شخصية “الدَّرعميّ” في روايتين مصريَّتَيْن

0
شريف حتيتة الصافي
أكاديمي مصري

“الدَّرْعَميُّ” هو النسب الذي يُطلق على المتخرج في كلية دار العلوم، ذلك المعهد العريق الذي أنشأه علي مبارك باشا منذ قرن ونصف تقريبًا، فقد أُنشئت كمدرسة سنة 1872، ثمَّ انضمت إلى جامعة القاهرة سنة 1946م لتُخرِّج المتخصصين في اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، وقد تسمَّت باسمها التاريخي “دار العلوم” كليتان بجامعتي الفيوم والمنيا، فضلًا عن مؤسسات عديدة في العالم العربي والإسلامي.

 إن أيَّ باحث يريد أن يؤرِّخَ للثقافة والمعرفة والتنوير في مصر الحديثة لا يمكنه أن يتجاهل الدور الذي قامت به دار العلوم -وما تزال- في تخريج أجيال من معلمي اللغة العربية والباحثين في علومها والدراسات الإسلامية، وكذلك من الأدباء والمبدعين الكبار، الذين ينتشرون في ربوع المحروسة وفي أرجاء الوطن العربي، بل العالم أجمع، حاملين لواء المعرفة باللغة والأدب والثقافة العربية المتزنة. ويشهد بذلك أطروحات علمية وبحوث جعلت موضوعَها دور هذه المؤسسة الباذخة الشماء في النهوض بالتعليم والثقافة منذ إنشائها وحتى الآن.

ولكن يبقى حضور هذه المؤسسة في الأعمال الإبداعية أمرًا حقيقًا بالمتابعة، والنظر إليه من منظور مختلف عن حضورها في البحوث التاريخية والكتابات الاحتفائية؛ وذلك لأن حضورها في الأعمال الأدبية يحمل دلالة دامغة على تجذُّر هذا الكيان في بنية المجتمع المصري، كذلك يحملُ صكَّ الانتماء إلى ثقافة هذا المجتمع التي صنعت تاريخَه الحديث، ولا سيما أننا نتحدث عن حضورها في الرواية المصرية، التي نجحت في تصوير مصر الحديثة بطوائفها وأطيافها، ولحظاتها الفارقة، تصويرًا دقيقًا، استحال معه النص الروائيُّ وثيقةً لا يمكن أن يغفلها الباحث الراغب في المعرفة، الطامح في الوقوف على التفاصيل والخصوصيات الثقافية.

حضرت الشخصية الدرعمية بوصفها شخصية رئيسة في روايتين مهمتين كُتِبتا في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي رواية “قنطرة الذي كفر” 1966م للدكتور مصطفى مشرفة، ورواية “أطفال بلا دموع” سنة 1989م لعلاء الديب. ولا يهمنا في هذا المقام الصورة التي ظهرت عليها الشخصية، بقدر أهمية اختراق هذه الشخصية للنص الأدبي، حتى صارت نمطًا يتم من خلاله تمريرُ الخطاب الروائي المقصود من الروايتين.

قنطرة

حضرت شخصية الدرعمي في رواية “قنطرة الذي كفر” ممثَّلة في بطلها “الشيخ عبدالسلام قنطرة”، ذلك الشخص البائس الفقير الانتهازي، الذي يعاني الفقر وضياع الحظ في الدنيا، ومع ذلك يملك موهبةً وطموحًا ووضعًا اجتماعيًّا خاصًّا في الرَّبْع الذي يعيش به، وسط فئة مطحونة مثله، يعيش العالم في وادٍ إبَّان ثورة 1919 وهي وهو معهم في وادٍ آخر. لا يجد الشيخ عبدالسلام قنطرة من سبيل إلى تحقيق مآربه في الحصول على بعثة إلى فرنسا لدراسة الفلسفة إلا الانتهازية واستغلال بضاعة الكلام التي يملكها بحكم انتمائه إلى دار العلوم، فوقف ضد أبناء وطنه الشرفاء من أجل إرضاء من يملكون توظيفه أو إرساله إلى الخارج، فقد أنشأ قصيدة يمدح فيها أعداء الثورة ويهاجم فيها الوفديين.

يعرض الكاتب من خلال الشيخ عبدالسلام قنطرة حالة المتعلمين آنذاك، ومشكلات التوظيف، وخصوصًا مدرسي اللغة العربية، فالشيخ قنطرة يقول: “يا أخوانا أنا متخرج من دار العلوم بقى لي سنتين وخمس تشهر ماشتغلتش فيهم غير تلات تشهر في مدرسة الآداب الإسلامية” (الرواية، مكتبة الأسرة، 2012، صـ 117). وهذا كان حال كل أقرانه، فهم مدرسو لغة عربية، وهم كثر على حد قول الناظر للشيخ قنطرة: “اصبر ولا اطلع مدرسين العربي كتير” (الرواية صـ 117). حتى ظلت هذه العبارة عالقة في ذهن عبدالسلام قنطرة فكان يحدث نفسه: “قال مدرسين العربي كتير.. وماله يا ابن الكلب نموت م الجوع عشان مدرسين العربي كتير” (صـ 128). فلم يكن لهم مصير إلا الفقر والجوع، حتى إن الشيخ زرقاوي حين كان يمر عليه عبدالسلام قنطرة في المقهى يقول له: “سلام يا واد ورحمة الله وبركاته اترزي اقعد كل حتة لكوم على حسابي من القهوة حاكم أنا عارفكم يا بتوع دار العلوم شحاتين والجوع هادد حيلكم” (الرواية صـ 120).

تأتي أهمية ظهور الدرعمي في هذه الرواية من أهمية الرواية ذاتها في أنها أول رواية مصرية تُكتب بالعامية، وهي الرواية الوحيدة للدكتور مصطفى مشرفة شقيق العالم المصري المعروف علي مشرفة. لقد تقابلت اللغة العامية مع اللغة الفصيحة للشخصية، مما ولَّد سلسلة من المفارقات وعددًا من المواقف الطريفة الساخرة، هذا التقابل أشَّر إلى أن اختيار أحد المنتمين إلى دار العلوم كان اختيارًا مقصودًا من الكاتب، على أنها المؤسسة الأهم إذا أردنا نمطًا مثل نمط الشيخ عبدالسلام في الرواية.

“أطفال بلا دموع”

أما الشخصية الثانية فهي شخصية “الدكتور منير فكَّار” أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم، التي تمثل بطل رواية “أطفال بلا دموع” لعلاء الديب. إذ تعرض الرواية مأساة أستاذ جامعي من الطبقة المتوسطة التي جرفها تيار النفط، وجرفتها الهجرة إلى بلاد الخليج، فقد سافر منير فكَّار في إعارة إلى بلاد الخليج، وبالتحديد إلى منطقة سمَّاها (دلوك) هناك؛ ليحقق طموحاته المادية، ولكنه حينما يحققها بالفعل يجد نفسه وقد خسر أسرته كلها؛ من زوجته التي طلقها، وأبنائه (تامر ولمياء) اللذين لم يعد يربطهما به سوى العلاقة النفعية فحسب، واستنزافهم المادي له، فيحيا الدكتور منير فكار في حالة فراغ تام، إلا من حساباته وتحويلاته وأسعار العملة، ليذهب في النهاية إلى (إعارة للأبد) وهو الاسم الذي اختاره عنوانًا لفصل روايته الأخير.

إن اختيار انتماء الشخصية لدار العلوم من قبل الكاتب لهو أمرٌ يصبُّ في صالح هذه المؤسسة، فهي صارت نموذجًا للتمثيل لدى الكتاب إذا أرادوا أن يرسموا نمطًا لأستاذ الأدب العربي من ناحية، وكذلك إذا أرادوا أن يمثلوا لنمط من أنماط الشخصية المنتمية إلى الطبقة المتوسطة الصاعدة من ناحية أخرى، تلك الشخصية التي أصابها ما أصابها من شؤم الهجرة إلى بلاد النفط مع عصر الانفتاح الاقتصادي الذي شوَّه بنية المجتمع المصري، والطبقة المتوسطة فيه على وجه الخصوص.

وتجدر الإشارة إلى أن ثمة اعتقادًا بأن شخصية أمين بلتاجي في رواية “شباب امرأة” لأمين يوسف غراب هي شخصية درعمي، ولكن نص الرواية يتضمن أنه كان طالبًا في الأزهر وليس دار العلوم، ولكن الرواية حين تحولت إلى عمل سينمائي يحمل الاسم نفسه، ظهرت فيه كلية دار العلوم بوصفه المعهد الذي كان يدرس فيه، مما صنع هذا اللبس في الاعتقاد لدى فئة غير قليلة.

وعلى الرغم من ذلك فإننا نرى أن الخطاب السينمائي كان ذكيًّا جدًّا وموفَّقًا في ظهور المبنى القديم للكلية في المبتديان في أحداث الفيلم؛ وذلك لأن دار العلوم استحالت آنذاك علامة لدى الجمهور على دارسي اللغة العربية بشكل عام، أكثر من المنتمين إلى الأزهر نفسه، ولا سيما أن وجودها في القاهرة فقط جعلها قبلة أبناء القرى والأقاليم، فأمين بلتاجي حسنين، الطالب القروي الذي قدم إلى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف، ولا يملك من حظوظ الدنيا إلا فحولته، استغلته امرأة متصابية فأوقعت به حتى شاءت العناية الإلهية بمساعدة صديقة الصبا والبراءة في قريته، أن يتخلص مما وقع فيه.

 لقد مثَّلت شخصية هذا الطالب نمطًا من أنماط الشخصية في المجتمع المصري، وهو نمط أبناء الريف حين يرتحلون إلى المدينة، فمقومات هذه الشخصية المغلَّفة بالبراءة والطهارة التي صنعها الانتماء إلى الريف ودراسة العلوم الشرعية والأدبية، هذه الشخصية ستكون في اختبار صعب ستظهر معه النيران الساكنة تحت الرماد، النيران التي كبح جماحها الفقر والتهميش وطلب العلم، وقد كان ذلك بالفعل، فنجاح المرأة صاحبة السكن في الإيقاع به كان دليلًا على أن بناء الشخصية الصُّلْبة لا يكون إلا من خلال التجارب التي يكون فيها الإنسان كائنًا حيًّا، لا فقيرًا مهمَّشًا لا يشعر بالدنيا ولا تشعر هي به، ولا دارسًا لعلوم جامدةٍ تظل في رأسه فقط دون أن يفيد منها في التجارب الحياتية التي يخوضها. لكن تبقى الإشكالية التي لم يستطع الفيلم تجاوزها هي أن هذا النوع من العلم كان الكاتب يقصد به ما يُدرَّس في الأزهر آنذاك وليس دار العلوم التي كانت قبلة الفارِّين من جمود الأزهر ونظام التعليم فيه.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا