قراءة نقدية في رواية “ثلاثية غرناطة”

0

تظل رواية (ثلاثية غرناطة – 1994م) للكاتبة المصريّة رضوى عاشور (1946م – 1914م) علامة فارقة في حياتها الروائية، والرواية –أيضًا– (من وجهة نظري) علامة من علامات الأدب الروائي العربيّ. فهي تجمعُ بينَ جلال الموضوع، وجودة المعَالجة، فضلا عن قوة بناء الشخصيِّة، وإحكام الحبكة السرديّة، وقوة اللغة، وبراعة الوصف.. إلخ. إنها –ببساطة– تمتلك معظم مقوماتِ نجاح العمل الروائي.

 تعرض الرواية لحياة ثلاثة أجيال من أسرة غرناطية عبر قرن من الزمان بدايةً من سقوط المدينة، وانتهاءً بخروج العرب المُتَنَصِّرين (الموريسكيين) الذين أُجبِروا على ترك إسلامهم واعتناق المسيحية الكاثولكية أملاً في البقاء في وطنهم، واستماتوا في الحفاظ على هويتهم ودينهم سرًا رغم بربريّة محاكم التحقيق، وويلات التعذيب الوحشي.

على أن الجانب التاريخي الذي تقدِّمه الرواية هو إطار كليّ فضفاض، نستطيع أن نرى بين طياته الكثير من الجوانب الإنسانية المتعددة التي تستبين للقارئ. فالرواية تقدم في مواضع كثيرة رؤى مُبَطَّنة لإمكانيةِ التعايش السلمي واتساع الأرض للأديان جميعًا، لولا البربريّة والتعصب والهمجيّة، ومن ثمَّ كان القهر القشتالي الذي مورس ضد أهل غرناطة متوازيًا مع مواضع أخرى كثيرة في هذه الرواية تعرض للقهر الإسباني لبلاد العالم الجديد (الهنود الحمر في أمريكا)، ومع قهر المماليك والعثمانيين في مصر (للمصريين). وإذا كانت عبارة: (موريسكي قذر) من مألوفات الحياة اليومية في غرناطة وبلنسية وغيرهما من بلاد الأندلس في ذلك الزمان؛ فعلى جانب آخر هي من مألوفات الحياة اليومية في مصر حين يقول المملوكي أو الباشا العثماني للمصري: (فلاح قذر). وحين يُعامل المصريون أو أبناء العالم الجديد في أمريكا (المُسْتَعْمَرة الإسبانيّة المُكْتَشقَة حديثًا) في نفس الإطار الزماني؛ يُعاملُ هؤلاء جميعًا على أنهم مواطنون أقل درجة، أو هم –بمعنى أصح– دخلاءُ غير مرغوبين مع أنهم أهل البلاد!. (ثلاثية غرناطة) ضد القهر والبربريّة بشكل عام مطلق.

وعلى جانب آخر، من الهواجس التي لا تخفى في الرواية، هاجس التمرد الميتافيزيقي، وعدم القدرة على فهم القضاء والقدر! السؤال الفلسفي الذي يتردد في الرواية على استحياء حينًا، وفي سفور وجلاء أحيانًا أخرى، وأحيانًا يتسرب الشك إلى نفوس بعض الشخوص في الرواية:

 يقول أبو جعفر: “سأموت وحيدًا وعاريًا لأن الله ليس له وجود” (ص: 52). وتقول سُليمَة عن العالم الآخر: “هذه (ال هناك) وهم أم حقيقة؟ وهل تلتقي جدها وسعدًا (هناك) لو أن هذه (ال هناك) هناك؟” (ص: 241).

على أن السؤال القوي الذي يتحرَّق في نفوس معظم الشخوص يتعلق بمحاولة الفهم: (ما الحكمة من وجود الشر في الدنيا؟ ولماذا يوقع الله عز وجل البلاء على عباده بهذه الصورة العنيفة…)، إن الرواية لا تقدم اعتراضًا على القضاء والقدر بشكل مطلق، ولا رفضًا للغيب الديني بشكل عام وقاطع في تسليم وارتياح، لكنها تثير التساؤلات المتعلقة بالعجز الإنساني عن الفهم والاستيعاب، على الأخص لما يتلقاه المُسلمُ المتدينُ من ويلات رغم عدم إجرامه. فما الحكمة من هذا كله؟. ولعل هذا التساؤلات التي لم تقدم لها الرواية إجابة هي تساؤلات مصيريّة تعايشها الكاتبة في وجدانها، وتحاول إثارتها من خلال الرواية بين السطور، وفي ثنايا الأحداث.

من مزايا هذه الرواية أنها تنقل قارئها -بقوة شديدة- إلى غرناطة القرن السادس عشر الميلادي من خلال قوة الوصف، إنها تصف الحدائق والبيوت والشوارع والأسواق والأحياء القديمة، سلوكيات البيع والشراء، حوانيت العمال، تدخل البيوت المُغْلقة لتنقل تفاصيل الحياة اليوميّة؛ الأطعمة، الطقوس اليوميّة، همهمات النساء، ألعاب الأطفال، العادات التقاليد، الملابس.. إلخ، على أنّ المأخذ الوحيد في هذا كله هو اللجوء إلى العامية المصريّة أحيانًا. ومع أن تلك الجمل العاميّة قد جاءت محدودة وبسيطة فإن كونها متعلِّقة بالفلكلور المصريّ الشعبي الصميم مثل: (يا قاعدين يكفيكم شر الجايين) أو (يا خبر بفلوس).. إلخ؛ كان من دواعي تقويض واقعيّة تلك الصورة الغرناطيّة التاريخيّة إلى حدٍّ ما، وقطعًا لم تكن غرناطة ذلك الزمان تلهج بهذه اللهجة، وكان حريًّا بالكاتبة لو استخدمت العامية المغربية أو الجزائريّة، فلعلها الأقرب، على الأخص أن الجمل العامية كانت محدودة في الرواية.

وعلى الرغم من كون الرواية لا تقدِّم أي إشارة مباشرة للربط بين (قضيّة غرناطة) التاريخية و(قضيّة فلسطين المعاصرة) إلا أن التشابه القوي في أحداث القهر والاضطهاد ومحاولات محو الهويّة والطرد والإجلاء تُحيل القارئ بشكل قوي إلى الربط والتشبيه، على الأخص فيما يتعلق بمسألة التجاهل العربي الكبير للمأزق الذي عاشه الغرناطيون ومسلمو الأندلس، أو كما جاء على لسان الأبطال في الفصل الأخير: “انتظرنا النجدة مائة عام، ولم تأتِ” (ص: 495).

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا