طَاقَةُ الرُّوح (قصة قصيرة)

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

جمعت “سلوى” كل قصاصات الحكمة كي تنزع من داخلها الخوف. قالت لها كل حكيمات الأسرة ليلا قبل النوم إن الصدق يُنجي الخَلْق، ويدافع عن المظلومات في قاع البحر وفوق الأرض.

كبرت “سلوى”، ونظرت في قصص القرآن فعلمت أن النار تكون به بردًا وسلامًا، وأن الصدق يُنجي صاحبه في الغار، وفي قاع البحر ببطن الحوت، ومن الأحزاب، ومن شر الخلق، وسحر النفاثات، ومن كيد الإخوة، ومكر النسوة، وجنود الفرعون.

وأن الخوف حبيب الشيطان، يهدي للزور وللبهتان. يبقى مزروعًا في نفس المفعول به. المفعول الذي لا يعي شيئًا من أدبيات الأفعال، ولا يعرف عن “الفعل” إلا أنه الوشاية للسلطان. وحتى لو رضي السلطان، يبقى الواشي يترقى في دائرة الخوف، يقتل في نفسه كل محاولة للصدق أو الأمن. إيمانًا منه بأن الصبر على السلطان من تمام الإيمان.

تذكرت “سلوى” قصة شهيرة في قريتها لفتاة تُدعى “فاطمة أم موسى”. كانت فتاة صالحة تذهب مع صويحباتها عصرًا يملأن الجرار من النهر، وعند العودة حين تهرق “فاطمة” الجرة في الزير تجد الماء وقد تحول إلى لبنًا سائغًا للشاربين. ذهبت فاطمة لتشكو مرة لأبيها أن الماء يختفي في جرتها بمجرد وصولها للبيت، ويتحول إلى لبن أبيض خالص. ضاق أبوها من نفاد الماء، وتحوله جميعه بسببها في الدار إلى لبن. دعا عليها ذات مرة وهو عطشان عند أذان العصر حين جاءتها صويحباتها للذهاب كعادتهن معها إلى النهر، وكان رجلا صالحًا مثل ابنته، قائلا:

– “فلتغرقي هذه المرة ولا تعودي”.

غرقت فاطمة، وعادت الجرة التي ملأتها إلى الدار، مملوءة بالماء الذي غسلوها به، ودفنوها بالقرب من المسجد الوحيد في القرية في قبر رفعوا فوقه غرفة صغيرة وزينوها بالأخضر والحرير ليكون لها مقام يليق بنقائها. وحزنًا عليها لحق بها أخوها موسى بعد عام. جاءت بعد دفن أخيها في مقبرة القرية إلى إمام المسجد الذي كان يتبرك بالدعاء عندها كلما ضاقت به الأحوال كجميع أهل القرية والقرى التي حولها، خاصة في أوقات فيضان النيل، تخبره في الرؤيا بأن يفتح لأخيها طاقة في أعلى جدار المقام لأنه سيأتيها من قبره كل خميس ليلا في فانوس صغير، يعبر من فتحة المقام، ويقضي معها الليلة في سلام وأمان.

تذكرت “سلوى” تلك الطاقة التي كانت تقف أمامها يوم الخميس في خشوع تام، وهي تتمنى أن تبقى تراقبها حتى الليل لترى ذلك الفانوس المضيء الذي يأتي موسى فيه بروحه ليلا ليزور أخته وحبيبته الغارقة في غرفتها المباركة. لكن “سلوى” كانت تعرف أنه لا جدوى. فمن يُسمح لها بالبقاء بجوار المقام ليلا هي طفلة صغيرة حتى ترى دخول الروح في تلك الطاقة. كانت تسأل أمها هل رأى أحد تلك الواقعة في أي خميس، فكانت أمها تجيبها إجابات غامضة. تارة نعم، وتارة لا، وأحيانًا ربما، وأحيانًا إن الله يستره فلا يُرى.

تناقلت الأمهات هذه القصة عشرات السنوات على ألسنة الأمهات. ولا تزال الزائرات يترددن على الغرفة المباركة، آلاف الزائرت، والكل يحلم بفتاة صالحة مثلها.

شربت “سلوى” الماء، وانتبهت لنفسها، والتفتت إلى نفسها في مرآتها، وقالت لنفسها:

– “هل شكلت تلك القصة كل نفوس بنات القرية. كلهن كن يطمعن في تحول الماء في جرارهن مثلها إلى خير كما كانت. وكلهن كنا يتحاشين دعوة غاضبة من آبائهن، ويحرصن على رضاهم أشد الرضى. وكُنَّ يحرصن على الصلاة في المسجد بجوار مقامها والدعاء عندها وارتداء الحجاب السابغ مثلها. وكُنَّ يفتخرن بأسمائهن إذا كن “فاطمات”. كلهن كن يحفظن القرآن ويتعلمنه أكثر من الصبيان. لكن الخوف من النهر والغرق فيه ملأ نفوسهن. ذلك الخوف الذي توارثنه من تلك النهاية المؤلمة بدعوة أبيها المحب لها في ساعة غضب. فكانت كل لاءاتهن نعم. وكل رغباتهن تدفن إذا تعارضت مع صوت الأب. إلى أن صرن خرساوات لا ينطقن إلا بإذن.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا