محمد جبريل: “رباعية” لورانس داريل استعمارية مُسيئة للمصريين

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

“عاشق بحري”.. “راهب الأدب”.. “نجم وحيد في الأفق”.. “إمام آخر الزمان”.. “فارس البوح”.. غيض من فيض أوصاف متعددة أُطلقت على الروائي الأستاذ محمد جبريل، وما ذاك إلا تعبيرًا عن عميق التقدير والاحترام والمكانة التي يحظى بها الكاتب الكبير في نفوس كثير من قرائه ومتابعيه، وفي ساحة الرواية العربية.

ولد محمد جبريل بالإسكندرية في 17 فبراير عام 1938م. أفاد من مكتبة أبيه في قراءاته الأولى. بدأ حياته العملية سنة 1959م محررًا بصحيفة “الجمهورية” مع الراحل رشدي صالح، ثم عمل بعد ذلك بصحيفة “المساء” ولا يزال. عمل في الفترة من يناير 1967 إلى يوليو 1968 مديرًا لتحرير مجلة “الإصلاح الاجتماعي” الشهرية، وكانت تُعنَى بالقضايا الثقافية، كما عمل في عدد من المراكز الإعلامية والصحف.

بلغت الكتب المنشورة عن محمد جبريل وأدبه قرابة (13) كتابًا وأطروحة علمية، ودُرست أعماله في جامعات القاهرة وطنطا والسوربون ولبنان والجزائر وغيرها. له قرابة تسع مجموعات قصصية، وتسعة كتب في النقد وأدب المقال، وأكثر من 28 رواية منها: الأسوار (1972)، إمام آخر الزمان (1984)، من أوراق أبو الطيب المتنبي (1988)، قاضي البهار ينزل البحر (1989)، الصهبة (1990)، قلعة الجبل (1991)، اعترافات سيد القرية (1994)، زهرة الصباح (1995)، الشاطئ الآخر (1996)، نجم وحيد في الأفق (2001)، زمان الوصل (2002)، رجال الظل (2005).. إلخ.

كان قرارنا واضحًا حين عزمنا على إنشاء موقع (حكايا للرواية العربية) بأن يكون أول حوار لنا مع الأستاذ محمد جبريل، باعتباره قامة وقيمة لها شأن كبير في الساحة الثقافية، فضلا عن ساحة الرواية العربية. وحين جلسنا بين يديه أدركنا أن قرارنا كان صائبًا، وأن عكس ذلك هو الخطأ بعينه، ففي رحابه يعرف الجالسون بين يديه متعة الحكي، ولذة البوح، كما تنفتح لهم صناديق الأسرار، تلك الأسرار التي لا يعرفها إلا محنك مجرّب، أمدته الصحافة بالكثير، وأوقفه الاطلاع -فضلا عن الخبرة- على أضابير وخبايا الساحة الثقافية المصرية.

حالة من حالات الرهبة والجلال كانت تعترينا ونحن في طريقنا إليه، ونرتب فيما بيننا أسئلتنا التي نعتزم طرحها عليه حتى لا نُثقل عليه وهو في أزمته الصحية التي يمر بها، نسأل الله له الشفاء العاجل التام، غير أن حفاوة الاستقبال، وطيب اللقاء، وذلك الود الذي كان يفوح في جنبات (شقته) الكائنة بمصر الجديدة أخرجنا من تلك الرهبة، وتدفق الحديث، ولم يعد لأوراقنا وأسئلتنا التي كنا أعددناها نفع، فقد انداح الكلام في مسارب أمتع وأروع، وصار كما يقولون: “الحديث ذو شجون”.

وإليكم نص الحوار..

* هناك بعض الآراء التي تتردد عن أن الصحافة تستنزف ذهن المبدع.. فما رأيك في هذا الرأي بحكم عملك صحفيًّا؟

لا لا.. كلام غير صحيح.. وسأرد عليك ردًّا عمليًّا.

كنتُ أتولى أمر صحيفة في عُمَان، بقيت فيها قرابة ثماني سنوات ونصف، كانت تصدر تقريبًا كل ستة أشهر مرة واحدة بطريقة القص واللصق، وصرت أهتم بها إلى أن صارت صحيفة يومية، بعد أن جعلتها أسبوعية قبل ذلك. وكنت أعمل وقتها منفردًا في هذه الصحيفة، كما كنت أكتب فيها. فالمهم هو تنظيم الوقت. فمثل هذا الكلام هو بمثابة عذر “البليد” الذي يتعلل بالانشغال. والحقيقة أن الانشغال كثيرًا ما يكونُ في أمور غير ذات فائدة.

ولنضرب مثلا بالأستاذ نجيب محفوظ، وهو مثال رائع وجميل في هذا السياق. كان يذهب إلى عمله بالوزارة (وزارة الأوقاف) في الثامنة صباحًا ويعود في الثالثة، ولا علاقة لعمله هذا من قريب أو بعيد بالأدب، فقد كان يعمل في (القرض الحسن)، وبعد عودته إلى بيته ينام، ثم يقوم من نومه ويظل يكتب من السادسة مساءً إلى الثامنة، وبعد الثامنة ينشغل بالتلفاز أو القراءة إلى وقت النوم، كما عرف كيف يتعايش مع أمور كثيرة، ومنها مرض السكر الذي لازمه أكثر من أربعين سنة. وقد كتبت هذا الكلام في كتابي “نجيب محفوظ.. صداقة جيلين”.

* هل تتفق مع المقولة القائلة بأن هذا العصر هو عصر الرواية، وأن السرد عمومًا قد طغى على هذا الزمن؟

الشعور بطغيان شيء ما يأتي من شدة الانغماس فيه، فالقراء يشعرون بأن كثيرا ممن حولهم من القراء، وهكذا فالروائيون يشعرون بأن الاهتمام بإبداعهم يتضاعف نتيجة انحصارهم داخل هذا الوسط، وهكذا منتسبو كل فن وكل طائفة.

فإذا كانت هناك زيادة في عدد كُتّاب الرواية حاليًّا -وهذا صحيح- فهناك في مقابل هذا أيضًا زيادة في عدد الشعراء وكتاب القصة.. إلخ.

والزعم بأن هناك جنسًا أدبيًّا افترس بقية الأجناس الأدبية زعم خاطئ، فكل جنس أدبي له مبدعوه ومريدوه ومتلقُّوه.

أما مقولة “زمن الرواية” المنسوبة لجابر عصفور فهو مسبوق فيها، غير أن بعض الأقوال لا بد لها أن تُنسب لشخص معروف حتى تجد رواجًا وصدى أكبر. فقد سبق وقالها “جلال العشري” في الستينيات في مقدمته لإحدى المجموعات القصصية الصادرة عن سلسلة “كتابات مصرية”، وشن وقتها حملة على القصة القصيرة وأعلن موتها، وأن الزمن زمن الرواية، فرددتُ عليه وقتها، وهاجمته.

أنا من المؤمنين بأن الحياة مكتوبة لأي جنس أدبي، حتى وإن كان جديدًا يُطلُّ برأسه على استحياء، كما أومن بأن هناك تلاقحًا بين الأنواع الأدبية، حيث يستفيد كل نوعٍ من الأنواع الأخرى.

* إذن.. هل ترى أن قوة الجوائز الخاصة بالرواية والزخم الحاصل لها سبب من أسباب هذا الحضور الروائي في المشهد الأدبي؟

قد يكون هذا صحيحًا.. بمعنى أنها تجعل للرواية صوتًا عاليًا.

* ما السبب في رواج فن الرواية الآن من وجهة نظرك؟

أظن أن من الأسباب المهمة هو كونها كيانًا مكتملا في كتاب، فضلا عن تلك الأجواء الرومانسية والغرائبية التي يستمتع بها الشبان، بالإضافة إلى السينما التي استمدت بعض قصصها من روايات الشباب كـ”الفيل الأزرق”.

بالطبع هناك روايات ضعيفة فنيًّا، ولكن من الجيد وجود ما يشجع على القراءة.

* نلمس حسًّا صوفيًّا باديًا في بعض أعمالك.. فهل هذا الانطباع صحيح؟

أنا صوفي مع إيقاف التنفيذ، إذا صح التعبير، ففي كثير من أعمالي نفس صوفي بادٍ في المكان أو في الشخصيات أو فيهما معًا.

* معروف أنك قومي أيضًا.. فكيف الجمع بين التصوف والقومية في شخصيتك؟

لا يوجد ما يمنع أصلا من الجمع بينهما.. فالصوفية داخلة في صلة الإنسان بالله، والقومية موصولة الصلة بالدنيا، فلم الخلط بينهما؟.

* نلمس أيضًا اتكاءك في بعض أعمالك على (العجائبية) أو (الواقعية السحرية) لا سيما في رواياتك ذات النفس الصوفي؟

هذا صحيح.. ولعل هذا واضح في “رباعية بحري”.

* “المكان” في رواياتك له حضور فاعل وقد يكون هو “البطل” في بعض الأعمال.. فما سر هذا الحضور المكاني في أعمالك.. لا سيما في “رباعية بحري”؟

هذا نابع من الحياة، من معايشتي الفعلية لهذه الأماكن. بيتي -مثلا- لا يظل موجودًا بالإسكندرية، ولي برنامج تلفزيوني بعنوان “رائحة المكان”. فأنا قد عايشت هذه الأماكن، ذهبت إلى حلقة السمك، ودخلت مسجد “أبو العباس”، ورأيت الميناء الشرقية.

* ما الرابط بين “رباعية بحري” لك و”رباعية الإسكندرية” لـ”لورانس داريل”؟

لا رابط بينهما.. فرواية داريل رواية سيئة، قد نقول إنها فنيًّا ممتازة، لكنها فكريًّا تظل رواية رديئة ومغرضة واستعمارية وحقيرة، وسافل هذا الذي كتبها. ولا بد لقارئها أن يقرأها بتمعن ليدرك كيف أساء إلينا هذا الكاتب، وكيف بثّ فيها من الأفكار ما يشوه ويسيء للمصريين ولتاريخهم.

وقد كتبتُ “رباعية بحري” قبل قراءتي لرواية داريل، وأحمد الله على ذلك، فلو كنتُ قرأتها قبل كتابة روايتي لكنت سرتُ في مسارٍ آخر أثناء الكتابة؛ مسار الرد والدفاع والجدل معه، وساعتها ستكون كتابتي جدلية لا فنية.

لقد كتبتُ “رباعية بحري” وفي ذهني نية الكتابة عن “بحري” التي عشت فيها. فهي رواية متصلة منفصلة عن ذكريات طفولتي وشبابي. وتقسيمها إلى أربعة أجزاء هو وليد ضرورات النشر، ولم يكن في ذهني وقت كتابتها هذا التقسيم.

* هناك مقولات للأستاذ محمد جبريل تنم عن مدى حرصه على قضايا الوطن العربي، ومنها: “خُلِقَ الإنسان ليقاوم” و”الإبداع مقاومة صامتة”.. فما دلالة هذا؟

هذا ضروري.. فلا بد دومًا من المقاومة.. ولا يعني هذا -بالطبع- حمل السلاح، بل يعني رفض القهر بكافة أشكاله، ورفض كل ما هو عفن ورديء.

هناك من لا بد لهم أن يقاوموا بالسلاح، كالفلسطينيين، ليس هذا فحسب، بل أن يقاوموا رئيسهم “عباس” الذي يسلبهم حقوقهم عن طريق المفاوضات العبثية مع المحتل. أما الكاتب والمبدع فمقاومته تكون برفض كل قهر واستبداد، ورفض كل ما يؤدي إلى العبث بمستقبل الأجيال القادمة. وأدبي كله حريص على زرع هذه الفكرة وترسيخها.

* في بعض أعمالك نفس ثوري واضح؟

أنا لا يعنيني الحديث عن ثورة بعينها.. لكني أدعو إلى الثورة مطلقًا.. فلا بد من الثورة، وهذا من وقت نشر أول أعمالي. أنا لستُ مصلحًا اجتماعيًّا لكني كاتب له رؤية، وأرى أنه لا مناص من ضرورة أن يكون هذا الشعبُ مقاوِمًا، وأن يتغلب على واقعه الرديء بالثورة.

* “غرور المثقف”.. ظاهرة تعج بها الساحة الثقافية ونضحت على كثير من الروائيين.. فما رأيك في هذه الظاهرة؟

كانت نصيحةُ الأستاذ نجيب محفوظ لي أن أقدم أعمالي مباشرةً للناشر بعد الانتهاء منها، وقد خالفتُهُ في هذا الأمر، فأنا من الذين يحرصون على معرفة آراء المقربين مني في أعمالي قبل نشرها. والعجيب أني استفدت فعلا مما فعلتُ، إلى درجة أني استفدت استفادة مهمة من ملاحظة أحد الأصدقاء في إحدى رواياتي، وهو ممن لا صلة لهم بالأدب والرواية.

أزمتنا أننا كثيرو المجاملات، وهو أمر قاتل للشخصية، وهذه المجاملات الفوضوية تقتل التواضع في نفوس المبدعين، وتكرارها يبلغ بالذات درجة تصديقها، ومن ثمّ يصاب المبدع بالكبر والغرور وادعاء ما ليس فيه.

* ما رأيك في الرواية التاريخية.. لا سيما وأن بعض الكتاب يعتبرونها أقل شأنًا من الأنماط الروائية الأخرى؟

أغلب الكتاب العالميين العظام كتبوا روايات تاريخية، وعلى رأسهم شكسبير ونجيب محفوظ. ومن المعروف أن المبدع يتناول التاريخ وفق رؤيته له، ولا ينقله إلى عمله نقلا حرفيًّا. وللعلم فإن أي رواية بطبيعتها تحمل بُعدًا تاريخيا، مهما حاولت التنصل من ذلك.

* كيف تكتب رواياتك التاريخية؟

بالمذاكرة والتحضير الجيدين، وأتتبع كل تفصيلة صغيرة وراء ما أنتوي الكتابة عنه، إلى حد تتبع العملة ووصفها قديمًا، ولعل هذا واضح في “الجودرية” و”من أوراق أبو الطيب المتنبي”، وكذلك أتتبع المفردات اللغوية الخاصة بكل فترة زمنية.

* هل تأثرت في رواياتك التاريخية بنجيب محفوظ؟

إطلاقا.. في روايتي “اعترافات سيد القرية” -وهي رواية تتناول شيئًا من الحقبة الفرعونية- حاكيتُ لغة “كتاب الموتى”، أما الأستاذ نجيب محفوظ فقد كان يكتب سردًا عاديًّا حين تناول هذه الحقبة.

* هل ما زلت مهتمًّا بالرواية التاريخية؟

طبعا.. وأنا حاليًّا أكتب رواية تاريخية عن عمر مكرم، وأتناول فيها جدلية الحاكم حين يهب لشعبه التقدم ويمنع عنه الحرية.

كما انتهيت من رواية عن آخر أمير من أمراء الأندلس رفض تسليم إمارته للمسيحيين.

* ما رأيك في الكتابات الجديدة للشباب؟

حقيقة أنا أقرأ للشبان الجدد أكثر من قراءتي للقدامى. فيهم بالطبع الجيدون وفيهم من دون ذلك، تماما ككل جيل، فيه وفيه.

* ما رأيك في الكتابات الغامضة التي لا تَبينُ فيها الفكرة؟

أي عمل سردي لا توجد فيه “حدوتة” “تيمة” فلا قيمة له، حتى لو كان من باب “القصة الومضة”، إذ لا بد من وجود شيء ما –أي شيء- يريد الكاتب التعبير عنه وإيصاله للمتلقي، وهذا أمر بديهي في العمل السردي بجميع أنماطه.

كما أن طريقة تناول الأفكار هي المعيار الفارق بين كاتب وآخر.

* ما رأيك في ضرورة الثقافة للمبدع؟

لا بد أن يكون المبدع مثقفًا، ولا بد له أن يقرأ كثيرًا، حتى إذا ما تصدى لإحدى القضايا يكون واعيًا بها، ولا بد له كذلك من أن يعيش قضايا عصره، وأن يلاحق مستجداته. والقراءة مفتاح ذلك كله.

ما زلت أذكر وأنا صغير أني حين كنت أذهب عند أهل أمي أو أبي، أبحث عن مكان لديهم فيه ما يُقرأ، وأظل أقرأ بنهم.

* هل أنت راضٍ عن أداء المؤسسات الثقافية المصرية حاليًّا؟

في حالات الفوضى والتشتت من الصعب الوصول إلى كلمة سواء. أرى أن الأمور فيها تشتت وخلط و”لخبطة”، والأعلى صوتًا هو الذي له الغلبة. هذا بالإضافة إلى أن هناك جهات مقيدة بظروفها الاقتصادية والوظيفية. فضلا عن أن هناك ثلة من المنتفعين والمتسلقين الذين يحرصون على الالتفاف حول كل رئيس مؤسسة ثقافية لينهلوا من خيراتها، وهم –هذه الثلة المنتفعة- لا مبدأ لهم ولا كرامة؛ حيث تراهم هم أنفسهم يلتفون حول كل رئيس يتولى مقاليد تلك المؤسسات الثقافية.

* كيف هو يوم الأستاذ محمد جبريل أثناء فترات استقرار حالته الصحية.. متى ينام ويصحو. متى يكتب.. إلخ؟

أنام تقريبًا في الثانية أو الثانية والنصف صباحًا، وأصحو في التاسعة صباحًا. أفطر ثم أشرب شاي الصباح. ثم أجلس سريعًا على الكمبيوتر إلى حدود الرابعة عصرًا. ثم أتغدى وأرتاح ساعة، ثم أقوم وأجلس أمام الكمبيوتر مرة أخرى.

أنا غالبًا في انشغال ما بين أمور ثلاثة: الإعداد للكتابة، أو الكتابة، أو القراءة.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا