قراءة في رواية “الأندلسيّ الأخير” للروائيّ أحمد أمين

0
حنان الصناديدي
شاعرة وكاتبة مصرية

(الأندلسي الأخير) رواية من النوع الذي يأسرك لأول وهلة، ويحكم قبضة التشويق والإثارة؛ فتقع في غرامها لا تكاد تفارقها إلا مع السطر الأخير!

دلالة العنوان والغلاف:

العتبات الأولى للقاريء تمثلت في أمرين: العنوان المشوق، والغلاف المهيب؛ فهما يتضافران معًا لإثارة الدهشة الأولى والالتفاتة العقلية الوجدانية للرواية؛ بما يحمله العنوان بدلالتيه (النسبة إلى الأندلس) وهي بلاد السحر المسلوب والحضارة المغتصبة والوجع الساكن قلب كل مسلم غيور، فالنعت بــ (الأخير) وما له من قوة استنفار لفضول القارئ، يعضّد ذلك الغلاف الذي يجمع بين مساحات لونية معتقة بالظلام يطلّ من خلالها الضوء الخجول خائفًا يترقب مع كل صعود وهبوط على الدَّرَج المتدثر بالغموض والرهبة وضجيج الصمت!

العرض:

تتألف الرواية من أربعة فصول:

  • الفصل الأول: (غروب مملكة)

ينقسم الفصل الأول إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

1- مقدمة سردية تمهد للأحداث: يحكي فيها السارد كيف وصلت إليه المخطوطة، وما تكبده من عناء ترجمتها.

2- نص مخطوط الموريسكي الأخير(علي بدية): ويفتتحه بحالة الغضب العارمة في محاكم التفتيش بسبب العثور على آخر مسجد في غرناطة للموريسكيين وقد ظنوا انتهاء وجودهم، وقتلهم جميعًا داخل المسجد وعلى رأسهم معلمهم (الشيخ عمر).

3- نص المخطوطة التي عثر عليها (علي بدية) في منزل (الشيخ عمر) باللغة العربية، لكاتبها (أبي الحسن الغرناطي) والتي يحكي فيها عن خمسة الأيام الأخيرة قبل سقوط غرناطة وتسليمها للقشتاليين.

  • الفصل الثاني: بداية (علي بدية)

وفيه يحكي (علي بدية) كيف انتقل إلى الخدمة بالكنيسة (التي كانت مسجدًا) بعد إحراق عائلته كاملة وإخفاء أبيه أمر إسلام صغيره إبقاءً لحياته، وكيف علمه أبوه العربية وبعض تعاليم الإسلام سرًّا، وبداية معرفته بالشيخ عمر إمام الموريسكيين ومعلمهم، وما كان يسمعه في منزله من دروس في صغره، ومراجعته لما يحفظ ليلًا خشية نسيانه وانقطاع صلته بالإسلام، ثم لقائه بـ(قاسم) المسلم الذي يتخفى في شخصية القس (كاميلو)، واختيار (عليّ) ليقوم بمهمة التواصل مع من تبقى من الموريسكيين، ومنهم (مسلمة أبدة) و(مسلمة أبلة) اللتان تقومان بهمة إيصال الرسائل، وما لبثتا أن أُحْرِقَتْ إحداهما وماتت الأخرى حزنًا وكمدًا لفراقها.

  • الفصل الثالث: (رؤيا)

ويحكي عن انكشاف أمر (الشيخ عمر) لمحاكم التفتيش بعد قيامه بالدور الأكبر في البحث والتواصل مع الموريسكيين متخليا عن حذره المعتاد، ثم إحراقه داخل مسجده مع من كان بصحبته وهم يصلون، ورؤياه التي تبشره بالحج إلى بيت الله الحرام، ثم موت (كاميلو)؛ ليبقى (علي بدية) الموريسكيّ الوحيد الباقي على قيد الحياة.

  • الفصل الرابع: (نهاية النهاية)

وفيه ينزل (علي) إلى القبو خلسة حيث يجتمع المحققون ويُحتفظ بأوراق اعترافات الموريسكيين؛ فيقرأ المجلد الخاص باعترافات عائلته ليصدمه أن المُبَلِّغ عنها هي صديقة أمه وجارتهم، ثم أصناف التعذيب الوحشيّ الذي تعرضت له عائلته ورغم ذلك لم يدلوا بأية معلومات، ولم تخرج من أفواههم سوى جملة واحدة بالعربية لم يفهمها المحققون فكتبوها كما هي (إلهي أنت ملاذي)، ثم اختيار رئيس محكمة التفتيش له مع مجموعة من المبشرين للسفر إلى (الأرض الجديدة).

ودّع (عليّ) غرناطة رابطًا حول خصره أوراقه، وانطلقت السفينة التي ما لبثت أن غرقت بالرهبان، ولم يَنْجُ منهم سوى (عليّ)؛ إذ أنقذه -من الغرق- مجموعة من التجار المصريين كانوا يمرون بالقرب منه وحملوه على ظهر سفينتهم إلى مصر ثم إلى مكة؛ لتتحقق رؤياه ومنتهى أمله.

تقنيات السرد في الرواية:

  • الدوائر المتداخلة:

تبدأ الرواية بمقدمة سردية على لسان الكاتب الذي يتماهى مع السارد الضمني للأحداث، أو ربما يتماهى مع (المجتمع) الخانع لما هو عليه، وكأنه يستكثر أن تكون له اليد العليا في تقرير مصيره واستشراف مستقبله، لا يحرك ساكنًا مهما أرعدت الأحداث وأبرقت، فاقدًا القدرة على التغيير، أو حتى التلويح بالرفض، بل يزيّن مساوئه ليتفادى مواجهة مؤجلة مع ذاته التي يُسْكِتها كلما ثارت عليه، ويُعيدها إلى السُّبات الآمن!

وهو نقدٌ ذاتيّ مجتمعيّ استطاع الكاتب أن يُضَفِّره بعناية مع أحداثه الافتتاحية للرواية كاشفًا عن العمق الأيديولوجي لتلك الرواية التاريخية؛ فسرد الأحداث واجترار الآلام ليس مقصودًا في حد ذاته، وإنما لإعادة تشكيل الوعي المجتمعيً وتحفيزه؛ فليكن ذلك الوجع -الذي يتقاطر من أحداث الرواية، بل من كل حرف من حروفها- حجرًا يلقيه الكاتب المعنيّ بهموم أمته؛ ليحرك الماء الراكد، وصفعةً على وجه الإنسانية التي تعيد دورة التاريخ بأخطائه المتراكمة دون أن تَعْتبر بما كان؛ ليستقيم لها ما هو كائن وما سيكون .. تعودنا أن نريق ذاكرة الخطأ لا أن نتعلم منها!

“لم أكن أفضل التغيير، أو لم أكن أريده، لا أدري هل هناك فارق بين الأمرين. في بعض الأحيان كان يدق جرس التنبيه للتغيير فلا أسمعه، أو أدعي أنني لم أسمعه، لم أكن أحب الصدام أو المواجهة، حتى لو كانت مع نفسي، فدائمًا كنت أوثر الانسحاب حتى لو كانت نتيجة المواجهة محسومة لي .. فالفرار منها هو الحل الأمثل بالنسبة لي. (ص: 8 – 9).

آثرتُ أن أنقل تلك الفقرة على طولها؛ لأنها المغزى الحقيقيّ الذي يتراءى لي في تلك الرواية الرائعة؛ فلا يفوتنَّك ذلك المعنى الدقيق –أيها القارئ اللبيب- متشاغلًا بالبكاء والنحيب على اللبن المسكوب؛ فتأمل!

يعرض الفصل الأول حالة الملل والإحباط وفقدان الرغبة في التغيير التي يعانيها السارد آملًا في هزة عنيفة تخرجه مما هو فيه، حتى يلتقي بتاجر الكتب القديمة (فرحات) الذي يبتاع منه عددًا من الكتب، بينها “كتاب قديم ملفوف بقطعة قماش مهترئة .. يبدو كأنه منذ بدء التاريخ”، ويبقى مضمون هذا الكتاب رفيق رحلة القاريء فيما تلا ذلك من فصول، وإلى نهاية الرواية؛ فالأوراق مكتوبة “بلغة (الخميادو) وهي لغة الموريسكيين الأندلسيين الذين ظلوا في الأندلس تحت حكم الأسبان النصارى بعد سقوط غرناطة سنة 1492 ميلاديًّا”، وهي لغة تكتب الأسبانية بحروف عربية؛ فتعجز محاكم التفتيش عن فهم فحواها .. ثم يتضح له أن ما بين يديه كتبه رجل موريسكي يدعى (علي بدية) جاء إلى مصر من الأندلس تاركًا تلك المخطوطات؛ فيقرر السارد ترجمتها وبسرعة رغم الصعوبات اللغوية التي يواجهها، حتى انتهي منها تمامًا.

انقسمت الأوراق إلى جزأين:

– جزء كتبه (علي بدية) صاحب المخطوطة نفسها.

– وجزء كتبه رجل أندلسي من أهل غرناطة، يدعى (أبا الحسن الغرناطي)، ذكر فيه آخر خمسة أيام قبل سقوط غرناطة، وقد وصلت أوراقه إلى (علي بدية) فقام بترجمتها من العربية إلى الخميادو.

وإلى هذا الحد يختفي (السارد الأول) مفسحًا المجال للسارد الثاني في الرواية (علي بدية)، الذي ما يلبث أن يختفي عن الأحداث بعض الوقت مسلمًا زمام الحَكْي إلى السارد الثالث (أبي الحسن الغرناطي)، متسلمًا إياه مرةً أخرى ليبقى معنا حتى آخر الرواية؛ حيث يظهر السارد الأول مرة أخرى معلقًا على الأحداث متأملًا مجرياتها مستلهمًا ما فيها من دروس وعبر.

وهو ما عنيته بتقنية (الدوائر المتداخلة) التى قام عليها المتن الحكائي للرواية.

فقط عليك –أيها القاريء- أن تكون يقظ العقل؛ لئلا تتشابك عليك الدوائر المتداخلة للسارد الضمني وما تلاه من تلاعب زمانيّ مكانيّ، وأخذ ورد وتبادل للأدوار في تقنية حديثة للفن الروائي (هي المعادل لانتقال الكاميرا –سينمائيًّا- بتقنية القطع cut أو الاختفاء التدريجي fade out)، وفيها تنتقل الكاميرا من مشهد إلى آخر عبر مدارات زمنية مكانية مختلفة، لكنها ترتبط جميعها بخيط موضوعي رئيس لا يسمح للأحداث بالتفكك.

– يتمثل القطع cut في معظم الانتقالات داخل الرواية؛ كأن ينهي السارد حديثه بنقطة ختامية، ثم يبدأ عنوانًا جديدًا (نص المخطوط) ص20 ينتقل من خلاله إلى دائرة زمانية مكانية مختلفة.

– أما الاختفاء التدريجي fade out ؛ فيظهر في استدعاء الماضي بطريقة ناعمة تتخلل المشهد رويدًا رويدًا، حتى تنتقل بالكلية إلى دائرته الزمانية المكانية، ومنه: استدعاء (عليّ) لذكريات الماضي ناظرًا إلى بقايا الورق المتفحم ص55

والمسار السردي -في الرواية- يعبر عنه الشكل التخطيطي الآتي:

الحوار:

دارت بعض أحداث الرواية في حوار طبيعيٍّ غير متكلف بين الشخوص، يتميز بالنظرة العميقة التحليلية للأحداث، ممتزجًا بصدق عاطفة المتحاورين؛ حتى تكاد تسمع نشيجهم وتلمس دموعهم، مع الاقتباس -المضفر بمهارة- بمقولات ذكرتها كتب التاريخ لبعض الأبطال الحقيقيين.

ومن ذلك:

– حوار أبي الحسن الغرناطي مع المرأة الباكية المتشحة بالسواد؛ فقد بدأ الحوار ذاتيًّا (حديث نفس مكلومة بصوت مسموع) .. “غرناطة يا مولد نفسي .. غرناطة يا موطن عرسي …” ص30، تجاوب معه الغرناطي؛ فتبادلا بعض الحديث الباكي بلغة أقرب إلى الشعر، يتخلله بعض الحكم العميقة بديعة السبك “موتوا كرامًا قبل أن تتمنوا الموت فلا تجدوه!”

– حتى (حوار المتسول مع التاجر) ص 35، 36 لم يخلُ –فيه- حديث المتسول من تلك الشعريّة التي تضوع من ثنايا الكلمات:

“في الليل تأوي إلى منزلك ونأوي نحن إلى شوارعها وحقولها، إلى ترابها نحتضنه ونحتمي به … أنتم أيها الأغنياء لا تعرفون حَرَّ غرناطة ولا بردها ولا حنانها، صحيح أننا لا نمتلك شيئًا فيها، لكننا قدمنا عرقنا ودماءنا فامتزجوا بترابها …”

  • المونولوج (الحوار الداخلي):

وقد تجلّى في كثير من فصول الرواية؛ حيث رهبة الموقف الفاصل، ثم رهبة العقاب الوحشيّ؛ ألجمت جميع الغرناطيين؛ فأوى كلٌّ منهم إلى ذاته مناجيًا ومتأملًا ونادمًا وآملًا، أو متلمّسًا إجاباتٍ لأسئلته في عيون أقرانه.

وقد يتخلل الحوار مع الآخر حوارات ذاتية تأملية، ومن ذلك:

– حوار الغرناطي مع الطفل الجالس على عتبة المسجد ص34:

فقد أخبره الطفل أن أباه قد قتل مع (موسى بن أبي الغسان)؛ فحدث نفسه: “آهٍ لليتامى، من لهم بعد غرناطة؟!” ثم استكمل حواره معه، فلما حدثه عن الخوف الذي يراوده من الهزيمة حين يعلو الصليب على المآذن ويصمت صوت الأذان إلى الأبد …. عاد إلى ذاته مناجيًا وجالدًا: “تبًّا للعجائز، والصغار ينطقون بما عجز عنه الحكماء”

  • الوصف:

وهي التقنية الغالبة في الرواية؛ فحين خيم الصمت على كل شيء؛ لم يبقَ من فسحة للروح سوى مصافحة العيون للأماكن، والتلصص على ما خلف الأبواب المغلقة، وتفرس الوجوه وقراءة العيون!

  • الاسترداد:

أو (flash back)؛ وهي تقنية حديثة يقوم من خلالها السارد باسترجاع الأحداث الماضية، ومن ذلك استدعاء (علي بدية) لأحداث طفولته وبداية معرفته بتعاليم الإسلام على يد أبيه ثم في منزل (الشيخ عمر) إلى انكشاف أمر عائلته وتعذيبهم ثم حرقهم بالكامل… كل ذلك اجترّه حين كان يحرق مخطوطة الغرناطيّ المكتوبة بالعربية بعد ترجمته لها.

ومن ذلك استرجاع السارد الضمني معلوماته عن الموريسكيين ومحاكم التفتيش الأسبانية، والتنصير الجماعي إجباريًّا، أو التعذيب والحرق بوحشية يشيب لهولها الولدان؛ رغبةً في محو الهوية الإسلامية العربية كاملةً .. كل تلك الحقائق التاريخية عرضها السارد بذكاء كنمط استرداديّ، وهي تقديم رائع للرواية تُزوّد القاريء بما يلزمه من الحقائق والتعريفات توطئةً للفهم.

لغة الرواية:

يتميز النص الروائي الحديث بأنه نص لغوي في المقام الأول، فلا عجب أن تقترب اللغة فيه من الشعر أحيانًا، تتدفق تراكيبها وصورها في سلاسة وانسياب.

استخدم الكاتب –كثيرًا- ضمير المتكلم والمخاطب؛ ليهب النص تفاعليةً محمودة مع متلقيه؛ فهو –دائمًا- طرف حاضر في العملية الإبداعية؛ عدولًا عن الاستعمال القديم الشائع في الحكي بضميرالغائب.

تميزت لغة الرواية بما يشبه المسكوكات اللغوية الرنانة جيدة السبك، والتي تصلح حكمًا عميقة المعنى محبوكة المبنى، أجراها المؤلف على لسان أبطال الرواية صغارًا وكبارًا، نساءً ورجالًا.

تميزت –أيضًا- في الخطاب السردي مع الآخر أو مع الذات بالنظرات التأملية الفلسفية، التي تعتري المرء في تلك المواقف الفاصلة في حياته؛ فما بالك بتاريخ أمة وحضارتها؟!

الشخوص:

تتنوع الشخصيات في الرواية التاريخية بين الشخصيات التاريخية الواقعية والشخصيات التخييلية ؛ فالشخصيات الحقيقية تعطي للرواية قدرًا كبيرًا من المصداقية؛ فتنبض بها الحياة، وبخاصة إذا أجاد المؤلف رسم الخلفية الاجتماعية المتناسبة مع تلك الحقبة التاريخية مازجًا بين مخزونه الثقافي وخصوبة خياله الفنيّ، أما الشخصيات الخيالية؛ فيُحتاج إليها في ربط الأحداث وصنع التفاصيل الدقيقة والحبكة الدرامية باحترافية فنية دون مساس بمجرى الحدث التاريخي الرئيس.

فأما الشخصيات التاريخية التي احتوتها الرواية؛ فقد تمثلت في:

-علي بدية: آخر الموريسكيين الأندلسيين، والشخصية الرئيسة.

-أبو الحسن الغرناطي: صاحب مخطوطة (خمسة الأيام الأخيرة قبل سقوط غرناطة).

-موسى بن أبي الغسان: شخصية تاريخية لقائد عظيم.

-أبو عبد الله بن الأحمر: آخر ملوك غرناطة، الذي سلمها للقشتاليين.

– مسلمة أبدة ومسلمة أبلة: وهم شخصيتان حقيقيتان.

أما الشخوص الخيالية التي استعان بها الكاتب فمنها:

-فرحات: تاجر الكتب القديمة.

-المرأة الباكية المتشحة بالسواد.

-طروب: فاتنة غرناطة.

-الطفل الصغير الجالس على عتبة المسجد.

-القس كاميلو أو (قاسم).

وقد كان لكلٍّ دوره في البناء الحكائيّ للأحداث.

*تبقى شخصية (السارد الضمني) المتماهي مع الكاتب أو المجتمع، وقد سبق الحديث عنها.

* والشخصية الرمز: فالشيخ (خالد بن زيدون) الخطيب المفوّه المقعد؛ لا أراه إلا رمزًا لأمة قعيدة العزم، لا تجيد غير تنميق الكلام والشجب والنحيب .. وما أعدَّتْ لأعدائها من قوة! فلا يكون جزاؤها إلا الموت كمدًا، رغم خيريّتها التي قررها الله سبحانه وتعالى.

رؤية الكاتب:

ليس مطلوبًا من الرواية التاريخية أن تقدم التاريخ حرفيًّا، إنما يتدخل فيه الكاتب بوعي تام؛ ليقدم رؤيته التي تستلهم الماضي لتفسر الحاضر وتستشرف المستقبل.

وهي تنقسم إلى:

*الرؤية التبليغية للرواية أو الفكرة الرئيسة: التي أراد لها المؤلف أن تصل إلى قارئه (ما عاناه الأندلسيون تحت وطأة قهر محاكم التفتيش من تعذيب وحشي وحرق جماعيّ لمحو الهويّة الإسلامية كاملة).

*الرؤية الأيدلوجية: التي من خلالها يبث المؤلف أفكاره الخاصة ورؤاه حول القضايا المجتمعية، ومنها على سبيل المثال:

-دور البطانة المحيطة بالحاكم في إرشاده أو تضليله، وعلو الهمة أو تقاعسها، وبث روح الجهاد أو تثبيطها:

“كان وزراء أبي عبدالله هم آفة حكمه وسبب فساده …كانوا يحاولون إيصال هذه الروح القاتلة لنا” ص28

-تخاذل المسلمين عن النصرة سيناريو يتكرر مع اختلاف الزمان والمكان:

“كان أهل غرناطة يرسمون آمالًا عريضة، إنهم سيستيقظون يومًا من نومهم فيجدوا (فيجدون) جيوش المسلمين قد أحاطت بهم وفكت عنهم الحصار…” (ص: 44) / “فهم لن يرضوا بضياع آخر معقل للمسلمين في الأندلس” (ص: 43).. لكن هيهات!

– الإفاقة لا تتم إلا بعد ضياع كل شيء:

“لم أدر لم صمتنا كل هذه المدة، وتحركت نفوسنا بالثورة في تلك اللحظة؟!… لكن فيما يبدو أن أوان القتال قد مضى ولم يعد يُجدي الآن”.

– بناء جيل التمكين:

يبدو جليًّا في حوار الشيخ عمر مع الصبي عليّ (ص: 58)، وحديثه عن بطولة سميّه (عليّ بن أبي طالب) الفدائي الصغير الذي حفظ السر ولم يهب بطش المشركين به حين نام في فراش النبي –صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة.

– القهر لا يبني عقيدة، ولا يؤسس فكرة (ص: 92).

– الإسقاط الذي يتجلى في قوله:

“أذكر أن الشيخ عمر حدثني ذات مرة أن باقي مسلمي العالم لا يدرون عنا شيئًا، حتى أنهم لا يعرفون بوجودنا الآن”؛ فلنذكر مسلمي (بورما) على سبيل المثال.

 توثيق الأحداث:

– اهتم الكاتب في نهاية روايته بعرض حقائق تاريخية موثقة قامت عليها الأحداث؛ فالرواية التي تجعل من التاريخ موضوعًا لها تستهلك جهدًا مضنيًا في جمع المادة التاريخية للأحداث والشخوص والخلفيات الاجتماعية، ثم توظيف ذلك كله في قالب فنيّ جماليّ يكسر جفاف التاريخ وإعراض العامة عنه لما قد يصادفونه في كتبه من سأم وإملال، مع الأمانة التامة في نقل التاريخ دون تزييف لحقائقه الثابتة، وهذا مما نقدره للكاتب البارع في تلك الرواية المتكاملة توثيقًا وخيالًا فنيًّا يتعانقان في نسيج محكم مشوق بديع.

– اهتم بتضمين روايته عددًا من الصور للمخطوطة، وصورًا لبعض الأماكن والأحداث والطقوس والشخصيات الواقعية؛ بما يؤكد مصداقية الحدث.

وأخيرًا:

– تميزت الرواية بصدق العاطفة وقوة التأثير في نفس المتلقي، ولا أخفي سرًّا أن عينيّ دمعتا في كثير من المواقف المجسدة في حوار طبيعي غير متكلف بين أناس تُنتزع منهم هويّتهم كاملةً قهرًا وتوحشًّا!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا