مصطفى عبدالله.. “مؤسسة ثقافية منضبطة” (حوار)

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

“مصطفى عبد الله مؤسسة ثقافية منضبطة”.. عبارة أطلقها أحد المثقفين، وهي معبّرة عن حقيقة الدور الذي يقوم به الكاتب الصحفي ورئيس تحرير جريدة “أخبار الأدب” الأسبق، الأستاذ مصطفى عبد الله.

هو بالفعل “مؤسسة” ثقافية “منضبطة”، فالجهد الصحفي والثقافي الذي يقوم به منفردًا في المجال الثقافي لا يستطيع القيام به إلا جملة من الشبان الأوفياء للثقافة والمثقفين؛ فهو شعلة لا تهدأ من العمل، غزير الكتابة، دائم الترداد على معظم المؤتمرات والندوات واللقاءات الثقافية، شديد الصلة بالناشرين والمثقفين، ولهذا نراه يقول: “كنتُ -وما زلتُ- أتعامل مع الشأن الثقافي بإخلاص شديد طيلة يومي، سواء كنت في العمل أو خارجه. ذهني لا يفتأ يفكر في الشأن الأدبي، وأظل أنظر في جديد الساحة الثقافية، فلا يكاد يُخرِجُ كاتب كتابًا إلا وأعمل على الوصول إليه وإلقاء الضوء عليه إن أمكن”.

له عدد من الأعمال، منها: (أسطورة أوديب في المسرح المعاصر)، و(جهاد في الفن) عن الأستاذ يحيى حقي، و(نبوءة الرئيس الأمريكي)، و(ضد الهيمنة)، و(ذاكرة جائزة.. وأسرار البدايات) عن مؤسسة البابطين، و(هدير السرد) وهو عبارة عن حوار طويل مع الروائي أشرف الخمايسي.

يُعد الأستاذ مصطفى عبد الله حاليًّا أهم المحررين الثقافيين المهتمين بالثقافة والأدب في مصر، وله دور كبير في تسليط الضوء على عدد من الكتاب والمبدعين، لا سيما الروائيين منهم. ونظرًا لأهمية دوره في المجال الثقافي كان لنا معه هذا الحوار:

  • بدايةً.. متى بدأ ارتباطك وشغفك بالصحافة الثقافية؟

لم أكن في بداياتي أتخيل أنني سأسلك هذا المسار العملي، لأن دراستي كانت الأدب المسرحي والنقد في أكاديمية الفنون المصرية، ما بين عامي 1972 و1976م، وأتصور أن دراستي في هذا القسم كانت من الدراسات الراقية جدًّا، وكان عدد الطلاب قليلًا، وحظينا بعددٍ من الأساتذة الكبار المهمين على مستوى الإقليم والعالم المتخصصين في هذا المجال.

وكان أول ما يُوجه إلينا هو البعد عن الكتابة الصحفية والنقد الانطباعي، والبعد عن كل ما تراه يتسيد الصحافة الثقافية الآن من أخطاء وتسرع. فقط كنا نُوجَّه إلى أننا نقاد فحسب. وهذا هو السؤال الذي سألني إياه أستاذي “رشدي صالح” حين كنت طالبًا، وكان وقتها المشرف على الملحق الأدبي والفني لجريدة “الأخبار” الذي صرت مسئولا عنه فيما بعد في يوم من الأيام، حيث قال لي: في تصورك لِمَ تَدْرُسُ الصحافة؟ وقد كنا ندرس مادة (الصحافة) من ضمن ما ندرس. فقلت له: لأن الصحافة -ببساطة- هي الوسيلة التي من خلالها أنشر مقالتي النقدية. ويبدو أن إجابتي كانت صحيحة بالنسبة له.

لهذا لم أكن أرتب، حين كنت طالبًا، لهذا الأمر، ولا فكرت فيه، لكن القدر هو الذي ساقني إليه. فقد استوقفني نفس الأستاذ -رشدي صالح- مرة وأنا في الطريق أسير من المعهد العالي للفنون المسرحية إلى شارع الهرم لأركب إحدى وسائل المواصلات، استوقفنا ودعاني ليوصلني بسيارته أنا وإحدى الزميلات، وسألته عن وجهته، فقال لي: إلى صحيفة “الأخبار”، وكان ردي: أين هي “الأخبار” هذه؟، فردّ: في وسط البلد، فقلت له: إذن أنزل في “التحرير”. وكان سؤالي عن مكان صحيفة “الأخبار” هو أول علاقتي بها. ويبدو أنني قد لفتُّ انتباه أستاذي “رشدي صالح”، ففكر في أن يُلحقني بالعمل في دار “أخبار اليوم”. وقد سبق هذا الموقف موقف آخر تسبب في إحراج شديد لي، ولو كان حدث مع أستاذ آخر لربما تسبب في رسوبي في مادته، وهو أني قبل معرفتي بأستاذي “رشدي صالح”، وقبل إدراكي انشغالاته الكثيرة في “الأخبار” ثم في “آخر ساعة” التي كانت تتسبب في عدم حضوره بعض محاضرات مادته، وقفت مع بعض الزملاء أمام الجدول قائلا: لم لا يحترم هذا الرجل نفسه.. إذا كان يظن نفسه صحفيًّا كبيرًا وليس لديه وقت للطلاب فلم لا يعتذر ليأتوا لنا بأستاذ آخر يدرس لنا المادة؟! فوجدته شخصًا يربت على كتفي قائلًا: اذهب ونادِ زملاءك. وكانت هذه أول مرة أراه فيها، وجلست طيلة المحاضرة منزعجًا بسبب تجاوزي هذا. وفي نهاية المحاضرة طلب من كل واحد منا مقالًا يعرض كتابًا أو عملًا مسرحيًّا في حدود صفحتين أو عدد معين من الكلمات لا أذكره. فخرجت أيضًا عن اللياقة وقلت له: “يعني انت هتنشرهالنا في الجرنال.. يعني إيه كذا كلمة؟”

 

وبعد أسبوعين فوجئت بالأستاذ ينشر ما قدمته له واجبًا دراسيًّا، كأول مقال لي بصحيفة “الأخبار”، وكان عن الأعمال الكاملة لأحد الكتاب المسرحيين الكبار.

وكانت هذه القصة هي أول علاقتي بالصحافة الثقافية.

  • إذن فقد ولجت عالم الصحافة باعتبارك صحفيًّا وناقدًا أيضًا؟

نعم.. القدر ساقني إلى هذه المهنة، كما حوّل مساري من أول لحظة، فحين دعاني الأستاذ “رشدي صالح” إلى العمل في “أخبار اليوم” تولى هو وقتها رئاسة تحرير “آخر ساعة” وبالتالي ألحقني للعمل بهذه المجلة الأسبوعية، وقد كانت كبرى المجلات المصورة في الشرق الأوسط، وكانت بها صفحة للمسرح يقدمها نبيل بدران، وأخرى للأدب يقدمها مأمون غريب، ولم تكن لديّ فرصة للعمل بصفحة المسرح التي كنت أحب العمل بها لضيق المساحة. فكان لزامًا عليّ العمل “جورنالجي” أي في الصحافة العادية، فطلب مني الأستاذ رشدي العمل بقسم التحقيقات، فبدأت أتناول الموضوعات القريبة من نفسي ومن تخصصي في المسرح والنقد. مثلًا كنا ندرس مادة (الملابس والمناظر المسرحية) لا سيما في العهد اليوناني، فأوحى لي ذلك بعمل تحقيق صحفي عن (الحلاقة والحلاقين) بدءًا من حلاقي المشاهير إلى حلاقي الأرياف والمناطق الشعبية. وللأسف فقد سُرق هذا الموضوع، فإذا كان من يدير العمل معك غير أمين فإن الأعمال قد تُسرق وتُباع.

  • كيف تتم هذه السرقات الصحفية؟

حدثت لي سرقة في موضوع آخر غير هذا الموضوع السابق، حيث قام بسرقة أحد موضوعاتي صحفي مشهور جدًّا على مستوى مصر والعالم العربي وكان قد ترأس تحرير مجلة للشباب، وكنت قد اقترحت عليه فكرة لطيفة مؤداها أن (ابن الوز.. عوّام)، بحيث أبحث عن الفنانين الكبار الذين دَخَلَ أبناؤهم نفس المجالات التي ينخرط فيها آباؤهم، مثل: صلاح أبو سيف وابنه محمد أبو سيف، وصلاح جاهين وابنه بهاء جاهين، وكنت حريصًا على معرفة كيف تسير الأمور، هل هي جينات متوارثة، أم أمور أخرى؟ وكتبت موضوعًا عن كل فنان وابنه. وموضوع صلاح أبو سيف وابنه محمد -تحديدًا- تمت سرقته ونُشر في مجلة اسمها (الفجر) في قطر.

  • لكن متى بدأ الجانب الثقافي المستمد من دراستك في الانعكاس على عملك الصحفي بشكل مباشر؟

فلنرجع إلى بداياتي مع الصحافة الثقافية.. ففي فترة دراستي بمعهد المسرح، تقريبًا في عام 1974م، كانت هناك مجلة (السينما والمسرح)، وكان يرأس تحريرها يوسف جوهر، وكان مسئولًا عن قسم المسرح بها عبد الفتاح البارودي، كما كان البارودي مسئولا عن الصفحات الأدبية بـ”الأخبار”، وكان صحفيًّا كبيرًا، وكنت وقتها أنشر في هذه المجلة مقالات نقدية حول العروض التي أشاهدها على مسارح القاهرة، وكنت أتقاضى أجرًا عليها. لن أنسى الجنيهات الثلاثة التي كنت أتقاضاها من هذه المجلة، والتي كانت خير عون لي وأنا طالب.

وبعد ذلك بدأ عملي النقدي حين دخلت “الأخبار”، بعد أن وجدت أنني لن أستطيع الاستمرار في مجلة (آخر ساعة) نظرًا لأنني لم أستطع نشر (أعمالي) على صفحاتها، فقد كان هناك تعمد لتأخير (شغلي). وقد طلبتني الأستاذة حسن شاه التي أسند إليها موسى صبري مسئولية الإشراف على صفحة جديدة تصدر صباح كل أربعاء باسم “أخبار الأدب”، وقد أعددت لها أول موضوع عن (أزمة النقد في مصر). وقد بدأت معها وتركت (آخر ساعة). من تلك اللحظة بدأتُ تخصصي في الصحافة الأدبية.

  • ومنذ ذلك الحين كان انخراطك في الصحافة الثقافية؟

من وقتها وإلى أن صرت رئيسًا لتحرير جريدة “أخبار الأدب” وأنا لم أبرح مكاني في القسم الأدبي بـ”الأخبار”، ولم أسافر للعمل بالخارج قط، على الرغم من العروض الكثيرة، هذا في الوقت الذي سافرت فيه إلى أغلب الدول العربية وأمريكا وكثير من الدول الأسيوية والأوروبية، وكنت من الصحفيين العرب القلائل المعروفين في معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال بإيطاليا.

  • هل لديك رؤية تحكم عملك في الصحافة الثقافية؟

بالفعل.. فأنا لست من أولئك الصحفيين (الجورنالجية) الذين يستجلبون أخبارهم من مندوبي الوزارات، أو أولئك الذين يكتبون عن الندوات وغيرها، بل إنني صاحب مشروع وصاحب رؤية من غير أن يكون ورائي حزب أو جماعة أو أحد أستند إليه. أنا أفكر ثم أنفذ. وأعطيك مثالًا، وقت أن انتشر أن العرب غاضبون لأن مصر مستكفية بنفسها، وأنها ترى أن باقي الدول العربية مجرد أطراف لا قيمة لها، قلت إن هذا غير صحيح، وسعيت إلى تأكيد أهمية بقية الدول العربية لمصر، وأن مصر لا تستطيع الاستغناء عن العرب. وبدأت في زيارة عدد من الدول، ومنها تونس التي راهنتُ على مثقفيها رهانًا كبيرًا ومهمًّا، وكانت زياراتي لها لا تنقطع في كل مناسبة ثقافية، وعلاقاتي بمثقفيها شديدة الود والعمق والاحترام. وأعددت عددًا من الملفات الصحفية عنهم.

  • لكن متى بدأ اهتمامك بالرواية العربية تحديدًا.. ومتى بدأت تتشكل حاسة اكتشاف المواهب لديك، لا سيما المواهب الروائية؟

اشتغالي بالصحافة الأدبية، وكوني المحرر الأدبي الأول في مؤسسة “أخبار اليوم” لسنوات طوال هو ما جعلني أُعَيَّنُ رئيسًا لتحرير “أخبار الأدب”، في كل تلك الفترة كنتُ -وما زلتُ- أتعامل مع الشأن الثقافي بإخلاص شديد طيلة يومي، سواء كنت في العمل أو خارجه، ذهني لا يفتأ يفكر في الشأن الأدبي، وأظل أنظر في جديد الساحة الثقافية، فلا يكاد يُخرِجُ مؤلف كتابًا إلا وأعمل على الوصول إليه وإلقاء الضوء عليه إن أمكن. كما أنني كنت أعمل على الاهتمام بأولئك الكتاب الجدد الذين يمتلكون موهبة حقيقية ولم يتمكنوا بعد من النشر لأسباب مختلفة. ومن أهم هؤلاء الذين أستطيع القول إنني أسهمت في أخذهم إلى الضوء الباهر الروائي “أشرف الخمايسي” الذي خصصت له كتابي “هدير السرد” الصادر مع أهم المجلات الثقافية واسعة الانتشار في العالم العربي وهي مجلة “دبي الثقافية”، والذي عرفته قبل ذلك حين قرأت أول قصة قصيرة له، وحين فاز بالمركز الأول في أول مسابقة نظمتها “أخبار الأدب”، وحين اختفى عشر سنوات سلك خلالها الطريق (السلفي)، ثم حين قابلته في الأقصر وتناقشت معه بشأن هذا الاختفاء وضرورة عودته إلى الكتابة، واقتنع وعاد للساحة الأدبية بروايته “منافي الرب” التي تُعتبر تحولًا مهمًّا في حياته.

أما كتابي “هدير السرد” الذي خصصته للخمايسي فهو ينتمي إلى مدرسة (استبطان شخصية المبدع) و(استكشاف عوالم الكاتب) التي أنتمي إليها. وكنتُ وأشرف نتقابل في نقابة الصحفيين بالقاهرة بمعدل 3 إلى 5 أيام تقريبًا في الأسبوع كي نُخرج هذا الكتاب. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن هذه المنهجية هي التي انتهجتُها في كتابي عن الأستاذ يحيى حقي، الذي كان عنوانه (جهاد في الفن) وصدر بمناسبة احتفال مصر بمئوية ميلاده عام 2005.

أنا أقدم في هذا الكتاب منهجًا لزملائي من المحررين الثقافيين والأكاديميين، علّهم أن يُسهموا في هذا المشروع الكبير، حيث أريد إنشاء مكتبة تقدم للباحثين العرب وللمستعربين وللمترجمين الأجانب عوالم الكُتّاب العرب في كل الأجناس الأدبية.

  • لكن ما الذي رأيته في (أشرف الخمايسي) وجعلك تتحمس له ولكتاباته؟

ما جعلني أتحمس له هو المعنى الموجود في عنوان الكتاب (هدير السرد)، فهذا الكاتب لا يصدر في كتاباته عن تخطيط (كما كان يفعل نجيب محفوظ) مثلًا، ولا عن رسم مسبق للشخصيات. هو فقط يبدأ في الكتابة -سواء بقلمه سابقًا أو على اللاب توب حاليًّا- بغير سابق إعداد أو تجهيز. فسرده سرد متدفق، كالقطار المنطلق على قضبانه لا يعرف التوقف. كما أن العوالم التي يكتب عنها عوالم جديدة لم أجدها لدى أحد غيره. ولديه قدرة غريبة على الملاحظة الدقيقة للأشياء والكائنات من حوله، إلى درجة أنني كتبت مقالًا عنه قلت فيه: “كاتب يقرأ العالم بوجهه وقفاه”!

  • لكن هل انحصر اكتشافك للمواهب الروائية في شخص (أشرف الخمايسي) أم كانت هناك مواهب أخرى سلّطت الضوء عليها؟

بهذه الطريقة وبهذا الاحتشاد الذي دفعني إلى كتابة كتاب كامل، فإن إجابتي: لا. لكنني أستطيع القول إنني راهنت، في السنوات العشر الأخيرة، على جواد وصل إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية وأقصد به ناصر عراق الذي أستمر في دعمه أدبيًّا ونقديًّا، وتوليت تقديمه في العديد من الندوات وحفلات التوقيع. وبعد عدة أيام أشترك في ندوة بمختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية حول رواية “ذكريات المستقبل” لواحد من أهم مبدعي السبعينيات الذي تحمست له كثيرًا وهو الروائي صلاح والي. وبالطبع أعتبر نفسي بشرت بروائي مهجري أراه موهوبًا في كتابة الرواية وعلى صلة حميمة بأدق المتغيرات التي تطرأ على الشخصية المصرية رغم أنه مهاجر إلى أمريكا منذ نيف وثلاثين عامًا، وأعتبر أحدث رواياته “مريم والرجال” عملًا جديرًا بالدراسة والتقدير النقدي، وهو الكاتب شريف مليكة.

كما اهتممت بروائِيَّيْن تونسِيَّيْن بارِزَيْن: أبو بكر العيادي، المقيم في المهجر الفرنسي منذ سنوات طويلة، وصلاح الدين بوجاه الذي أصدرتُ له في القاهرة طبعة مصرية من روايته “لون الروح”.

كما أني طيلة مشواري الصحفي سلطت الضوء على عديد من الروائيين والروايات من خلال كتاباتي الصحفية.

في هذا السياق، أذكر أننا أنشأنا بابًا أسبوعيًا بصفحة الأدب في “الأخبار” باسم (أخبار الأدب تقدم أدباء الجيل) قدمنا من خلاله نقادًا مثل: صلاح فضل، وسمير سرحان، ومحمد عناني، وعبد العزيز حمودة، ونبيل راغب، وجلال العشري، وعلي شلش، ومبدعين مثل: أحمد الشيخ، وصلاح عبد السيد، ومحمد كمال محمد، ومحمد جلال، وإقبال بركة، وزينب صادق، ومجيد طوبيا، وعبد الحكيم قاسم..و..و..

  • هذا يدفعني إلى السؤال عن أمر لافت في طبيعة الأستاذ مصطفى عبد الله.. وهو أنه -ما شاء الله- شعلة لا تهدأ من العمل؛ غزير الكتابة، دائم الترداد على معظم المؤتمرات والندوات واللقاءات الثقافية.. إلخ، فكيف تجمع بين هذه الأمور الكثيرة؟

وقت دخولي “أخبار اليوم” للعمل الصحفي كانت الصفحات الأدبية في الصحف المصرية معدودة على أصابع اليد الواحدة، ولذا كان من الضروري لصفحتنا أن تعمل على تغطية معظم -إن لم يكن كل- الفعاليات الثقافية، وكنت أقوم بهذا العبء كله باستمتاع شديد. كما كنت حريصًا على حضور الكثير من الندوات واللقاءات الثقافية، أحضر الصالونات الأدبية، والندوات، والأنشطة كمنح الجوائز واجتماعات لجان المجلس الأعلى للثقافة، وأتابع المطابع والناشرين.

ونظرًا لاهتمامي بدور النشر والناشرين في الساحة عملت على الاهتمام بهذا المجال في صفحتنا من خلال باب “شارع المكتبات” من أجل تيسير وصول القارئ إلى أماكن الكتب والدور التي تصدرها، وتشجيعًا للناشرين. ونظرًا لاهتمامي بهذا المجال وعلاقاتي بأوساط الناشرين واتحاد الناشرين أسندوا لي في فترةٍ من الفترات رئاسة تحرير مطبوعة “الناشر المصري” وصدرت عن اتحاد الناشرين، وكنّا نقدم فيها، إلى جانب أخبار الكتب الجديدة، جوانب الحياة الاجتماعية للناشرين. وعندما صدرت جريدة “أخبار الأدب” في بداية التسعينيات من القرن الماضي، استحدثت فيها بابًا بعنوان “درب الناشرين”، ثم أطاحوا به بعد تركي العمل بها. لقد كانت حياتي مليئة بالكثير من العمل، عملتُ في كل ما يخص عالم النشر، وكل ما يخص عالم الإبداع، وما يخص الجامعات، والأقاليم.

حياتي اليومية منذ يونيو من عام 1976م وإلى اليوم لا يكاد يمر فيها يوم إلا وألتقي أحدَ المثقفين أو المبدعين أو أكثر، أو أشهد حدثًا ثقافيًّا أو أكثر، أو أكتب عن أكثر من موضوع ثقافي. كانت لدي طاقة لأن أكتب عن عدة أحداث ثقافية في اليوم الواحد لأكثر من مجلة وصحيفة مصرية وعربية ومهجرية، لكنني إلى الآن أعتز كثيرًا بمقالي الشهري في مجلة “دبي الثقافية”.

  • هل لديك في هذه الفترة مشاريع كتابة تعكف على إتمامها؟

دار بخلدي فكرة عن عرضٍ صحفيٍّ لمائة كتاب أعتبرها من وجهة نظري من أهم الكتب على الساحة الثقافية بمجالاتها المختلفة، وهو نوع من الترشيح أو التحريض على فعل القراءة. وبالفعل قمت في مقالاتي بعرض بعض هذه الكتب في الفترة الأخيرة. وما يهمني هو طريقة تقديمها لقارئ اليوم، لا سيما الشبان، والاسم المقترح هو تعليمي نوعًا ما وعنوانه (مائة كتاب للشباب)، وهو تطبيق عملي من جانبي لكيفية توجهنا للاهتمام بالشباب بعيدًا عن التشدق بالاهتمام بهم بغير وجود شيء ملموس يعبر عن هذا الاهتمام. وأذكر من بين هذه الكتب التي كتبت عنها كتابًا بديعًا بعنوان (كتب تحترق) حيث يتتبع تاريخ احتراق الكتب والمكتبات في العالم.

  • هل ترى أن هناك تقصيرًا من قبل المؤسسات الثقافية في مصر تجاه الشباب والمثقفين عمومًا؟

بالطبع.. فأغلب مؤسسات الثقافة لا تقوم بدورها على أكمل وجه، والسبب الأساسي في رأيي ليس رؤوس هذه المؤسسات بالضرورة، بل العمالة الخربة المتخمة بها هذه المؤسسات الثقافية، فضلًا عن البيروقراطية التي باتت تحكم عمل هذه العمالة أيضًا. لك مثلًا أن تنظر في الموظفين القائمين على بعض الأندية الثقافية فستجد أناسًا لا يؤمنون أساسًا بالثقافة ولا بدور المثقف ولا بأهمية توفير الأجواء للمثقفين من أجل نشر الوعي والفكر والثقافة، فالأمر بالنسبة لهم مجرد وظيفة، وساعات يرتهنون خلالها داخل مقار يريدون التحرر منها في أسرع وقت ممكن لأنهم ببساطة لا يؤمنون بدور الثقافة في المجتمع.

أمر آخر مهم جدًّا يتعلق ببعض المثقفين من أصحاب الثروات الذين لم يفكروا في القيام بأي دور إيجابي لتنمية مجتمعاتهم ثقافيًا، بل إنهم لم يفكروا في إنشاء جوائز بأسمائهم أو توجيه جوانب ضئيلة من ثرواتهم لصالح شباب المبدعين.

لك أن تتخيل أن أحد المثقفين وجدوا لديه بعد رحيله 6 ملايين جنيه دون وريث لأنه ليس لديه أولاد، وذلك بخلاف ما تم توزيعه على أقاربه وفق توزيع الميراث. وقد آل المبلغ إلى خزينة الدولة. فهذا مثقف أثرى من الصحافة والثقافة ولم يفكر في تقديم شيء بسيط لهذه الثقافة التي أثرى منها. فكثير من المثقفين القادرين يتحملون كذلك عبء التقصير في حق الثقافة والمبدعين الفقراء.

  • انطلاقًا من فكرة التقصير المؤسسي في دعم المبدعين وتسليط الضوء عليهم.. هل ترى أن المبادرات الفردية والشبابية في المجال الثقافي، لا سيما النوافذ الجديدة مثل موقع (حكايا)، يسد جانبًا من هذا النقص في الوسط الثقافي؟

بالطبع.. ولهذا تحمستُ لموقع (حكايا) تطلعًا إلى هذا الدور الثقافي. ولتنظر مثلًا لصفحتي المتواضعة على الفيسبوك التي دومًا ما أحاول فيها تسليط الضوء على الأخبار والأحداث الثقافية تحت عنوان (من بريدي). فأنا أحاول قدر المستطاع الاستعاضة عن هذا النقص وهذا التقصير بجهدي الفردي.

  • في نهاية اللقاء.. أشكرك جزيل الشكر أستاذ مصطفى مع تمنياتي لكم بمزيد من العطاء والنجاح.

تحياتي لك.. وبالتوفيق لموقع (حكايا).

 

صور أغلفة بعض مؤلفات الكاتب الصحفي

 

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا