“العم حفني”.. الحكي من أجل البقاء

0

قديمًا كانت شهرزاد تبوح كل ليلة بحكاية جديدة من مخزونها السردي الذي لا ينضب، لكنها كانت تتعمد دومًا أن تقطع هذا السرد، ويتوق شهريار كل يوم لأن يحظى بليلة جديدة تُكمل فيها شهرزاد ما انقطع حتى اكتملت الليالي الألف. فبدأنا نُعيد النظر في هذه الليالي نستمتع بحكاياتها فرادى أو مجتمعة نطلق عليها حكايات إطار أو حكايات فرعية.

ويبدو صلاح والي -في عصرنا هذا- وريثًا شرعيًّا لشهرزاد يحكي لنا عن “نقيق الضفدع” و”ليلة عاشوراء” و”عائشة الخياطة” و”كائنات هشة لليل” و”الرعية” و”فتنة الأسر” و”الجميل الأخير” و”ذنوب جميلة” و”العم حفني” و”السلام عليكم”. ومع تعدد هذه الأسماء يشعر القارئ دومًا بأنه لم يخرج من مسرح تتحاور فيه هذه النصوص مجتمعة لتكتمل الحكاية، لكن شهرزاد تعلمه أيضًا متى يؤخر نصًّا عن الظهور في المسرح، فيزيد اللبس على القارئ، وعندما يدرك أنه قد أوقع قارئه في شراكه يُحيلك إلى نصوصه السابقة لسد فجوات النص.

وأظن أن حوار النصوص لا تُخطئها العين المتابعة عند شعراء السبعينيات ومن تلاهم، أما على المستوى الروائي -وبهذه الكثافة- فستدور، في حدود علمي، في فلك صلاح والي متفردة، ولأن منبع الحكي في نصوص صلاح والي، أو لنقل في نص صلاح والي غير المكتمل دومًا حتى يجمعه غلاف واحد يحمل عنوان “الأعمال الكاملة”، أقول لأن منبع الحكي هو “العم حفني” فيمكننا أن نلقي إطلالة على النص الذي يحمل هذا العنوان “العم حفني”.

تتوزع العلاقات داخل (العم حفني) على مستويين، المستوى الأول يجمع بين الراوي والمروي عنه (العم حفني)، لكن هذه العلاقة حدث فيها قلب واضح في المواقع السردية بين الراوي الذي يفترض أن نرى من خلاله الشخصيات، ويحدد لنا منظور الرؤية ويتحكم فيها، وبين المروي عنه الذي يفترض أنه شخصية تخضع لهيمنة السارد -كما يقول مجدي توفيق- هذا القلب اقتضى أن يصير المروي عنه راويًا نسمع صوته على طول الرواية، ويمتلك مساحة نصية تفوق ما يمتلكها الراوي الذي انقلب دوره إلى مروي عليه يتلقى من المروي عنه، وهو هنا شخصية متعينة تشارك في الأحداث.

ويمكننا القول إن هذا المستوى من العلاقات هو الأساس الذي قامت عليه الرواية، ونجاح مساره السردي يعني اكتمال البرنامج السردي للرواية لأسباب كثيرة، منها أن العم حفني هو الصوت الذي نسمعه على طول النص وهو (عتبة النص / عنوان الرواية)، ومنها أن هذه الشخصية هي منبع الحكي في روايات صلاح والي.

وقد حاول (العم حفني) الراوي أن يبث مجموعة من القيم للمروي عليه تُمثل وعيه الفعلي لما يُعانيه المجتمع المحيط بهم من مشكلات، أهمها أن هذا المجتمع يبحث في مظهر الأشياء وليس في جوهرها، كما أنه يمتلك القدرة على نصح الآخرين في الوقت الذي يفتقد هو هذه النصيحة، هذه القيم التي حاول ترسيخها صارت هي عدة المروي عليه الذي سيصبح راويًا لجمهور أمامه غير متعين، ومن ثمّ فإن هذه القيم لا تُعبر عن رؤية فردية للعم حفني، وإنما هي رؤية جماعية، ومن ثمّ تحميلها له تُعد نوعًا من (الأمانة) لا يدرك ثقلها إلا من يحملها، يقول العم حفني:

“قال دامعًا: ماذا أفعل موجوع أنا بالناس، وشارب حكاياتهم، انتظرتك طويلا لأسلمك تلك الأمانة” [ص 91].

وهنا يجب أن نلاحظ أن شخصية العم حفني ارتبطت بأفعال القوة، فلماذا يقول دامعًا، والدمع وهن، هنا نشير بداية ارتباطه بالدمع في نص رواية عائشة الخياطة تعقيبًا على الكلام غير المفهوم لأهل السكاكرة:

“كان هذا الكلام غير المفهوم لأهل السكاكرة يقع على آذان الشيخ عبد الحميد من أفواه الناس.. فيصمت، ويقع البعض منه على آذان العم حفني فيدمع”.

إزاء هذين النصين يمكننا أن نربط الدمع بشيء أكبر من الوهن، أعني (الأمانة / الحكمة)، لذلك فإن نقلها إلى شخص آخر (الراوي) يقتضي نوعًا من المجاهدة، وهذه المجاهدة لا يمتلكها إلا أشخاص معينون، لذلك يفصح العم حفني عن سبب اختياره الراوي لهذه الأمانة، يقول:

“ما كنت أود أن أحكي لك، لكن أنا أعرف ورأيتك هناك، وأنت تحمل الرسائل وتبلغها للناس، وأنا لهذا أعرض لك أحداثًا، وأعلق عليها لأنك لا تعرف، بكل كلمة فعل، وعبرة فاعتبر، لا تنظر إلى خارج الناس، ادخل إليهم، وتلوث بطينهم” [ص 45].

وكما يتضح من النص فسبب الاختيار قدرته على المشاركة (حمل الرسائل وتبليغها) والطريق إلى ذلك أن يتلوث بطينهم، ويرى بواطن الأمور وليس ظاهرها. هنا يتعرض لثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى الاختبار التأهيلي، ووفقًا لمنظور العم حفني تتم من خلال خلق حوار جاد بين القلب والعقل؛ لأن العمل بالعقل وحده مرهق، والعمل بالعقل وحده غير مُجد [انظر ص: 10، 13، 53]، وطوال هذه الرحلة يكون بدء الكلام عند العم حفني، يقول الراوي:

“جلس أمامه مؤدبًا، وكان لا بد أن يبدأ هو الكلام” [ص 53]، وهو ما يتعين أن نسميه “لغة الانتظار” فمكانة العم حفني تُتيح له أن يجعل الراوي ينتظره حتى يُملي عليه أوامره بوصفه تابعًا له: “تعلم لغة الطريق وعد” [ص 69]، ويفصل له هذه اللغة [صـ88]، وعندما يجتاز هذه المرحلة ينتقل به إلى مستوى ثانٍ -وفقًا للمنظور السيميائي- هي مرحلة الاختبار الأساسي، والمتمثلة هنا في المعاينة، ففي الوقت الذي كان فيه العم حفني يحكي له ما دار دون أن يشارك الراوي هذه الأحداث، يأخذه ليشاهد بنفسه، يقول الراوي:

“دخلت مع العم حفني حتى أطراف القرية، هذا هو الجسر أعرفه.. سحبني من يدي كان الليل في ثلثه الأخير.. يصمت النساك وأرى داخلي عائشة وهي رائحة غادية تلملم الأشياء، ولا أحد يرى أحدًا، ويسحبني العم حفني من يدي، وأنا أقول: “لا أفهم” [صـ 99].

ثم يفهم ويتعلم ويُمارس لغة الطرق مع “مليكه”؛ لذلك ينتقل به العم حفني إلى المرحلة الأخيرة؛ أعني الاعتراف به والتمجيد بأفعاله، وهو ما اقتضى من العم حفني أن يخرق العقد السردي الذي تم بينهما في المرحلة الأولي، ونصه:

“أريك بطن الحكاية بعد أن مررنا على ظهرها في الكلام، أروي لك ما أعجز عن روايته لأحد فلا ترويه أبدًا، لن يصدقك إلا من عرف، والذي عرف ذاق وصفا، في المقام احتفى فاختفى” [صـ 64].

ومجّده عندما طلب العم حفني منه أن يكتب ما رواه له، والكتابة حفظ وقانون يسير عليه الناس، يقول العم حفني:

“أنت فقط سنؤاخذك بكتابك، سيشوهون مقصدك، ويمنعونك عن الناس، لكن ما إن تفلت من بين أصابعهم إلا وتلقفك الناس، وصرت خبزهم اليومي وضميرهم الباقي، كنت انتظرك طوال هذا الوقت لأحكي لك، ثم أقول لك أنت فقط اكتب، ذلك وعد غير مكذوب” [صـ105].

وعندما يحمل الأمانة، وظهرت أمامه المعوقات، كانت المساندة من العم حفني -حتى وإن غيبه التراب- يقول الراوي:

“لم تسر الأمور كما يُرتجى لها، فغيبت عن قريتي دهرًا حتى أشرفت على الموت، فجاءني العم حفني في شرشف أبيض، كان يضحك، وقال كلاما كثيرا حلوا، وشدّ عضدي، أنت لها شدة وتزول” [صـ103].

ويمكن أن نوازن بين صورة العم حفني وهو يسلم الأمانة (دامعًا)، وصورته (ضاحكًا) وهو يراها عند المؤتمن في شدته.

بوصول الراوي إلى هذه المرتبة لم تعد هناك مشكلة في الالتباس الذي يمكن أن يلقاه القارئ بين صوتي الراوي والمروي عنه، فقد صارا شيئًا واحدًا:

“قلت ما دام هو لا يقول: فلأقل صلوا على طه الرسول” [صـ52]، وصلوا على طه الرسول كانت مؤشرًا لغويًّا يتخذها كل منهما مع مؤشرات لغوية أخري مثل “وحدوه – راحة قليل يا ناس – متعب أنا” لبدء الحكي أو انتهائه.

ويبقي على الراوي -وقد حمل أمانة العم حفني- أن يُقيم علاقة مع جمهوره تُماثل العلاقة التي أقامها العم حفني معه في مراحلها الثلاث، وتحمل الرواية البشارة بوجود غلام ينصت لما يكتبه الراوي؛ ليظل الحكي متصلا من معين لا ينضب، وكيف ينضب والحكي من أجل البقاء.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا