صباح الجمعة الأخير.. في وداع علاء الديب

0
شريف حتيتة الصافي
أكاديمي مصري

كعادته دائمًا من إيثاره الصمت والعمل في هدوء بعيدًا عن صخب الإعلام وأضوائه، رحل عنا الكاتب والروائي المبدع علاء الديب، بعد مسيرة من العطاء للفن والفكر، يعرفها جيدًا ولا يتنكر لها جُلّ المبدعين في العالم العربي، فما من مبدع حقيقي إلا ووجد قلمَ الأستاذ علاء يعرِّف به وبإنتاجه ويغري القراء بمتابعته، وذلك في بابه الصحافي الشهير “عصير الكتب”.

لم يكن صباح جمعة التاسع عشر من فبراير 2016 يومًا عاديًّا كأي صباح من الصباحات الكثيرة للكاتب الكبير، التي بشرنا فيها بمولد كاتب أو كاتبة أو بلفت الانتباه في وعي شديد إلى مؤرِّقة من مؤرِّقات الوطن، لكنه كان الصباح الذي شهد رحيله، مخلِّفًا مفارقةً لا يزول صداها في نفوس قرائه الذين قرأوا أعماله الروائية والقصصية ومنها مجموعته “صباح الجمعة”. فمن قرأ روايات الكاتب يعرف أن أبطال رواياته كان لهم موقف من يوم الجمعة، فقد كان عبد الخالق المسيري في رواية “زهر الليمون” يخاف الجمعة دائمًا، ففيها فراغ، وقلق من الذكريات، وخوف مما سيتبعها من أيام، وكذلك كانت “فتينة” بطلة “الحصان الأجوف” تتشاءم من هذا اليوم، وكذلك بطل “أيام وردية” أمين الألفي، الذي كان يشعر بحزن شديد يوم الجمعة!! لقد كان لعلاء الديب برحيله صباح الجمعة من أبطاله نصيب، بل كان لأبطاله منه النصيبُ الأكبر.

بيني وبين الأستاذ الكبير موعدٌ ما زلتُ أرقبه، وقد حال مرضه بيني وبينه، لأعطيه نسخةً من رسالتي للماجستير التي أعددتها عن إبداعه الروائي. كثيرًا ما اتفقنا على اللقاء، وقبل الموعد بساعات أجده يتصل معتذرًا لانتقاله المفاجئ للطبيب لإجراء بعض الفحوصات، مغلفًا اعتذاره بودّ وذوق شديدين كانا دأبه دائمًا معي في مكالماته. حال المرض أيضًا بينه وبين حضور مناقشة الرسالة، لكنه اتصل بعد انتهائها بأقل من نصف ساعة للتهنئة بعد أن أرسل أحد تلامذته الصحفيين للحضور. لقد أضافت أعماله لي، وأعتقد لكل من قرأها، أعمارًا طوالًا من التجارب الإنسانية الثرية التي لا تنفصل عن هموم وطننا وأمتنا العربية.

لقد ودَّعت مصرُ كاتبًا من كتاب “الطبقة الأولى” على حدِّ وصف الناقد الكبير عبدالمنعم تليمة له، ورحلت عنا قيمة إنسانية رفيعة يصعب تعويضها، وقامة روائية باذخة صاحبة تجربة متفردة وصادقة. رحمك الله أيها المبدع الكبير، فما زالت نسختك التي تنتظر اللقاء بين يدي وأنا أكتب هذه الكلمات، وداعًا في صباح جمعتك الأخير، وسلامٌ عليك في الصالحين. 

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا