الدكتور علي أبو المكارم روائيًّا.. (ومضة تعريف بجهوده الأدبية)

0
د. وليد عبدالباقي
أكاديمي مصري

ثمةَ أناس يمرون بالحياة مرَّ الطيف، وعلى الرغم من ذلك فإن صِيتَهم الطيب يقرع الأسماع، وذكرهم الحسن يستطير استطارة البرق، ولقد كان الدكتور علي أبو المكارم –رحمه الله- واحدًا من أولئك النابهين الذين عُرِفوا ببُعدِ مُرْتَقى الهِمَّة، فلا تكاد ترى مجالا إلا وله فيه إسهامٌ جليٌّ؛ ومازال العطاء والتفاني مِيسَمًا من أماراته إلى أن استوفى أنفاسه، مُلْقِيًا عصا التسيار، مُفْضِيًا إلى ربه فجر يوم الجمعة الموافق الرابع والعشرين من يوليو لسنة 2015م، مُخَلِّفًا في كل الضروب المضيئة أثرًا يشهد له بخير بين يدي ربه؛ فهاهو ذا في المنحى العلمي يُعَدُّ من رجالات الأصول النحوية ممَّن يُشار إليهم بالبنان، ولا يُلْفَى له نظيرٌ، وما كتابه أصول التفكير النحوي إلا شاهد على علو كعبه في علم أصول النحو؛ إذ إنه لم يدع فيه آبدة إلا قيدها، ولا شاردة إلا ردها إليه، فكان بلوغ الغاية التي ليس لطالب وراءها مذهب، ناهيك بسائر مصنفاته العلمية التي بلغت  ثمانية عشر مصنفًا في شتى قضايا اللغة، فضلا عن البحوث المنشورة والتي تزيد على ستة وخمسين بحثًا. وعلى نحو ما ذكرت آنفا فإنه –رحمه الله- كان شخصية ثقافية متعددة الإسهامات في شتى الجوانب؛  ففي الجانب الإداري شغل مناصب عديدة في مصر وخارجها، ولعل أبرز هذه المناصب في مصر هو شغله منصب وكيل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة لشئون التعليم  والطلاب، ثم تعيينه عميدًا لدار العلوم، إضافة إلى كونه مقررًا للجنة العلمية الدائمة للغة العربية وآدابها بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية. أما خارج مصر فقد اختير لوضع خطط الدراسة ومناهجها في عديد من أقسام اللغة العربية بكليات الآداب واللغة العربية في بعض الجامعات بالبلاد العربية؛ من ذلك كليات الآداب والتربية في ليبيا، وكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة الملك عبد العزيز، وكذا في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، وبجامعة الإمام محمد بن سعود في السعودية.

ولما كان -رحمه الله- طلَّاعَ ثَنَايَا، ذَكُورًا، واسعَ الحفظ، لم يرُم لنفسه الاكتفاء بما قدمه في مجال البحث العلمي، ولا بما شغله من المناصب الإدارية فحسب، وإنما سمت به هِمَّتُه إلى ولوج العالم الأدبي على رحابته، فنشِطَ للأمر، وصحَّ منه العزمُ، فخلَّف نتاجًا أدبيَّا منوَّعًا. بيد أن اللافت للنظر أن هذا النتاج الأدبي الذي خلفه لم يكد يلقى رواجًا بين أسنة أقلام المختصين بالنقد الأدبي؛ ولم يوف حقه من النقد والدرس والتحليل؛ ولكن ربما يسعهم العذر في ذلك؛ إذ إن بزوغ جهوده العلمية كان محطَّ الأنظار، فلم تتحول عنها إلى غيرها مما يُتَوَقَّع أن تجود به قريحته.

أما وقد حلت ذكرى رحيله –رحمه الله- فإنه يطيب لي أن أكتب مدخلًا عن ملامح نتاجه الأدبي؛ وفاءً له ولفكره وأدبه، فنحن -تلامذتَه- أَرِبَّاءُ فكره، وثمارُ غرسِه، فلا أقلَّ من أن نتزيا بالوفاء والبِر به، ولن نكافئه بما له علينا من أيادٍ سوابغ!

ولعل هذا المدخل إلى عالمه الأدبي يكون دافعًا إلى النَّصَفَةِ، وإلى أن تنشط أسنة أقلام النقاد من عقال، فتوفيه حقه، وأن تحرك دوافع البحث والدرس والتحليل لدى طلاب البحث العلمي في مجال النقد الأدبي.

كنت قد قرأت في تصديرات بعض رواياته نُتَفًا من الشعر، فسألته ذات لقاء: هل هي لك أستاذنا؟ فأجاب: ربما، فزدت: هل لحضرتك ديوان شعر مطبوع؟ فأجاب بالنفي، ففهمت أنه ربما كان يقرض الشعر، ولكن لم يكن مُكثرًا فيه، ولما تسنى لي الظفر بمؤلفاته الأدبية، شددت رحالي معها قراءة بقلبي وفكري، وقد تحقق لدي بعد ذلك أن أعماله يمكن تقسيمها إلى فنون أدبية، تشمل الرواية، والقصة، وأدب الرحلات، والمقال. وفيما يلي تحمل السطور ومضات عن نتاجه الأدبي –في ضوء ما أتيح لي الاطلاع عليه-، وبيانها هو:

1- ثلاثية العِشْق:

وهي ثلاثية مؤلفة من روايات ثلاث يشمل عنوان كل واحدة منها مادة (عشق)، وكانت هذه الثلاثية هي باكورة إنتاجه الروائي، وقد استهلها برواية (الموت عشقًا)، ثم أردفها برواية (العاشق ينتظر)، وختمها برواية (أشجان العاشق). وقد يتوهم القارئ من خلال العناوين السابقة أن أحداث هذه الروايات تدور في إطارٍ من العلاقات الرومانسية، أو تصب في قالب العشق وفقًا للعنوان، لكن المؤلف يفاجئ القارئ بأنه جعل العشق هنا سيمياء يُعْرف بها توجُّه كل مجموعة من الشخصيات التي ينتظمها وحدةُ هدفٍ وغايةٌ واحدة، فثمة أنماط في الروايات يتفق مذهبها على عشق السلطة، وأخرى تعشق دولة الخلافة، وغير ذلك كثير، ولكل فيما يعشقه مذهبٌ.

ودونك أيها القارئ الكريم لمحة عن كل رواية من هذه الروايات الثلاثة، وعدد طبعاتها(1):

الموتُ عشقًا:

طُبِعَت هذه الرواية للمرة الأولى سنة 1990م، وعُنِيت بتوزيع هذه الطبعة دار الثقافة العربية بالقاهرة، ولم يتسن لي أن أرى طبعة أخرى منفردة من هذه الرواية.

وهذه الرواية تقع في (418) صفحة من القطع المتوسط، موزعة في عشرين فصلًا، وقد حدد المؤلف زمن أحداثها بأنه في سبتمبر سنة 1980م،  في أعقاب حرب أكتوبر/العاشر من رمضان، وقبيل مقتل الرئيس السادات، وتدور أحداثها في القاهرة ببقاعها المختلفة، والصراع فيها دائر بين التنظيمات السرية المناوئة  للحكومة  ورئيس الدولة، والسلطة السياسية الغاشمة بشقيها العام، وفي غمار هذا الصراع، تبرز سمات المجتمع المصري بطبقاته المتفاوتة، وهي سمات تكاد تكون ثابتة في كل زمان، يعرضها المؤلف بلغة وعبارات تشي بفكر من ينطق بها، فعشاق السلطة ينظرون إلى جموع الشعب على أنها “مجموعات مفككة لا رابط لها، وأي قوة تستطيع قهرها دون صعوبة”، وهذه الكثافة من الناس مليئة بإرهابيين يحاولون ضعضعة أركان السلطة، والتنظيمات ترى أن الدولة تقع في يد عصابة من الحكومة التي تبطش وتقهر، ولكنها ليست أخطر الأعداء، لكن أخطر الأعداء ” أجهزة الإعلام التي تستخدمها السلطة استخدامًا بالغ السوء، فهي تقوم بتحقيق أهداف تسعى في مجموعها إلى تدمير مقومات الإنسان والوطن معًا”. وبعيدًا عن هذين القطبين فإن جموع الشعب تشغلها (لقمة العيش)، و (مبارايات كرة القدم)، وسياسة الالتهاء كانت –ولا تزال- عنوان المرحلة، “فقد توقف التاريخ لتسجيل هذه اللحظة الباهرة التي لا تُنسى، إذ أحرز أحد الفريقين هدفًا في الوقت القاتل من المباراة … أي هوان أن يكون الناس على هذا القدر من الغفلة والغيبوبة؟!”.

 العاشق ينتظر:

طُبِعَت هذه الرواية الطبعة الأولى سنة 1992م بدار الهاني بالقاهرة، وهي تقع في (354) صفحة من القطع المتوسط، ولم توزع في فصول بل مجموعات بلغ عددها إحدى وخمسين مجموعة Chapter، وجاء في أولها: “تقع أحداث هذه الرواية في شهر أغسطس سنة 1980م”، وبذا تكون أحداث الجزء الثاني من الثلاثية قد وقعت قبل أحداث الجزء الأول التي وقعت في سبتمبر 1980م، ومحور الأحداث في هذه الرواية يتمثل في تباين ردود أفعال النخبة المثقفة حيال منح  وزارة الثقافة جائزة الدولة التقديرية في الآداب للدكتور كمال البرغوتي، فهو أكاديمي ممن يسبحون بحمد النظام، وله من اسمه نصيب، فهو وصولي وطفيلي كالبرغوث، وله باع في كتابة التقارير السرية، ومن ثم فهو من أولي الحظوة لدى السلطة، وبناء عليه من أولي الخطوة نحو المجد، وقد حرر ماهر الجندي رئيس القسم الثقافي بالمؤسسة الصحفية الكبرى الخبر لينشر في الطبعة الثانية، على الرغم من عدم قناعته بأحقية البرغوتي لهذه الجائزة؛ إذ إن وزارة الثقافة قد أغفلت انعدام مواقف الفكرية، وخموله الثقافي، فلا فكر، ولا نشاط ثقافي يُذْكَر، لكن ليس لأحد أن يظهر امتعاضًا، أو يبدي رفضًا، فهو كما يصنفه مهنئوه “أحد عيون السلطة”، لذا فالسلطة تصف معارضيه في تقاريرها الأمنية بأنهم “عناصر متهمة في ولائها للنظام”، وهذه العناصر في مجموعها تنتمي إلى اتجاهين متناقضين؛ اتجاه مفكر يميني متطرف دينيا، له ملف خاص عن نشاطه الإرهابي، واتجاه ثقافي يساري موسوم بالجمود الفكري. وتستمر الأحداث لتعكس الصراع الفكري، والثقافي في المجتمع، وتَعْرِض لطفو أسماء بعض الخاملين على سطح الساحة الأدبية، بل وتصدرهم المشاهد والمحافل، ونيلهم جوائز وزارة الثقافة، بل وتبوء المناصب القيادية الإدارية في المؤسسات التعليمية الكبرى، وهو ما جاء على لسان أحد شخصيات الرواية حين سأل صديقه الدكتور الأكاديمي عن رئيس الجامعة: “لكن كيف تولى إذن رياسة الجامعة؟” فأجابه: “ألا تعلم أنه ابن عم سيادة اللواء … أحد المسئولين الكبار في جهاز الأمن الخاص”. وبناء عليه فسيظل المخلصون الذين لا يعرفون التزلف منتظرين.

 أشجان العاشق:

طُبِعَت هذه الرواية الطبعة الأولى سنة 2002م بدار الهاني بالقاهرة، وهي تقع في (187) صفحة من القطع المتوسط، موزعة في ثلاث وعشرين مجموعة، وقد وقعت أحداثها بعد الألفية الثالثة على متن طائرة تابعة لخطوط طيران مصرية، وقد أقلت 168 راكبًا، وأقلعت من واشنطن متجهة إلى القاهرة، وثمة حوارات كاشفة عن مستويات الركاب فكريًّا، ومكانتهم الاجتماعية، وتصنيفاتهم الطبقية، وبناء عليه فقد اختلفت أنصبتهم من الطعام حينما وقعت مشكلة في نقص التموينات من الطعام والشراب إلى أقل من نصف عدد الركاب، فما كان من القائد الحكيم إلا أن أمر الطاقم بحصر وتصنيف الركاب من حيث الأهمية، فكان بينهم معالي الباشا ومن معه في الدرجة الأولى من بعض الإعلاميين، ومنتجي البرامج التليفزيونية، وبعض أهل الطرب الذين لا يعرفون من هو أحمد بك شوقي ولا أحمد رامي، بل تتضخم ذات أحدهم حين يُقَال له على استحياء من أحد مداهنيه: “برضه أحمد بك شوقي شاعر معروف”، فيرد قائلًا: “إذا كان أحمد شوقي بيه زي ما بتقول، فأنا باشا”، هذه الكوكبة الراقية تقبع في الدرجة الأولى التي تحجبها ستارة عن الدرجة السياحية العادية، وثمة وفد عسكري رفيع المستوى كان في دورة تدريبية بأمريكا، وركاب عاديون، وبناء عليه فلمواجهة مشكلة الجوع التي يتحتم وقوعها، أصدر القائد أمره أن يمنح بعض الركاب وجبات كاملة، وأن يشترك البعض الآخر في الوجبات بحيث يمنح كل ستة وجبةً، وهنا رد المضيفة: ” كيف توزع على بعض الركاب وجبة كاملة، ونعطي البعض الآخر سُدس وجبة، هذا كفيل بأن يخلق ثورة حقيقية، وليس مجرد غضب”، وبعد أخذ ورد، اقترحت المضيفة على القائد بعض الاقتراحات تجنبًا لثورة الجياع المتوقعة، وقد قبل القائد أحدها على أن تسير الأمور في إطار الاستفتاء والتصويت، وبعدما أجروا استفتاء، ورضيت الجموع، كانت النتيجة على نحو ما أراد القائد قبل التصويت، فقد أصاب البعض وجبة كاملة، وأصاب البعض سدس وجبة، ولا تغيير في شيء، إلا أن الواقع على متن الطائرة أثبت أن “من يحسن الحشد يحسن التوجيه”، لكن لأن ديمقراطية السلطة لها توجه يخدم البعض، وإسقاط نظامها يحتاج إلى تضحيات بالآلاف من الغالب مسلوب الإرادة، كان مصير الطائرة كارثي؛ ” فقد انقطع الاتصال بالطائرة وهي في منطقة تعد الملاحة خطرا فيها، يطلق عليها المثلث الأوسط … واختفت الطائرة من شاشات الرادار” ولم يذع التليفزيون المحلي، والإذاعات المحلية أي أنباء عن هذا الموضوع، ولا يتوقع صدور بيان رسمي قبل يوم من وقوع الكارثة؛ لأن بعض المسئولين ألزموا الجموع أن يسيروا مثلما تسير الأمور بطبيعتها في صمت.

 2- سِفْر الغربة:

 

طُبع الطبعة الأولى سنة 2003م بدار الهاني بالقاهرة، ويقع في (210) صفحة من القطع المتوسط، وقد أطلق المؤلف على هذا السِفْر: سِفْرَ السَّفَر، وأشار في آخره إلى أنه ثمة سِفران آخران مكملان له، أطلق عليهما: سِفرَ العودة، وسِفْر الثورة، وهما تحت الطبع.

 

ولهذا السفر مذاق خاص عند قراءته، فهو ضرب من أدب الرحلات، لكنها رحلات مختلفة عن تلك التي يجوب فيها المؤلف البلدان، أو يتخطى فيها حدود الزمان نحو الماضي، أو إلى المستقبل، وإنما هي رحلات ضرب لها المؤلف موعدًا بالغوص في تحليل نماذج بشرية قابلها في حياته في محيط عمله، أو في أسفاره، أو في قراءته، فقد علمه والده الشيخ –رحمه الله- نمطًا من السياحة غريب، وهو ما كان يسميه سياحة الفكر، وتنقل العقل، وقراءة الناس وما فيه يترددون؛ فالقيم تتعدد، والتقاليد تتفاوت، والشخصيات تتضارب؛ ” والحكيم حقًّا هو الذي يكتشف ما لا يراه الآخرون، ويدرك ما فيه يقصرون، وإن شئت أن تعرف فجرب، فسترى أن بين التقي والفاجر نسبًا، وتوقن أن بين الشريف واللص سببًا، وتعلم في البغيَّ ما يمكن أن يكون مدعاةَ احترام، وأن من المحصنات من كان الفجور يعربد برأسها ولا ينام”.

 وقد بدأ المؤلف -رحمه الله- سفره هذا ببيان حوافز السفر، وجعل الرغبة في طلب العلم أول البواعث على الرغبة في الغربة، ثم أعقب ذلك النماذج التي رحل إليها ومن خلالها، فعرض لست وعشرين رحلة من خلال ستة وعشرين نموذجًا بشريًّا، بدءًا بدجاجات كليب، وصندوق البرغوتي –وهو نموذج مكرر في أربعة من أعماله الأدبية-، والسربوني، ومرورًا بالبندول ومولانا الشيخ –نموذج مصاحب لجُل رواياته- والعبقري، وانتهاء بالضحية والجلاد.

وأذكر أني حينما قرأت هذا السفر، استوقفني نموذج بشري عنوانه (توبة الست)، وقد أثرت في نفسي إلى حد بعيد، فسألته -رحمه الله-: أستاذنا، هل هذه القصة حقيقية؟ فأجاب: كل من قرأتَ عنهم هنا نماذج واقعية، وهذه الست كانت زوجَ مسئولٍ كبير، وسمعت منها حكايتها بنفسي في أثناء رحلة جمعتني بها.

وقد خُتِم هذا السفر بقوله: ” قال الشيخ تعليقًأ على ما قد أتى:

هذا زمن الكشكشة

والكسكسة

والهلوسة

والوسوسة

والمومسة

هذا زمن القائد فيه يقود

حيث الرءوس بغايا

تحسن عرض السلعة

بنتًا، أختًا، زوجةً

أو حتى أُمَّه

كي يصبح الشرف المغصوب رصيدًا

في بنك الحكمة غير العذراء

3- الساعة الأخيرة:

 

مجموعة قصصية طبعتها دار الهاني سنة 2003م، بعد سفر الغربة، ويؤكد أن السفر سابق في طباعته عليها أمران، هما: الترتيب الذي ساقه المؤلف نفسه في سلسلة إصداراته بآخرة من هذه المجموعة، فضلا عن ختامه هذه المجموعة بقبسةٍ من سفر الثورة، والذي أشار في آخر سفر الغربة أنه تحت الطبع.

 وهذه المجموعة القصصية تقع في (208) صفحة من القطع المتوسط، مقسمة إلى ست قصص، هي: الساعة الأخيرة، وتنويعات على اللحن، وكله بأمره، وساعة الأصيل التي تنقسم إلى جزءين، وسِحْر الغسق، ثم ألَق السَّحَر التي تقع في ثلاثة أجزاء. وتنتهي هذه المجموعة القصصية فعليًّا في الصفحة السادسة والتسعين بعد المائة، ثم يعقبها قبس من سفر الثورة، جاءت فيه لمحة من ثقافة عصر الملك المملوك ، وساق فيه المؤلف:

 1- من أذكار النخبة: أبانا الذي في الأرض.

 2- من أدعية العامة.

 3- من معجم “بيان اللسان”.

 ثم ختمه بنصوص بدون تعليق أو تدقيق، أو تحقيق، أو دراسة.

 4- أحلام الكَرَى (فنتازيا):

 

رواية طبعتها دار الهاني سنة 2008م، وهي تقع في (190) صفحة من القطع الصغير، مقسمة إلى أربعة فصول، وتدور في قالب خيالي يمزج خليطًا تراجيديًّا وفكاهيًّا في أحداث درامية، يقع أغلبها فيما يراه بطلها مولانا الشيخ بين النوم واليقظة، حيث يلقى أباه الشيخ الإمام وقد عاد إلى الحياة، معاتبًا إياه لتقصيره في إتمام حفظ بعض المتون، وقراءة العلوم التي تعينه في حياته ” لينتصر على الحمر المستنفرة، والذيول المضمخة بالدَّنس” من أمثال البرغوتي، والعسكري شغتة، بما يرمزان له من الوصولية، وأداة القمع في يد أسيادهم،  فهؤلاء الأنصاف ” قد يكونون قد حققوا موقفًا، أو احتلوا مكانة، ولكنهم بمقياس العلم والفضل والأمانة ساقطون، لا علم لهم، ولا فضل فيهم، ولا أمانة بهم، إنهم أدنى وأحقر من أن يُذْكَروا في الكتب”، لذا يجب الانتصاف منهم. ويفيق الشيخ ثم يغفو فيرى أباه وقد عاد مرة أخرى ولكن في هيئة شاب، يصحبه في رحلة إلى الدار الآخرة تستغرق الفصل الثالث، وهي رحلة تشبه أحداثها ما جاء في رسالة الغفران؛ فقد وظف الشخصيات التراثية، فهاهوذا الشيخ مع أبيه الشاب في رحلتهما، يلقى الجاحظ، ويرى الكسائي ، وأباحيان التوحيدي، ويتحدث إلى المتنبي. ويمر بأهل الأعراف، ويصحبه أبوه ليطلع على أهل الجنة وأهل النار، فيرى بعض النماذج التي يعرفها في الواقع، وقد اختلفت مصايرهم بخلاف ما كان يتوقعه. وتختتم الرواية بواقع بعيد عن أحلام الكرى التي يراها الشيخ، وهذا الواقع يعكس مدى الفساد الذي يتمتع به النظام الحاكم، الذي يطيح بأي فرد يهدد أمنه، ولو كان من رجاله، فهم “أسوأ مما تتصورون بمراحل تفوقُ الوصف”.

 5- سماء بغير نجوم:

  

طُبِعَت هذه الرواية بدار الهاني سنة 2009م، وهي تقع في (237) ورقة من القطع الصغير، موزعة في ست عشرة مجموعة، وهي من عنوانها تعكس حال الظُّلمة الحالكة التي تغشى الأفق، فالسماء غير صافية، ونجومها مطموسة غير منكدرة، فهي بغير نجوم، إلا أن الأمر لا يخلو من أمل يبرق في ثنايا الأفق، يفتتح به المؤلف روايته في إهدائه: “إلى حفيديَّ علي ومحمود، ومضة الأمل في ليل مظلم”.

 تدور أحداث هذه الرواية في قرية أو عزبة، اسمها عزبة (السناكيح)، وقد انتقل إليها مدير مدرسة ليباشر عمله في المدرسة الوحيدة بها، لكنه يصطدم بالعمدة وزبانيته، وتظل المناورات بينه وبينهم، حتى يقرر في آخر الرواية العودة من حيث أتى، لأن التكتلات التي ضده تحول بينه وبين إصلاح حال السناكيح، فضلا عن أن أهل العزبة لا يعينونه على الإصلاح الذي هو في صالحهم، فهم كما وصفهم: “طيبون، يُؤْكلون ولا يتألمون”، وستظل المشكلة أن ” الذين في البلد يرون ما يجري فيها شيئًا طبيعيًّا؛ لأنهم لم يعرفوا غيره، فإذا تحولت من السيئ إلى الأسوأ لم يحدث لديهم فرق كبير”، وسيظل الانتهازيون والطفيليون والفاسدون هم سادة هذه العزبة، مادام ولاؤهم للعمدة، ولكن “من يدري؟ المستقبل غيب، ولا أحد يعرف ما ستأتي به الأيام” أو كما جاء في الختام على لسان شيخ الخفر: “كل آتٍ قريب”.

 6- وَمِيض عَيْنَيْها:

 

طبعتها دار الهاني سنة 2010م، وهي آخر أعماله الروائية، واللافت للنظر أن إهداءها إلى أبيه الشيخ الإمام جاء مشعرًا بالختام؛ قد جاء فيه: “إلى الشيخ الأجلِّ، اشتقت إليك، فمتى نلتقي. عَلِيّ”! ثم أعقب الإهداء بعبارات قال فيها:

 

“عن الشيخ (رضي الله عنه وأرضاه):

 – الطائر الذي يفقد جناحيه لا يحلق،

 – والمقاتل الذي يغمد سيفه يقضي ذليلا،

 – والذي ينحني للصديق ينبطح  للعدو، وهو لا محالة مركوب”.

 هذه الرواية الأخيرة تقع في عشرين فصلًا مثل أول رواية، إلا أنها تقع في (251) صفحة من القطع الصغير، وتبدأ أحداثها في فترة الخمسينيات من القرن المنصرم، وبطلها علي يعيش في أسرة صغيرة مكونة من أمِّ سليلة عائلة محترمة، وأب شيخ عالم كريم المحتد، وأخ لعلي لم يصرح باسمه، وتدور الأحداث في قالب من العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة، وما يبثه الأب الشيخ من مبادئ فيهم، وما يدور بين علي ومحمود من مشاكسات، يتحمل فيها عليٌّ المسئولية، فضلا عن علاقة الأسرة بمن يحيطون بها من الجيران، أو الأهل في القرية، ولا تخلو الرواية من سَوْق نماذج بشرية يعج بها المجتمع، والتي من شأنها أن تبرز مستوى التردي الذي ينال من هذا المجتمع، والذي يقرر حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، ألا وهي أن الفساد ركن رئيس ضارب في القدم في بنية المجتمع المصري.

 إلا أنني بعدما أنهيت قراءتها، مازحت أستاذنا بقولي: لم يبق إلا أن تذكر أن أخا البطل عليٍّ اسمه محمود – الدكتور محمود شقيق أستاذنا رحمه الله-، فأغرق ضاحكًا، فسألته: هل هي سيرة أسرتكم أستاذنا؟ فقال: لا، ولكنها أقرب إليها.

 7- تجليات الوهن (رأي ورؤية):

  

هل قرأتَ تجليات الوهن؟ هكذا باغتني سؤاله وأنا أحل ضيفًا عليه في منزله، وكان ذلك في أعقاب ثورة يناير 2011م، فأجبت عن السؤال: عفوًا أستاذنا، لم أقرأه. وقبل أن أستفسر عن كنهه، بادرني مباغتًا: لمه؟ فقلت: والله يا أستاذنا أنا أول مرة أسمع عنه من حضرتك الآن، فقال: هو كتاب لي، سأعطيك نسخة منه على أن تقرأه الليلة، ثم أناقشك فيه إذا تقابلنا قريبًا. أخذت النسخة شاكرًا وممتنًّا لفضله، وفي الوقت نفسه عازمًا على أن أقرأها في ليلة تسلمي إياها امتثالا لطلبه، وبالفعل ألزمت نفسي إنهاء القراءة، فشارفت نهاية الكتاب مع حلول فجر اليوم التالي، ولكني شعرت مع الفراغ من قراءته بشيء من الدهشة، والإعجاب استطاع سبيلًا إلى نفسي؛ فبعض مقالات الكتاب تعكس فطنة وحكمة امتزجتا لتحكي أحداثًا ألمت بالمجتمع المصري بعد زمن كتابتها بسنوات، وأبرزها مقالة (الفشل الحي) التي تكاد تكون روحًا باعثة على ما حدث في ثورة 25 يناير، ولا ينبئك مثل خبير!

تجليات الوهن عبارة عن مجموعة مقالات، نشرها المؤلف في الصحف المصرية والعربية في الفترة من 2003 إلى 2006م، وقد جمعها في هذا الكتاب مضيفًا إليها بعض المقالات الأخرى، وكانت النسخة التي أهداني إياها الطبعة الأولى منه، وقد طبعتها دار الهاني سنة 2006م، وقد أتحفني –رحمه الله- بنسخة أخرى قد أعيد طبعها في دار غريب سنة 2010م، وتقع هذه النسخة الأخرى في (281) صفحة من القطع الصغير، وتحتوي على واحد وأربعين مقالا، ثم بعض التغريدات الشعرية مقسمة تحت عنوانيْنِ، هما: في الحياة والموت، ثم في السلوك.

يبدأ الكتاب بمقال عنوانه: طرق النضال.. يجب أن تتعدد وتتكامل، ويليه: من دعائم الاستبداد المثقفون الأوغاد، ثم: أوغاد الأكاديميين، ومرورًا ببداية الحساب، ونفاق السادة العبيد، وفقدان الشرعية،  ثم يسبق الختام مقال عنوانه: تحية إلى أحمد درويش -أحد أفذاذ دار العلوم فكرًا وسلوكًا-، ثم يختم المقالات بالقفز على الواقع.

****

وبعدُ، فإنه ينبغي لي أن أنوه إلى أن مجموعة الأعمال الأدبية السابقة قد خلت من عملين لم يتوافر سعيي على الحصول عليهما، هما: رواية زهرة البنفسج، وكتاب على الهامش، ولكني حينما بحثت عنهما ولم يتيسرا لي، أخبرني صديقي وهو أحد تلامذة أستاذنا -رحمه الله- أن كتاب على الهامش عبارة عن مجموعة مقالات متضمنة بعض ما نشر في تجليات الوهن، وأنه تحت الطبع مرة أخرى بدار غريب، والله أعلم.

هذا ما كان من جُهْد وجَهْدٍ، وعلى الله القبول والتكلان، فهو حسبنا ونعم المستعان. وختامًا أسأله -جلَّ في علاه- أن يرحم شيخي وأستاذي الدكتور علي أبوالمكارم، وأن يفيض عليه سحائب رحماته، وأن يجعل سعيه وسعي تلامذته في ميزان حسناته. اللهم آمين.

____________

(1) ذكر الدكتور تركي بن سهو العتيبي في بحثه البيبلوجرافي (ملامح من حياة علي أبو المكارم) تأريخًا لعددٍ من الطبعات الأخرى زيادةً عن التي أثبتها هنا، ولم يُتح لي الاطلاع عليها. انظر: مجلة الدراسات اللغوية الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المجلد السابع عشر، العدد الرابع، شوال – ذو الحجة 1436هـ.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا