواجها من غيره، ومع ذلك فلم تزل بقايا هذا الحب حيةً في وجدان البطل … وما شابه مثل هذه الدلالات التي أضمرتها القصة وأوكلت إلى القارئ استنباطها.

وأما الجانب الثاني الذي يصنع فجوات دلالية: غرابة الأحداث بحيث يعتبرها القارئ غير مقصودة لذاتها، وإنما هي رموز لمعاني أخرى فيتضِّح عندما نشير إلى أنّ الحبكة القصصية تقتضي كون الأحداث منطقية أليفة ذات صلة بالواقع؛ غير أن بعضًا من قصص هذه المجموعة تتسم أحداثها بشيء من عدم الألفة، وهو ما يجعلنا نحاول فهمها بشكل رمزي، فهذه الأحداث رغم استجلاب عناصرها من الواقع الفعليّ؛ تتحول إلى رموز من خلال ((محاولة اختراق ما وراء الواقع وصولاً إلى عالم من الأفكار)) (20)؛ بحيث تكون هذه الأحداث غير المألوفة (أو على الأقل غير النمطيّة) مدخلاً لمفاهيم أعمق.

وهذه الغرابة في بعض الأحداث – داخل المجموعة – يمكن العودة بها إلى مصدرين؛ أولهما: استشراف البعد الميتافيزيقي فيما يمثله الموت، وفيما يكمن وراءه من عجائب تفوق التصوّر البشريّ . وقد أشرنا – في حديثنا عن الفجوات الدلالية في العناوين – إلى قصة دخان الظلام؛ تلك التي اعتبرنا عنوانها رمزًا للغيبيّات المحجوبة التي تحول الحياة دون استشرافها؛ فالحياة دخان الظلام الذي يحجب هذه الحقائق. وفي هذه القصة صورًا غير مألوفة يُمكن أن يتأولها القارئ كيفما شاء في إطار هذا السياق، نشير منها – على سبيل المثال – إلى قول بطل القصة عن شارعه الأليف الذي عاش فيه جُلّ حياته:

(( ولمّا شارفت نهايته دهمني منظر سدٍّ من الأحجار أُغلق مخرجه بإحكام. ذهلت وغضبت وتساءلت: متى قام هذا السد؟ ومن الذي أقامه؟ ولأي غاية صنعه؟ وتلفّت حولي فلمحت عند ناحية السدِّ اليمنى شخصًا يجلس وراء مكتب خال إلا من تليفون، وتسمَّرت مكاني من هول ما رأيت، طالعني وجه غليظ بصورة تتحدى أي خيال، وفي موضع الأنف ينطلق خرطوم قصير على هيئة خرطوم الفيل، تحت عين واحدة غائرة تستقرّ في منتصف الجبين…. وأرى الناس منهمكين في شئونهم لا يعيرونه التفاتًا)) (21)

وأتصور أن هذا السد العتيد الذي يراه البطل يمكن أن يُقهم على أنه – مثلاً – هو صورة رمزية للبرزخ الذي يفصل بين عالم الموتى وعالم الأحياء. أما ذلك المخلوق الغريب فلعله صورة رمزية لملك الموت – مثلاً – أو حارس عالم الموتى … أو ما شابه ذلك من تأويلات. أما وجود هذا البرزخ في الشارع الذي ألفه البطل وعاش فيه حياته فهو صورة رمزية لارتباط حياة ما بعد الموت بالحياة التي كانت تسبقها، وانحصار الحياة البرزخية لكل إنسان في سياق ماضيه وسالف حياته.

وعلى هذا النحو يمكن لقارئ أن يتتبع أحداث القصة وعجائبها، ومع كل حدث جزئي جديد يجوز له أن يطرح تأويلاً خاصًا به في إطار المنظومة الكليّة التي يفترض أن القصّة تعبر عنها؛ وهذه الأحداث الجزئية التي تخضع للتأويل هي فجوات دلالية لا يشترط – بالطبع – أن يتفق جميع القارئين في عين المادة الدلالية التي تُملأ بها؛ وإن اتفقوا على الإطار الكليّ العام الذي تتحرك فيه الدلالات المختلفة.

وفي إطار استشراف البعد الميتافيزيقي فيما يمثله الموت يمكن أن نتناول أيضًا قصة: مسافر بحقيبة يد. وبطل هذه القصة رجل يقرر القيام برحلة قصيرة في قطار؛ ولا يصطحب معه – بطبيعة الحال – إلا حقيبة يد صغيرة؛ لأنها رحلة قصيرة. وعندما توصله زوجته إلى القطار يجد القطار فارغًا تمامًا؛ ويلتقي على رصيف القطار بامرأة اعتقد أنها ماتت من زمن بعيد، كما يفاجأ بالكثير والكثير من الوجوه التي جاءت لتوديعه ما بين أهل وأصدقاء وأقارب وجيران، ويتعجب لمجيء كل هذه الجموع لتوديعه مع أنها رحلة قصيرة ومحدودة … ثم يُغلق الباب، وينطلق القطار الذي يجد نفسه فيه وحيدًا داخل العربة، وينصرف المودعون تباعًا بينما يتأمل الراكب الوحيد جميع ما بر به أثناء حياته (22).

لو أُخذت هذه القصة بمعناها الحرفيّ لوجدناها سطحيّة للغاية، بل لما وجدنا فيها ما يستحق أن يكون قصة، أما التأويل الرمزي لها باعتبار القطار هو الرحيل إلى العالم الآخر، واعتبار هؤلاء المودعين هم مشيعو الجنازة، وأن عربة القطار التي أغلق بابها بإحكام ووجد البطل نفسه وحيدًا فيها يتأمل ما مر به في حياته بينما ينصرف المودعون تِباعًا واحدًا وراء الآخر هي القبر.

لو وُضِعت كل هذه التأويلات في الحسبان لأضفنا إلى القصة أبعادًا شديدة العمق، ولوجدنا فيها من الدلالات ما لا يظهر للوهلة الأولى على سطح الأحداث البسيطة. وأول تلك الدلالات وأبرزها اعتبار الموت رحلة قصيرة تنقل الميت إلى عالم آخر مجهول، لم يشر إليه الكاتب، لأنه لم ينبئنا بوجهة القطار الذي أخذت سرعته تتزايد تدريجيًّا.

أما المحور الثاني للأحداث التي تُقدِّم فجوات دلالية فهو يطرح: أحداثًا ذات دلالات عامة يمكن فهمها على أكثر من وجه. فالقارئ يستشعر أن هذا الحدث ليس مقصودًا بذاته، وأن ثمة إشارة رمزيّة ما يعبر عنها، بيد أن هذه الإشارة غير موجّهة توجيهًا كافيًا لترتبط بتأويل معين دون سواه. أو بمعنى آخر ليس في القصة من القرائن اللغوية أو الفنيّة ما يجعلنا نطرح للرمز تأويلاً بعينه كما هو الحال في المحور السابق الذي يقدِّم لنا الكثير من القرائن الموجِّهة إلى اعتبار الموت والعالم الآخر هو البؤرة الدلالية الكبرى التي تُستقطب فيها التأويلات على اختلافها.

وأول ما نشير إليه في هذا الصدد قصة: ((اليمامة))؛ وهي تُقدِّم طفلاً يطارد يمامةً صغيرة؛ ولا يضمر لها شرًا؛ يلاحقها ويلاحقها، ويتعرض في سبيل هذه المطاردة للكثير من الأذى؛ لدرجة أنه كاد يلاقي أكثر من مرة. ويتعجب الطفل من خوف اليمامة منه، وهروبها الدائم المستمر. وتقوده المطاردة من شارع إلى آخر انتهاءً إلى المقابر، وعلى الأخص مقابر عائلته التي طالما زارها مع أهله(23).

ولا شك أن مطاردة طفل ليمامة – وإن كان مألوفًا وواقعيًا – ليس حدثًا يستدعي أن يشغل قصة كاملة، على الأخص حال كون هذه القصة لا تُقدِّم تفاصيل ذات أبعاد دلالية سوى ذكر الأماكن التي تحط عليها وتعاود الطيران ما بين مدرسة، ومستشفى، ومحل لبيع السجائر.. إلخ، حتى ينتهي الحال بالطفل إلى المقابر. ولا تقدم القصة قرينة ما تجعلنا نؤول هذه اليمامة ومطاردتها بمعنى خاص دون سواه. بيد أن القارئ حين يؤول نصًا ما لا بد له أن ((يبحث عن أمارة تلو الأخرى يربط من خلالها بين دلالات النص، وهو في توليفه بين العناصر يبتكر بشكل ما أو بآخر نسقا يجعل من الأمارات أمرا مقبولا، وبدونه فإنها ستظل متناثرة وبدون رابط)) (24). وهذه الأمارات التي يجب تتبعها والربط بينها هي:

–     ما يعنيه الطفل (ولنفترض كونه يدل على السذاجة والبراءة).

–     ما تعنيه اليمامة (ولنقل إنها تدل على الحرية باعتبارها طيرًا طليقًا).

–     ما تدل عليه المقابر التي انتهت عندها المطاردة (وليكن الموت).

ولنقل إن سذاجة الإنسان وبراءته – مثلاً – تدفعه إلى الظنّ بأنه من الممكن أن ينعم بالفكاك من القيود والحياة في حرية وانطلاق دون حجر أو تحكم، غير أن هذا الظن مجرد ظن طفوليّ ساذج؛ لأن الإنسان في بحثه الدائب عن الحريّة يلاقي العنت والمصاعب، ولا يلاقي الراحة الحقيقية إلا في الموت.

إن المحور الرئيسيّ لهذه القصة هو (اليمامة)؛ فهي الكلمة التي تحمل مفتاح الدلالة؛ غير أن الكلمة – عمومًا – ((لا تستمد تأثيرها الأسلوبي من أي صفة جوهرية فيها؛ بل من ارتباطها بوسط أو عرف أسلوبي خاص))(25). ولأن (اليمامة) لا تحمل معنى دلاليًا أو إيحائيًا بذاته يمكن استشفافه من خلال التراث الأدبي أو من خلال تراكم توظيفها في إطار معين فهي عرضة لكثير من التأويلات المختلفة بين جمهور القارئين استنادًا إلى السياق العام والبنية القصَصيّة، ولعلها تكون عند بعضهم (أحلام الإنسان وطموحاته)، أو تكون عند البعض الآخر (الحقيقة المطلقة). وعلى كل حال تصبّ المحصِّلة التأويليّة في نهر دلالي واحد؛ فأحلام الإنسان وطموحاته لا تنال أبدًا وتنتهي به إلى الموت، وكذا الحقيقة المطلقة مجهولة في هذه الدنيا، ولا تتكشف للإنسان إلا بعد موته.

ومثل هذه القصة -أيضًا- قصة ((الخنافس)) التي تقول إن مجموعة ضخمة من الخنافس هاجمت حيًا من الأحياء، وحوّلت حياة أهله إلى جحيم لا يطاق؛ إذ امتلأت البيوت بها بشكل مقزز للغاية، وزحفت على الأطعمة والأشربة ومطارح النوم، والخوف كل الخوف مما يقال من أن الخنافس تجر وراءها العقارب، وقيل إن سبب قدوم هذه الخنافس الأعمال التي تقوم بها الحكومة في الجبل المُجاور للحيّ مما أدى إلى هجرة الخنافس إلى الحي جماعات متوالية، وقد قوومت الخنافس بأشكال شتى منها المبيدات، ومنها الدجل والشعوذة، وهجر الناس حيّهم. وبعد فترة انجلت المحنة، وعاد إلى حيِّهم، وتحيَّر الناس في سبب جلاء هذه المحنة، وانحصرت الأسباب في رأي البعض في الهجرة، والآخرون قالوا بل هي المقاومة، وفريق آخر يرى أنها في البخور (الشعوذة والسحر)(26).

وبالطبع لا تحمل (الخنافس والعقارب التي تجيء في ذيلها) دلالة رمزية واضحة، غير أنها لن تبعد عن دلالة الشر والمتاعب، ولا شك أن الحكومة تدخل – دائمًا – في بؤرة المسببات لمشاكل شعبها الذي يمثِّله بشكل رمزي هذا الحي الصغير؛ وسُبل التصدي لهذه المتاعب متعددة لدى الناس، بعضها واقعي وعملي، وبعضها جاهل وغير منطقي. لكن هذا الصدام وتلك المتاعب والشرور – على كل حال – حقيقة تاريخية أزليّة باقية على الدوام. ولا نملك أن نقول إن ما قدمناه هو التأويل الأوحد الذي تملأ به هذه الفجوة الدلاليّة، لكن طبيعة بناء القصة، وطبيعة الحدث فيها يدفعنا دفعًا على البحث عمَّا وراءه من معانٍ رمزيّة. ولكل قارئ مطلق الحريّة في ملء هذه الفجوة الدلالية، أو غيرها مما سبق تقديمه بما شاء من الدلالات التي يبتكرها ويراها ملائمة.

وفي ختام هذه الدراسة الوجيزة نعود إلى قولنا: إن الدلالات التي يضيفها القارئ إلى القصّة ليست مطلقة أو متعسِّفة، وإنما هي محكومة بطبيعة البناء الفني والسياق العام، ومدى التوسّع والتزيّد في ابتكار هذه الدلالات رهين بما في القصة من فجوات دلالية متاحة، وبمقدار اتِّساع هذه الفجوات الدلاليّة. أما ما يطرحه القارئ من تأويلات مختلفة لقصّة ما فإن ذلك مما يثريها وزيد من قيمتها الأدبية، وما دامت القراءات والرؤى العامة التي يصل إليها القارئون لا تخرج عن سياق البناء الفنيّ والإطار الدلاليّ العام للقصّة فلا يمكن أن نأخذ برأي دون غيره معلنين صحة تأويل ومنكرين سواه.

من كتاب: (أصداء السيرة والفجوات الدلالية)

_________

الهوامش والتعليقات:

(1)   فعل القراءة، نظرية في الاستجابة الجمالية، فولفاجنج إيسر، ترجمة: د عبد الوهاب علوب المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000م، ص: 116.

(2)   التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، إمبرتو إيكو، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م، ص: 79.

(3)   القارئ في الحكاية، إمبرتو إيكو، ترجمة: انطوان أبو زيد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1996م، ص: 63.

(4)   ليس الروائي الكبير: نجيب محفوظ (1911م / 2006م) ممن يحتاج إلى تعريف؛ فشهرة الرجل تجوب الآفاق؛ لكننا سنشير إلى سيرته الذاتية إشارة وجيزة وفقًا لما تقتضيه ضرورة البحث العلميّ. وُلِد نجيب محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة، وتخرّج في قسم الفلسفة من كليّة الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) سنة 1934م، وبدأ التحضير للماجستير؛ لكنه أهمل الماجستير وانقطع عنه سنة 1936م مقررًا التوجه إلى الأدب، عمل في عدة وظائف حكومية من عام 1934م إلى عام 1972م حيث أحيل إلى التقاعد، وكانت آخر وظائفه مستشار وزير الثقافة لشئون السينما. وقد تهيأت عدة عوامل لنجيب محفوظ عمَّقت من موهبته الفذّة، وساعدت بشكل كبير في إثراء إبداعه الأدبي؛ فقد درس الفلسفة في العصر الذهبي لجامعة القاهرة (فترة الثلاثينيات) التي كان يعمل فيها صفوة من كبار الشخصيات العلمية الفذّة التي فتحت له آفاقًا من المعرفة العلمية والأدبية، وكانت دراسة الفلسفة – نفسها – عونًا له على سبر أغوار الشخصية والتعمق في فهمها. وقد كان محفوظ متفوقًا (ترتيبه الرابع على دفعته). وقد اطَّلع محفوظ في بداية حياته الأدبية على روائع الأدب الأجنبي مترجمةً، وكانت قراءته لها قراءة ناقدة مميزة. أبدع نجيب محفوظ زهاء خمسين عملاً قصصيًا ما بين روايات ومجموعات قصصية، بدأها بالتوجه نحو الرواية التاريخية التي لم يستمر فيها كثيرًا، حيث اتجه – فيما بعد – إلى الواقع الاجتماعي المصريّ، وتركزت أعماله على الطبقة الوسطى التي تحمل مجموعة من القيم والمبادئ، وتعاني من الضغوط والقيود الاجتماعية، كما ظهر في بعض روايات محفوظ فكرة الصراع بين العلم والدين، وكانت رؤيته تتركز في أن الحياة تفقد معناها بافتقاد الإيمان، وأن العلم يحاول أن يكون بديلاً للدين؛ لكن افتقاد الإيمان يثير الأسئلة الوجودية الكبرى التي يعجز العلم عن الإجابة عليها. وبعد هزيمة 1967م ظهرت مجموعة من الأعمال التي تنتقد الواقع السياسي بشكل رمزي. وقد مثَّلت روايات محفوظ وأعماله التي توالت لمدة تزيد عن نصف قرن الكثير من الاتجاهات الروائية العالمية ما بين الواقعية، والطبيعية، وروايات الأجيال، مع استخدام تقنيات الرواية الحديثة من تيار الشعور، والقص بأصوات متعددة … إلخ. ولا تقل أعمال محفوظ – فيما يرى الناقدون – عن أعمال كبار الروائيين العالميين الذين كتبوا في هذه التوجهات الروائية. وقد تُوِّجت الرحلة الأدبية لمحفوظ بحصوله على جائزة نوبل سنة 1988م . راجع في ذلك: قاموس الأدب العربي الحديث، إعداد وتحرير: د. حمدي السَّكوت، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية 2009م، ص: 592 و 593.

(5)   أصدر نجيب محفوظ ثماني عشرة مجموعة قصصية أولها: دنيا الله 1962م، أما مجموعة: القرار الأخير التي نتناولها بالدراسة فقد تلتها ثلاث مجموعات أُخَر، هي: صدى النسيان 1999م، وفتوة العطوف 2001م، وأخيرًا أحلام فترة النقاهة 2004م . وقد اعتمدنا في دراسة هذه المجموعة على طبعة الأعمال الكاملة الصادرة عن دار الشروق بالقاهرة 2006م، المجلد العاشر.

(6)   راجع هذه النماذج على ترتيبها في الأعمال الكاملة، القصص: العود والنارجيلة ص: 468، بيت المستشار ص: 457، الرجل القويّ ص: 459، رجل أفلس ص: 443، حَمَلَة القماقم والبخور ص: 427، تيزة أم عزيز ص: 425، وفي هذه القصة الأخيرة نموذج إيجابي للمرأة إلى جانب النموذج السلبي، وهو نموذج: تيزة أم عزيز التي يعبر عنوان القصة عنها، وهي الأم الوفية التي تضحي من أجل أولادها بلا حدود ودونما أي مقابل، ومع ذلك لا تلقى منهم إلا كل جحود وإنكار.

(7)   راجع هذه القصص في: الأعمال الكاملة، الصفحات: 417، 432، 454، 457، 459

(8)   راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 466.

(9)   راجع القصة في: المصدر السابق، ص:427.

(10) علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، د. صلاح فضل، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع، القاهرة، 1992 م، ص: 255.

(11) راجع القصة في: الأعمال الكاملة، ص: 449.

(12) راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 414

(13) راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 438.

(14) راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 419.

(15) راجع القصّة في: المصدر السابق، ص: 468.

(16) الشعرية، تزيفطان تودوروف، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1990 م، ص: 35.

(17) الصوت المنفرد، مقالات في القصة القصيرة، فرانك أوكونور، ترجمة: محمود الربيعيّ، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة 1993م، ص: 37.

(18) القارئ في الحكاية، إمبرتو إيكو، ص: 62 (سبق ذكره).

(19) راجع القصّة في: الأعمال الكاملة، ص: 470.

(20) الرمزية، تشارلز تشادويك، ترجمة: نسيم إبراهيم يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992م، ص: 46.

(21) راجع القصّة في: الأعمال الكاملة، ص: 415.

(22) راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 440.

(23) راجع القصة في: المصدر السابق، ص: 417.

(24) التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، إمبرتو إيكو، ص: 75 (سبق ذكره).

(25) اتجاهات جديدة في علم الأسلوب، استيفن أولمان، ضمن مجموعة من الدراسات ترجمها د: شكري عياد إلى العربية في كتابه: اتجاهات البحث الأسلوبي، اختيار وترجمة وإضافة، أصدقاء الكتاب، القاهرة، الطبعة الثالثة 1999م، ص: 97.

(26) راجع القصة في الأعمال الكاملة، ص: 421.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا