“الرواية” بين طريقين.. ترسيخ السلام واستبداد الأنظمة

0
د. خالد فهمي
أكاديمي مصري

1 / مدخل: ما الرواية؟ هل ثمة مجال للتساؤل؟

ما الرواية؟ لا يُمكن لأحد أن يخمن متى طُرح هذا السؤال المحير. ولعلي أعلم كذلك صعوبة التورط في الإقدام على إعطاء تعريف لهذا المصطلح الأدبي والنقدي المراوغ والمقنع معًا. ولعلي أعلم على الأقل بحكم هواية الارتباط بالمعجمية المختصة أن ثمة محاولات كثيرة جدًّا رامت تحرير هذا المفهوم، وهي المحاولات التي ضمتها أنواع الأدبيات التالية:

أولا- معاجم مصطلحات الأدب والنقد التي رأت في الرواية نوعًا سرديًّا نثريًّا متخيلا.

ثانيًا- أدبيات نظرية الأدب التي أوردت لجنس الرواية والقصة الطويلة فصولا مستقلة تروم حدها وتعريفها.

ثالثًا- أدبيات نقد الرواية وتفسيرها.

رابعًا- أدبيات الأدلة التي تطمح إلى تعليم الناشئة كيفية الكتابة القصصية.

لقد اجتهدت هذه الأنواع جميعًا مع غيرها أن تبحث عن إجابةٍ لهذا السؤال القديم جدًّا الذي يتجدد اليوم مع ظهور مستجدات حقيقية تهجم على النوع الإنساني، وتضطره إلى معاودة فحص التصور من جديد.

2 / الرواية والغريزة الإنسانية:

كانت “هيلين فيشر” في كتابها العجيب “لماذا نحب؟” (الترجمة العربية، المركز القومي للترجمة، 2015م) تُقرر أن الحب غريزة إنسانية، اعتمادًا على محددات استطاعت بمساعدة تصوير المخ أن تؤكدها.

فهل بالإمكان أن نقرر أن الرواية تجلٍّ حقيقيٌّ لغريزة إنسانية أعمق من الحب نفسه؟. إذا صحّ -وهو صحيح إن شاء الله- أن الاجتماع الإنساني والأنس بالإنسان هو أعمق الغرائز التي جُبِلَ الإنسان عليها، وتركَّبت في فطرته، وتجلَّت أول ما تجلَّت في الاستجابة الماثلة في اتخاذ شريك له من نفسه، كما يحكي الكتاب العزيز “وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا”، والزوج في اللسان العربي كل صنوين أو لِفقين أو جزأين يُشكلان وحدةً وجودةً متجانسةً منسجمةً – فإن الرواية (وفق هذا التصور) تتجاوز حدود الوقوف أمام محاولة تعريفها إلى حدودٍ أخرى أوسع، ينبغي أن تشغل بتعيين تجلياتها المنفتحة ووظائفها المتعدية المتجاوزة.

وهو الأمر الذي يفتح الباب كذلك لتوقع تطورٍ مذهلٍ غير محدودٍ لأشكالها وأنماطها مع تغير الأجيال الإنسانية، وتمددها في الزمان.

الرواية إذن تعبير عن التركيب الإنساني والفطرة المركوزة في الخلق البشري الذي لا يستكمل بشريته من دون تحقق “الإنسي” بشراكاته في الحياة والوجود.

ولعل التاريخ الأدبي يكشف أن اللحظة الأولى التي تشكل فيها أول أشكال الرواية هي اللحظة التي استشعر فيها الإنسان ألم حرمانه حسابه بما به اكتمال تركيبه الإنساني. بمعنى أن الرواية الأولى التي لا نعلم تأريخها كانت استجابةً للحظة حرمان حقيقي من الإنس، فظهرت لتُعوِّض بطريقة التخييل وما كان ينبغي أن يكون بطريق الطبيعة.

كان الغيابُ والفقد وتعرُّض الفطرة لحرمان الاجتماع والأنس بدايةَ البحث عن بديلٍ يتخلَّق -ولو بالتخييل- فيحقق إعادة تشكيل العالم.

3 / الرواية اعتصار العالم:

لم يكن غريبًا إذن أن تمتلئ الكتابات المقدسة التي نزلت من السماء بنوع خاصٍّ من القصص غير المتخيل -بطبيعة الحال- للتوصل من البوابة التي يرتاح إليها الإنسان لتُحقق له الهواية والرشاد. أو بمعنى آخر -أرجو أن يكون واضحًا- لقد تذرعتْ هذه الكتاباتُ المقدسة بالقصة لتستجلب انتباهَ الإنسان، ولتجذبه نحو منظومتها الاعتقادية والعبادية والأخلاقية معًا.

لقد كانت القصة وسيلةً لإعادة تشكيل العالم بعد رفض تمثلاته الواقعية التي دمغتها هذه الكتب، ووصمتها، وأخّرت رتبتها، ومن ثم أرادت تعديلها، وتصويب مسيرتها.

كانت القصةُ التاريخية بدايةً عجيبةً في هذه الكتب استثمرته من أجل منع الغواية، وتحقيق الهداية، وهو وجه عجيب يُشير إلى ما يمكن أن يحققه الخطاب الروائي من دعم للمنظومات الأخلاقية والمعرفية المتحركة في صورة الأحداث والشخوص معًا.

كانت لاستعادة أجزاء من التاريخ القصصي القرآني -مثلا- أثره في تحقيق ما يلي:

أولا: منع المقاومة البشرية باستثمار الشخصيات والأحداث التاريخية التي اكتسبت مع مرور الوقت حصانة تاريخية أكسبها نوعًا من السحر الذي لا يُقاوم، ذلك أنه اختار نماذج عُليا حصل عليها إجماع تاريخي إيجابي.

ثانيًا: التذكير بأن الأفكار التي يُقاومها جيل التنزيل هي هي الأفكار الأصلية التي انحرفت بها الأجيال المتلاحقة كلما ابتعدت عن المصادر الأصلية.

ثالثًا: إعادة استحضار التجربة التاريخية في اللحظة المعيشة بطريقة جمالية فاعلة ومؤثرة للتوصل إلى الضغط الجمالي والمعرفي من أجل تغيير الواقع.

لقد بدت القصة القرآنية بصورة أساسية نمطًا من “اعتصار العالم” واستحضاره لأغراض إيجابية تستهدف تجاوز هزيمة الواقع وانحرافاته.

ومنذ اللحظة التي بدأ فيها تشكل جنس الرواية في الإبداع الإنساني، أيًّا كانت لغته أو عناصره أو تقنياته؛ فإننا نلمح طموحًا حقيقيًّا نحو تغيير العالم، وتحقيق إنسانيته.

4 / الرواية بين سبيلين:

إن صحَّ أنّ ماهية الرواية في التعريف “سرد نثري متخيل” كما قرر مجدي وهبة وكمال المهندس في معجمها مثلا؛ فإن تفهُّم سبل استثمارها من الجمع يبدو مقبولا وسائغًا معًا.

لقد ظلّت الرواية زمنًا طويلا سبيل الطامحين إلى تغيير العالم عن طريق أنواعها المختلفة، ومورست عمليات مقاومة الفاسدين، ومواجهة المستبدين، وتغيير الأفكار لقبول الآخر، وتهدئة الصراعات، وتقريب وجهات النظر. وتطورت التقنيات، واتخذتها الإنسانية سبيلا للحلم بالمستقبل، وتذليل العقبات، ودمغ الحروب، وتوطين المحبة والوئام.

لقد بدا صوت محمد حسين هيكل في “زينب” صرخةً في مواجهة الفقر، وبدا صوت توفيق الحكيم في “عودة الروح” زرعًا للحلم وتجاوز الهزيمة والاستبداد والانكسار، وبدا صوت نجيب محفوظ النهائي في منجز أعماله شلالا يدعم القوة الروحية للإنسان، وبدا صوت بيرل باك في “الأرض الطيبة” وفي “الأم” رصدًا لعذابات الأمومة النبيلة المضحية، وبدت الطبيعة التي يُمكن أن تكون سبيلا للأمان من خلال صوت همنجواي في “العجوز والبحر”، وبدا الأمل في محاصرة تهديد العقل المنفتح هو الصرخة الباقية من مقتل هيباتيا في “عزازيل” يوسف زيدان. ويطول الأمر ولا يمكن استقصاؤه إذا ما أردنا التمثيل على إرادة سلام العالم الذي طالما طمحت إليه الرواية بما هي جنس أدبي عجيب يترجم عن التركيبة الإنسانية.

لكن المخاوف التي أطلت برءوسها بعد الغفلة المؤقتة التي مُني بها العالم العربي المكلوم المنكوب المأزوم من جراء اختطاف الربيع العربي كانت سببًا في إعادة تقييم الانفتاح على قراءة الرواية وإنتاجها من جديد.

لقد تمثّلت المخاوف من استثمار الرواية من جانب الأنظمة الاستبدادية ومن يُشايع الأنظمة الاستبدادية، وهو الاستثمار الذي تمثَّل في المسارات التالية:

أولا: دعم انتشار “رواية الاستلاب العقلي” التي تُشجع الخرافات بأنماط من رواية الجن والعفاريت والعوالم السفلية.

ثانيًا: دعم انتشار “رواية الغياب الحضاري” التي تنقل النموذج التغريبي على مستوى الممارسات السلوكية والأخلاقية الغربية، والتنكر العمدي للمنظومات المنتمية للتصور الحضاري المركوز في النموذج المعرفي الإسلامي.

ثالثًا: دعم انتشار رواية الانسحاب وهي التي تُشجع اليأس والإحباط والانشغال بالانسحاب والعزلة، وطلب الأمان السلبي، والنجاة الفردية المتوهمة، وتشويه الجهاد من أجل النجاة الجمعية.

رابعًا: دعم انتشار الأفكار الإلحادية بسبب القمع الرهيب الذي تمارسه الأنظمة المستبدة بطول العالم العربي.

****

 إن الرواية المعاصرة أمامها عبء تاريخي وحضاري لمقاومة انكسارات اللحظة الراهنة، وكشف سبل الأنظمة التي تُحاول محو الوعي. وقُرَّاء الرواية وناشروها أمامهم عبء تاريخي وحضاري موازٍ هو أن يتنبهوا لمحاولات استثمار الرواية في كلا السبيلين دعمًا لسبيل تقوية الأمل، ومقاومة لسبيل استثمارها من قبل المستبدين.

.. وتبقى الروايةُ هي التجلِّي الأعظم للترجمة عن غريزة “الأُنس” و”الإنسانية”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا