“النبطي”.. رمز المرأة الموءودة

0
هالة القاضي
كاتبة مصرية

“كان النبطي مبتغاي من المبتدأ، وحلمي الذي لم يكتمل إلى المنتهى”!

هذه إحدى الجمل الشعرية التي ختمت بها مارية -بطلة رواية “النبطي” ليوسف زيدان- سيرتها. ورغم أنني قرأتها منذ عامين؛ فإن هذه الجملة تحديدًا لم أنسها، وأرددها بين الحين والآخر. إنها جملة تلخص حياة تلك المرأة المقهورة؛ التي قهرها المجتمع بقيود أعرافه، وقهرها الحب بآماله الموءودة. لم تستطع مارية أن تكون هي نفسها طوال حياتها، حتى أنها لم تدرك مبتغاها إلا في نهايات الطريق. وعندما أدركت المُبتغى بات حلمًا لم يكتمل!

إنها قصة امرأة مصرية إبان ظهور الإسلام، عاشت طفولتها ومراهقتها بمصر، ثم ارتحلت إلى شبه الجزيرة العربية لتتزوج ممن اختير لها على غير رغبة منها (سلومة)، وأحبت أخا زوجها (النبطي) وتعلقت به عن غير وعي منها، وتعرضت عبر حياتها لشتى أنواع القهر النفسي، ولم تجد السعادة إلا في ما كانت تسمعه من (النبطي) من حكايا. والقصة تسردها مارية أو ماوية كما أطلقوا عليها في الجزيرة العربية؛ فهي الراوية، وكأنها سيرتها الذاتية التي تركتها خلفها، يحكيها الناس عبر العصور. وقصة هذه المرأة “المقهورة”- كما أحب أن أسميها- هي في الواقع ما زالت قصة كثير من النساء في مجتمعنا الحاضر! فهل قدر المرأة المصرية لم يتغير منذ ذلك التاريخ؟ وهل مكتوب عليها أن تقهر وتوأد أحلامها عبر العصور؟

وإشكالية القهر المجتمعي للمرأة طاغية بشكل مؤثر في الرواية عبر ما تبثه من مشاهد شديدة الحساسية مرت بها مارية، خاصة أن مارية نفسها هي التي تسردها وتعبر عما تركته هذه الأحداث من أثر في روحها العذبة؛ من بينها ذلك المشهد الذي تعرضت فيه للاعتداء الجسدي من أحد العرب الغرباء (الرجل الغريب)، وهو الحدث الذي نقلها من طور الطفولة إلى طور الأنوثة، ورغم أنها لم تقاوم هذا الاعتداء واستسلمت له؛ فإن الطفولة والعذوبة قهراها عليه، لم تكن تفهم ولم تكن تعي، فقط كانت تشعر وتحس، وفي خلفية الحدث السجن الذي ينتظرها في بيتها!

وكذلك مشهد ليلة زواجها من (سلومة)؛ ذلك الرجل أحول العينين ذو الرائحة الكريهة، وما الحول والرائحة الكريهة إلا رمزان للقهر المباشر للزوجة العذبة الجميلة! وهذا المشهد بتفاصيله المرعبة على لسان الراوية هو أشد أنواع القهر التي مرت بها مارية، فجرت على لسانها فيه عبارات مؤلمة تبكي القارئ، منها: “تمنيتُ أن يُغمى عليّ”، “فغامت روحي وغاص قلبي، حتى تهرأ بين الضلوع”، “لن أحب بعد الليلة أي شيء”، “نظرتُ إليها (ليلى أخت سلومة) بعين أرنب مذعور” [257- 259]… إلخ. وقد أحسن الكاتب حين جعل من مارية امرأة لا تنجب؛ لأن هذه نتيجة طبيعية لما عاشته مع زوجها، فكيف لامرأة مثلها أن تنجب من هذا الزوج المنفر بالنسبة إليها في كل شيء؟!

ولمن القهر أيضًا “صدمة الصحراء” التي مرَّت بها مارية في رحلتها من مصر إلى شبه الجزيرة العربية، فكيف لهذه العذبة الرقيقة أن تحتمل كل هذا العناء في أهوال الصحراء؟! وكيف لها أن تتقبل هذا التغيير الذي أصاب حتى نمط حياتها اليومية في أدق تفصيلها؟! فكانت الحياة العربية في الصحراء تختلف اختلافًا كاملًا عن الحياة في مصر إبان هذا الزمن. وقد استطاع الكاتب بلغته الشعرية الدقيقة أن يصور تفاصيل الحياة اليومية ما بين مصر والجزيرة العربية، حتى في تفاصيل شكل الثياب الذي كانت ترتديه مارية!

أما الإشكالية الأخرى للقهر؛ فهي ذلك الحب الموءود! فقد أحبت مارية النبطي منذ أن رأته أول مرة، وظنت أنه هو المتقدم لخطبتها، ثم تعلقت به عبر ما سمعته عنه، وعبر ما كان يسمعها إياه من حكايا عن أسرار الحياة والموت، وطبيعة الأشياء، وأسرار اللغة… إلخ، وربما كان يثير إعجابها هذه الهالة التي كانت تحيطه من إعجاب الناس ووصفه بمدعي النبوة، أو ربما كانت مارية ترى فيه ذلك (الرجل الغريب) أو تظنه هو! والمرأة هي المرأة يسكن نفسها سريعًا من يجذب أذنها بحديثه! وقد أبدع الكاتب في التعبير عن هذا الحب الصامت، وجعل القارئ نفسه هو الذي يستنبطه دون أن تصرح به مارية إلا في نهاية الرواية. كما أبدع في خلق هذه العلاقة الحميمة بين مارية و(ليلى) أخت النبطي التي كانت تشبهه، فما كانت تصمت عنه مع النبطي كانت تبوح به إلى ليلى! ولم يكن تصريح مارية بحب النبطي في نهاية الرواية مفاجأة للقارئ، لكن المفاجأة الحقيقية هي إدراك مارية ووعيها بهذا الحب، ومن ثم تصريحها إلى نفسها به! وكم من امرأة أدركت الحب ولم تصرح به إلى نفسها!

والوأد الحقيقي لحب مارية ليس في ما تحيطه من ظروف تمنعه، وإنما في النبطي نفسه، ذلك الرجل الحلم، الذي لم تصدر عنه أي علامة حب. ولعلي لا أبالغ إذ أقول إن النبطي هو الحلم الذي قهر مارية، فقد حُرِمت حتى في النهاية من وجوده وسماع أحاديثه؛ بسبب من عدم رحيله معهم إلى مصر، وربما هذا الحرمان الأخير هو الذي دفع مارية إلى التصريح بحبها ورغبتها في البقاء معه حتى الموت.

ولم يحسم الكاتب في نهاية الرواية موقف مارية، هل ستعود إلى حلمها (النبطي)؟ أم ستكمل حياتها كما أرادها غيرها؟ وهو بذلك يفتح الباب لمناقشة الصراع الذي تواجهه المرأة عادة في مجتمع القهر. فالمرأة في مجتمعنا العربي ما زالت مترددة كثيرًا في اتخاذ قرارات يرفضها المجتمع بثقافته البالية. وقد كنت أود أن يحسم الكاتب هذا الصراع لصالح التمرد على المجتمع والثورة عليه، بأن ترفض مارية في نهاية المطاف استكمال حياتها على هذا النحو البائس، وتجري وراء حلمها لتستكمله، حتى وإن بقى حلمًا؛ فيكفيها أن تعيش حرة وفق ما ترغب!

ومما يثير دهشتي في هذه الرواية- كمرأة قارئة- قدرة الكاتب- وهو رجل- على تلبس روح المرأة إلى هذا الحد، ووصف تفاصيل دقيقة من مشاعرها وأحاسيسها، وقدرته على استخدام لغة خاصة بمارية، لغة امرأة مقهورة بسيطة تنفذ إلى القلب فتوجعه وتبكيه. فكم أبكتني مارية! وكم أوجعتني آلامها!

ومما يثير الإعجاب أيضًا هذا الكم من العبارات التي تعبر عن القهر المجتمعي، والتي ما زالت تتردد إلى الآن، ومنها:

“النسوة المتزوجات، الحزينات، يسمين الزواج السعد. لكنني رأيتُ البنات الصغيرات وحدهنَّ السعيدات”. [ص17].

“فالأمر ما دام مكتومًا لا يُقال، ولا يُقال عنه، فهم يقبلونه. المكتوم عند الناس مقبول. أيام حبستني أمي، رجوتها باكيةً أن تُطلقني مثلما كنت حرة، فرفضت وقالت إنني كبرتُ، وإنها تخافُ عليّ من كلام الناس. الكلام هو العيب، وهو ما يخيف”. [ص30].

“عرفتُ اسمه (زوجها) ولم أعرفه، وعرفت الرجل الغريب ولم أعرف له اسمًا”. [ص86].

“ليقربني وقتما يشاء، هذا شأنه، أنا ما عاد لي شأنٌ بأي شيء. ولكني سأعمل على نيل رضاه، وتحقيق راحته. وأحبه قدر المستطاع، وأكون وفيةً له كالكلب مع صاحبه” .[ص199].

“حظُّ الرجال من الحياة، أوفر من حظ النساء”. [ص206].

“فحسبما تقول نسوة العرب: مائة عشيقة، أهون من زوجة أخرى لصيقة”. [ص314].

لقد كانت مارية بحق رمزًا للمرأة الموءودة في مجتمعات القهر، وكان النبطي بالنسبة إليها، وإلى كل امرأة، رمزًا للحلم الذي يأبى أن يكتمل!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا