“القعيد” ووِراثة “محفوظ”

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

في اليوم الأخير من شهر أغسطس (2015م) الفائت، أقام المجلس الأعلى للثقافة احتفالية تحت عنوان “ليلة في حب الأستاذ” في ذكرى وفاة الأديب الكبير الأستاذ نجيب محفوظ، وكان من بين ما أُعدّ لهذه المناسبة، إعادة طباعة كتاب (الفن القصصي بين جيلي طه حسين ونجيب محفوظ) للدكتور يوسف نوفل.

وقد لفت انتباهي التقديم الذي قدّم به الأستاذ يوسف القعيد للكتاب بمجرد وقوع عيني عليه، خاصةً أن غلاف هذه الطبعة (نشرة المجلس الأعلى للثقافة) قد حوى اسمه تاليًا لاسم المؤلف، وبذات الحجم، وهو ما يُوحي بأهمية هذا التقديم.

قرأتُ المقدمة وصدمني فيها عددٌ من الأمور؛ فهي أولا قصيرة جدًّا حيث جاءت في صفحة واحدة (255 كلمة تقريبًا)، وهو ما يُعطي انطباعًا مبدئيًّا بالقصور والخِداج في الإشارة إلى المؤلَّف والمؤلِّف، فضلا عن إعطائهما حقهما من التقديم، وهو ما تأكد لي بعد قراءتها.

أما ثانيًا، فهو ما يخص المقدمة من حيث المضمون، فهي لا تعدو أمرين؛ الأول هو إيراد بعض ما ورد في السيرة الذاتية للدكتور الفاضل يوسف نوفل، والثاني حديث “القعيد” عن “القعيد” نفسه في عدد من المواضع، وهو أمر لا يليق، فضلا عن أن المقدمة جاءت خلوًا من الإشارة الجادة إلى الكتاب، وهو أمر لافت للانتباه، إذ كيف يقدم شخصٌ ما لكتاب ولا يُشير إليه إشارة جادة. وأظن أن الإجابة على السؤال تكمن في رجحان الظن بعدم قراءة “القعيد” للكتاب الذي أقحم نفسه على التقديم له، فلو كان قرأ منه -ولو جزءًا يسيرًا- لعرّج عليه.

وثالثًا ما فيها من أخطاء لغوية ونحوية على الرغم من قلة عدد كلماتها، كما ذكرنا، ومنها قوله: “يتصف به عددًا” والصواب (عددٌ) بالرفع، وقوله: “إحدى التقارير” والصواب “أحد التقارير” لأن مفرد (تقارير) (تقرير)، وكذلك قوله: “يوسف نوفل قبل كل هذا وبعده ناقدًا إنسان” والصواب (ناقدٌ) بالرفع، فضلا عن سهوه عن إضافة (واو) بين كلمتي “حربه جهاده”، هذا بالإضافة إلى عشوائية علامات الترقيم التي تحتاج انضباطًا أكثر مما جاءت عليه.

والسؤال الذي شغلني وألح على ذهني هو: لماذا مرّر “القعيد” هذا التقديم السيئ ووافق على نشره؟ فالرجل يتسنم عددًا من المناصب الثقافية، ولذا هو في غنى عن أن يتخذ من “تقديم كتاب” وسيلة للظهور، كما أنه -بطبيعة الحال- لن يفعل ذلك بسبب “المكافأة” المرصودة للتقديم، فالرجل في يسر وسعة من مناصبه العديدة.

وأغلب الظن أن الإجابة على هذا التساؤل هي أن الرجل يعتبر نفسه الوريث “الشرعي” الوحيد -بعد رحيل الغيطاني- لأدب نجيب محفوظ؛ فلا يصح ولا يجوز -وفق هذا الاعتبار- أن يُقْدِمَ أحدٌ ما على عمل أمسية أو احتفالية أو أي نشاط متعلق بالأديب الراحل بغير أن يكون للقعيد فيه كلمة، أو أن يضع لمساته الأخيرة عليه.

وهذه القضية -وِراثة نجيب محفوظ- قضية شائكة في الوسط الثقافي المصري، وتحتاج إلى كبيرِ جهدٍ من سدنة تاريخ الأدب الموضوعيين. لك أن تعلم -مثلا- أن الأديب الكبير الأستاذ “محمد جبريل” قد كتب الكثير عن علاقته بالراحل محفوظ، وبأدبه، ومن ذلك كتابه (نجيب محفوظ.. صداقة جيلين) وغيره، في الوقت الذي لا تراه فيه يستغل مثل هذه العلاقة ليُدِلَّ بها على المثقفين أو ليحصل على منفعة أو منصب ثقافي هنا أو هناك، وذلك على العكس من بعض المثقفين ممن هم في سن وقدر تلامذته، حيث يصخبون في الوسط الثقافي ويُصدّعون رؤوسنا بعلاقاتهم المحفوظية التي تحتاج إلى كثير من التحقيق والتمحيص.

قبل أن أنهي كلامي، وجب عليّ أن أخبر القارئ الكريم بأنني قمت بمهاتفة الدكتور الفاضل يوسف نوفل، لأستوضح منه رأيه في هذا التقديم لكتابه، وسألته صراحة: هل أنت راضٍ عن هذا التقديم؟، فوجدته رجلا في قمة الخلق والهدوء والرصانة، وكانت أغلب إجاباته محاولة لإيجاد الأعذار للقعيد، حيث ضيق الوقت، والرغبة السريعة في إظهار الكتاب. فقلت له: إذا كانت الرغبة -وقتها- ملحة في إظهار الكتاب على وجه السرعة فلم أصر “القعيد” على التقديم للكتاب وقد جاء تقديمه سيئًا؟، فأخبرني بأن “القعيد” أبدى اعتذاره عن هذا التقديم في حفل التكريم الذي أُقيم بكلية البنات له (للدكتور يوسف نوفل).

كان من الممكن بعد سماع هذه الكلمة الأخيرة من الدكتور يوسف نوفل أن أمزق كل ما كتبته عن هذا التقديم، ولكن لأن الكِتاب المشتمل على هذا التقديم صار في يد الكثيرين؛ فضلتُ إظهار كلماتي هذه إحقاقًا للحق وأمانةً للتاريخ، سواء أكان هذا التقديم للقعيد أم لغيره، لصغير أم لكبير، طالما صدرت هذه الطبعة عن جهة مسئولة عن الثقافة في مصر.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا