ديمومة الإشكال عبر حركية السرد

0
د. إكرامي فتحي
ناقد مصري

تسجل القاصة الفلسطينية “بشرى أبو شرار” في روايتها الأولى “أعواد ثقاب” ملامح ستظل حية من القضية الفلسطينية، عبر لغة فنية راقية وصور قصصية يشيع فيها المجاز بنوعيه الجزئي والكلي؛ مضيئة بأعواد ثقابها السبيل أمام العمل من أجل قضيتها المشتعلة. تأتي هذه الرواية في فصولها أو أعوادها الثمانية والعشرين عبر خمسة محاور، يمكن من خلالها رصد حركية السرد وتحليلها من خلال رؤية نقدية تسعى إلى تمثُّل النقلات السردية في الرواية بواسطة الكشف عن العوامل الكامنة وراءها.

 المحور الأول- الحاضر بوصفه مفتتحًا كاشفًا لأزمة الذات:

جاء الحاضر الزمني ممثِّلاً للمحور السردي الأول في رواية “أعواد ثقاب”، ومتقاطعًا مع الماضي عبر فواصل زمنية، بالإضافة إلى تداخلاته مع المكون السردي، وهو المكان؛ مما شكّل بنية زمكانية لعبت دورًا بارزًا في مفتتح الرواية. ففي الأول “وطني قطعة جبن مثقوبة” يسير الخيط السردي في خطه المستقيم بدايةً من رصد عودة الساردة إلى وطنها بعد غياب طويل عن الوطن والأهل، وقد تنقلت عدسة السارد بنا بين بعض جوانب الوطن، من “حي الشيخ رضوان” إلى “منطقة عامر”، ثم “مخيم البريج”، وأخيرًا “منطقة الرمال” حيث ستنزل الساردة إلى بيتها. ومن خلال رحلة السيارة تترسم بعض الملامح المكانية التي تمثل وطأة الاحتلال، فهناك “سياج.. أسلاك شائكة.. أبواب مكهربة.. صفارات إنذار.. كشافات أحالت ليلنا نهارًا.. مكبرات صوت.. حالت بين آذاننا وقلوبنا..”.

 كان وصول الساردة إلى بيتها ذا وقع شديد عليها، حيث استغرقها المكان بأدق تفاصيله؛ فأخذت تتتبعه مستعيدة معها ما انثال على ذهنها من ذكريات. ثم كان لقاؤها الحميم بوالديها، راسمة ما تميز به كل منهما: الأم بحنوها الشديد والأب بعطفه غير المحدود، لكن ينقطع هذا اللقاء باتصال من زوج الساردة يخبرها في جفاف أن ساق ابنها قد كسرت؛ من ثم كانت قسوة الرحيل ثانية. ودلالة الأحداث السابقة واضحة في أنها تشير إلى اغتراب الذات عن الوطن: بيت العائلة من أجل المستقبل الذي يمثله “الابن”، ذلك الاغتراب الذي تشير إليه الساردة بقولها: “فتحت زجاج نافذتي أعب ملء رئتي هواء بلادي شهيق.. زفير أرض.. وطن رحيل وعودة ثم رحيل”. ثم تبلور وجهة نظرها في مأساة الوطن كما أشار إليها عنوان الفصل “وطني قطعة جبن مثقوبة”، وذلك بقولها في ختام الفصل: “وبين ضفة غربية.. شرقية سياج جفاف نهر. تصريح.. هوية بلا جنسية.. ممنوع الدخول.. ابق هناك خارجًا عن الحدود.. فالوطن صار كقطعة جبن تناثرت عليها الثقوب”.

 وفي الفصل الثاني “متى سيرحل” يواصل السرد سيره في خطه المستقيم مسجلاً موقفًا يقوم على المفارقة؛ حيث تفاجأ الساردة بقول ابنها: “أمي.. متى يرحل أبي.. لقد تعبت منه كثيرًا”[27]. وهذا ما يدفعها إلى استعادة شريحة من طفولتها، راسمة مفارقة عميقة بين موقف الابن/ المستقبل وموقف الذات من الجذور؛ ومن ثم تنطلق الرواية في استرجاع يشمل ما بقي من فصولها إلا الأخير. وتعميقًا لملمح المفارقة السابق تأتي صور الأب هنا نموذجًا للحنو إزاء شيء من قسوة الأم التي تستنكر بعض أفعال الساردة / الصبية قائلة: “لِمَ لَمْ يخلقك الله صبيًا ويكمل الجميل”، بينما الأب يتساءل في وِدّ: “أين صباح الخير” [السابقة].

عندئذ يتجذر صوت هذا الأب مع الساردة طوال يومها الدراسي، وترسم هلعها الشديد من غياب الأب، خاصة مع تسجيل مكانة الأب وحميمة علاقته بالناس، وأخيرًا تسرد موقفها عند غيابه بسبب فريضة الحج. كل ذلك يوجز السرد مؤكدًا أن أن الأب ظل “هو الحكاية وكل الحكاية”، على حين يعودها الابن بضيقه وضجره متسائلاً: “ألا يرحل يا أمي.. أنا لا أطيق الحياة معه”.

 المحور الثاني- الحرب حدث محوري يدفع حركة السرد:

 ومع الفصل الثالث “أمي تريد صبيًا” يبدأ المحور الثاني في الرواية “الحرب وويلاتها”، حيث تنقطع الذات الساردة عن الحاضر، مستعيدة طفولتها الرائقة رغم أحداثها شديدة الألم، وكأن الساردة باللجوء إلى هذا الماضي تهرب من واقعها الأليم الذي يسعى مستقبلُه إلى الانقطاع عن ماضيه. وهنا تنعكس الصورة الزمنية عما كانت عليه في المحور الأول؛ حيث يطغى الماضي على الحاضر، متصدرًا المشهد الروائي، الذي يشغله بصورة رئيسة مكونان سرديان، هما: الأم والحرب، فالأولى هي رمز الحياة عبر استمراريتها، والثانية هي الوسيلة الأبرز للقضاء على تلك الحياة، وما بينهما “بوابة” يقدمها السرد بوصفها معبرًا بين نمطين مختلفين.

 تقوم الساردة بتوسيع جانب من جوانب تلك الطفولة، سبق أن ألمحت إليه، وهو تمني الأم الولدَ وعدم تقبلها لإنجاب البنات، وفي الوقت نفسه تسجل الساردة نشاط الأم في بيتها ورعاية أفراده وحسن ترتيبها له ومهارتها الشديدة في إدارة شئونه، ثم كان ترقبها للولد في حملها، ومعه كانت ذكريات ولادة بناتها الإناث، وأخيرًا كان يوم الولادة بما أحاط به من ترقب وتشاؤم بعض الزوار، مع تحركات متنوعة بين المنزل والمستشفى، ثم كانت البشارة. “فدار الهمس عن الصبي الآتي” الذي سُمِّي عمر، ومع تلك السعادة ختمت الساردة الفصل بشيء من الطرافة، حتى خرجت الأم على شكر الزائرة التي تشاءمت من مجيئها فخابت ظنونها.

 أما المكون السردي الثاني “الحرب” فيتبلور مع بداية الفصل الرابع الأليم “صيف 67” بجملة تعيدنا إلى الحاضر: “مع كل عودة إلى أرض الوطن تأخذني قدماي إليها..”؛ من ثم كان الانطلاق إلى ذكريات المدرسة “مدرسة القاهرة الابتدائية”. ثم أخذت ترسم خطوط اللوحة الحزينة لـ”هزيمة 67″، بداية من الجملة المفتاح “كل شيء بات متغيرًا أمامي”. بعدها كانت حركة الأسر المصرية نحو الرحيل والتجهيزات التي أخذ الأب يجريها على المنزل.

 كانت الحرب بقسوتها دافعًا جعل الأم تجمع أطفالها “كدجاجة تضم فراخها”. والرعب الذي أحاط بالساردة وأخواتها.. “انتفضت في فراشي على صراخ أختي بجواري.. الطائرات تغير وترمي بحمولتها على قلوبنا”. وقد ازداد الأمر تجسيدًا عبر هيئة الجنود الفلسطينيين أنفسهم، فقد “اندفع الجنود مجموعات عبر الممرات والشوارع الخلفية يقفزون على الأسلاك فوق الأسوار على أسطح المنازل في المناطق المهجورة إلى أن حطّوا في حديقتنا”. وقد قابلهم الأب محاولاً مساعدتهم، عندئذ كان تأكيد الساردة أمرًا شديد الأهمية في هذه الحادثة المحورية، وهو كذب الإعلام إرضاء للسلطة متمثلا في “المذياع الذي ما كف يحكى ع انتصارات وأساطير البطولات”.

 كانت لهزيمة 67 ويلات على كافة الأصعدة، وقد انتقت الساردة منها خلال الفصل الخامس: “فرش العجين” جانبًا حياتيًا يمس كل أفراد بيتها، وهو “الحصول على الخبز” الذي يمثل أبسط أنواع الطعام وأهمها. وذلك من خلال رسم جزئيات هذا الحدث بداية من استيقاظها مبكرا ومعاناتها للوصول إلى الفرن وما تم فيه حتى وصولها إلى البيت. ورغم بساطة هذا الحدث فإنه ذو دلالة إنسانية عميقة، خاصة مع لغة الرواية رائقة المجاز، مثل “وبدأت قدماي تشق ضباب الطريق وطبول ترافقني تخرج من صدري في دقات فزعة أتعثر بها”، أيضًا التتبع الدقيق لأدق التفاصيل مع حركة عدسة الساردة المفصلة لكل جزئية.

 يتواصل رصد ويلات الهزيمة والحرب لكن عبر المكان/ البوابة التي يأتي عنوانًا للفصل السادس، حيث تمثل فاصلا بين عالمين: محدود ضيق خانق وآخر واسع ممتد؛ من ثم تحاول الذات أن تتسحب كما يتسحب شعاع الشمس إلى الخارج. وقد بدت آثار الحرب في الحديقة، حيث كانت قذائف متناثرة في أرجائها وعلى أسوارها، ومع انعزالية من في البيت كان الاتصال بالخارج الممنوع عبر الخال “أبو ياسر” الذي يرصد ضحايا الحرب وأبطالها.

 المحور الثالث- الذات بين الحضور والغياب:

ومع الحرب كان المفقودون، وهنا تبدأ سلسلة “الفقد” الممتدة عبر جوانب هذا العمل الروائي التي تمثل ملمح “الغياب”؛ من ثم كان الجلوس “على عتبات الانتظار” في الفصل السابع الذي يدور حول غياب أو تغييب شريف ابن إحدى الجارات، التي تعاني من أجل الوصول إليه أو معرفة مصيره، ويتماس هذا الحدث في ذاكرة الساردة مع حادث آخر، يأتي ذكره تأكيدًا لمعنى “الغياب” المشار إليه هنا، وهذا الحدث خاص بشاب اسمه حامد “ذاك الفتى الأسمر فارع الطول أجش الصوت” الذي ذهب إلى الجبهة ولم يعد؛ من ثم كان حضوره المتكرر عبر الوصف المعاد في النص، مع تفاصيل جديدة تعمق منحى الحسرة والحزن لفقده: “وألم ألتق بفتى أسمر أجش الصوت يرتدي قميصًا أبيض يعكس نورًا على سمرة لفحت وجهه كلما هبت رياح الخماسين..”.

وتأتي الحركة المقابلة لمعنى الغياب هنا عبر محاولة الحضور من خلال محاولة البناء وإعادة تشكيل الكيان الذي تهدم جزءٌ منه. فرغم الحصار كان العمل على العودة إلى الحياة بالفصل الثامن “في ليلة ثلجية”، حيث خرجت الأسرة لكي تُصْلح ما دمرته الحرب، عبر حدث مجازي هو الزراعة، حيث كانت “أول رحلة لقطع التلال والوديان وصعود الجبال إلى بلدة أبي دورا “قضاء الخليل”. وكانت هذه أولى مراحل فتح الحدود المغلقة بعد هزيمة صيف 67، وذلك عبر رحلة السيارة إلى خارج غزة قرب بلدة دورا حيث بيت العمة، لكن لم تكن الرحلة هينة بسبب حواجز التفتيش والمعاناة، ومع الرحلة الطويلة كانت دلالات المكان وإيحاءاته، ثم اللقاء بالمكان الجديد وأشخاصه.

وفي الفصل التاسع “ليل غزة الحزين” يعود محور الغياب، لكن على المستوى الجمعي متمثلاً في غياب أحد المحاربين عن قضية فلسطين وهو جمال عبد الناصر؛ من ثم كان الإطار العام للفصل هو الضبابية منذ ذهاب الساردة إلى “مدرسة المأمونية للاجئات”، فهناك “كل شيء دار في صمت”، ثم وصول الخبر الحزين عن طريق المدرِّسة التي لم تستطع صبراً أو كتمانا.

 وفي البيت كانت ملامح الحزن محيطة بكل شيء: الأم والأب والمكان، وقد رصدت الساردة مكانة عبد الناصر لديها بحيث توازى مع أبيها، “كان يغرس مع أبي دوالي العنب.. ويضرب بالمطرقة معه يدًا بيد”. هذا على المستوى الخاص، أم على المستوى العام فرصدتْ تلك المكانة من خلال دور مصر في بناء شباب فلسطين، وقد أوجزت هذه المكانة في قولها: “لقد مات حبيبكم”؛ ومن ثم كان احتياجها إلى القمر؛ لكي يضيء ليل غزة الحزين.

 وعبر الحركة البندولية يأتي ملمح “الحضور” أو تعويض الغياب عبر مظهرين: عودة الخال كاظم ومجيء “العيد” بوصف الاثنين منبعين للسعادة. وقد مثّل الفصل العاشر “حبات الفول السوداني” الحضور الأول للخال “كاظم”، وهو الحضور الذي سيمتد لعدة فصول، كان ذلك عبر حدث ذي ملمح إنساني تجسد في مجيئه إلى منزل الساردة، حيث علم بغياب الأب والأم؛ لذا جلس مع البنات حتى “يناموا ويبقى يحرسهم”. ومع الاستمتاع بطعم الفول السوداني “كان ينظرنا.. يحنو إلينا ونحن ننظره.. ننظر إلى عينيه بلون شطآننا.. إلى لمسات كفه الحنونة ويهتف هاتف داخلنا إنه هو.. الخال كاظم.. خالنا.. “.

ووسط هذه الأحداث المؤطرة بالحرب والمعاناة كان للعيد طابع مختلف كما سجلته الرواية بلغة مجازية متميزة: “في ليل عيدنا لا ينام القمر… ولا تنام عيوننا فأحلامنا باتت في حشو وسائدنا”. ولا يمكن أن يخلو هذا العيد من ملمح الأبوة، كما تقول الساردة: “ففي أيام أعيادنا لا نفارق البسمة الودودة وجه أبي” [ص س]، لكن الأب يغيب عن هذا العيد؛ لأنه سيذهب لزيارة المعتقلين، تلك الزيارة التي تسجل معاني الأسى والمعاناة والأمل رغم كل شيء، ذلك الأمل الذي يشرق في “انهيار خط بارليف”؛ عندئذ تختم الساردة الفصل الحادي عشر بتقنية دائرية، فكما بدأته بـ”القنفذ” الحبيس في خزانتها عن عين أمها، الذي يرمز إلى الأمل المنكمش، لكنه يحتاج سبيلاً للظهور – تختم الفصل بقولها: “القنفذ في ركنه المظلم، لكن لن أبقيه حبيسًا هنا في خزانتي”.

المحور الرابع- انشطار الذات وتعميق أزمة الذات:

 وفي هذا المحور يخطو السرد خطوة أكثر عمقًا لتأكيد أزمة الذات، التي تنشطر بين ذاتين، تحار أيها هي، حيث تبلور دلالة الحيرة المتبدية من عنوان الفصل الخامس عشر “أنا فاطمة، أنا حورية”، الذي يدور حول سفر الجدة من أجل البحث عن الخال كاظم، ومحاولة استخدامها هوية العمة فاطمة في ذلك البحث. وقد استطاعت الرواية تحميل هذا الحدث معاني عدة، منها: حيرة الذات بين الحقيقة والواقع؛ نتيجة فقدان أشد الأشياء التصاقًا بالذات، وهو هويتها، وهذا ما عبرت عنه الساردة بقولها: “وأستفيق اليوم على جدتي التي تشد الرحال وتفقد اسمها كأشياء كثيرة فقدناها”.

 يتواصل محور الانشطار عبر إحدى مراحله المتمثلة في الغياب أو التغييب، ففي الفصل التالي حيث “كثر السؤال عن الجدة التي مضت ولم يأت من عندها المرسال”، وهذا هو الفقد الثاني الذي يقابله حضور شخصيتين بوصفه نوعًا من التعويض هما: فايزة امرأة الخال، وابنتها الجميلة “ابتسام”، التي وضعتها في غياب والدها. لكن هاتين الشخصيتين يتغيبان بطريقة مأسوية ذات طابع رومانسي غير مقنع، ولعل حرص الرواية على تجسيد آلام الواقع مع عمق استخدامه كان وراء الوقوع في هذا المزلق، وهو ما تبدى في قولها: “ليشهدوا استسلام جسد الصغيرة في حضن أمها في تغريبة فلسطينية لضياع الهدية لرحيل الشمس من غروبها”.

 وتتعمق دلالة الغياب عبر تكرارية حضور “الموت”، فمع تسرب هذا الخيط عالي النبرة جاءت نهاية “فايزة” زوجة الخال نفسها، حيث حاصرتها الأحزان: غياب الزوج وفقدان الابنة والشعور بالذنب؛ مما جعل المرض اللعين ينهش جسدها بعد ذوبان الروح والأمل في الحياة؛ من ثم كان رحيلها في المستشفى بعيدًا عن كل شيء جميل.

 المحور الخامس- الهدم والبناء محاولة لتقديم للخروج:

 في الفصل التاسع عشر “مدفأتنا القديمة” ينتهي هذا الخيط الأليم من سلاسل الفقد؛ ومعه يأتي المحور الخامس الذي يتراوح ما بين الهدم والبناء، وذلك من خلال عودة الخال كاظم مع الجدة، بعد سنوات السجن في الضفة الشرقية، ومع هذه العودة كان الحنين للماضي ومحاولة استعادة الأمل. وهنا تنتقل معاناة الذات عبر قضيتها إلى مرحلة جديدة كمن وراءها عنصران: فرض حظر التجوال ورصد الخيانة بين أفراد الشعب الفلسطيني نفسه. وكان حضور العنصر الثاني أكبر مساحة من الأول؛ مما يدل على عمق أثره، لكن مع رصد الخيانة كان تسجيل الانتقام منها، دلالة على حتمية البتر والمواجهة؛ من ثم يأتي السؤال الاستنكاري “ألا يكفي ما ضاع منا؟!”، الذي يحمل نبرة استغاثة، يصلح تعقيبًا على ما سبق وما هو متجسد في الفصل الذي يرصد استيلاء اليهود على المباني واكتفاء الشعب الفلسطيني بالحصول على بعض الأشياء؛ في محاولة للاحتفاظ بشيء من الذات المتحللة.

 لا يعني توالي الكوارث انتهاء الأمل، بل ستستمر الحياة ومعها يستمر العمل، هذا ما تجسد عبر حدثين سرديين: أولهما حياتي بسيط هو عمل مربى العنب والزبيب، والآخر رغبة الأم وسعيها نحو بناء بيت جديد على بحر غزة، وإزاء ذلك كان صمت الأب نوعًا من الرفض الحكيم المتوق للنهاية الحتمية تحت جرافات اليهود التي حاولت الأم الوقوف أمامها، لكن أنقذها الأب وأفقها بلطمة.

 مقابل عمليات الهدم التي سبق رصدها في الفصلين السابقين جاءت محاولات البناء في الفصلين الثالث والعشرين والرابع العشرين “كتب وأقلام” عبر تعليم الأجيال القادمة، ذلك الأمر الذي رفضه بعضهم بحجة وطأة الاحتلال، لكن الامتناع “هو ما تبغيه سياسة المحتل… خلق جيل من المغيبين الغافلين عن الحقائق وما يدور”. بدأ اليوم الأول من الدراسة بآلام فقد بعض الأصدقاء وآمال عودة الوطن، ثم حوار طويل رسم صورة لتنوع المجتمع الفلسطيني وتباين سماته وعشائره، لكن الاحتلال لم يكن غافلاً عن هذا الجانب التعليمي المهم؛ من ثم حاول فرض سيطرته عليه، بواسطة مندوب له حاول قمع مظاهرات الطالبات، لكنه فشل. استمر رصد هذه الحياة المدرسية وما فيها من مواقف موحية، مثل الأستاذ حكمت مدرس اللغة الإنجليزية وتفانيه في تعليم الطالبات اللغة والمبادئ، كذلك استمرار المظاهرات وتجاوزات الاحتلال في قمعها مستخدما القوة والعنف، ورغم ذلك كان الإصرار والتطلع لغدٍ آت”.

 ينتهي هذا المحور عبر رؤية واقعية، تتمثل في الإقرار باستمرارية الأزمة والعجز عن تبنِّي الأمل في انزياحها، حيث يعاود معنى الفقد حضوره رغم تسرب شيء من الأمل في البناء، وذلك في الفصل الخامس والعشرين “الصبا وشقائق النعمان”، ويسيطر هذا المعنى إلى نهاية الرواية، متمثلاً في رصد موت الأب الذي ظل إلى آخر حياته مدافعًا عن القضية الفلسطينية، ثم مرض الأخت في أمريكا بلاد العجائب، وقسوة الاحتلال في منع الساردة من الوصول إليها رغم شدة آلام مرض الأخت؛ من ثم كان رثاؤها شديد الألم: “جسدي هناك فمن يحمله”، عبر هذه الجملة التي تكررت في فصل أقرب للشعر منه إلى السرد؛ من ثم كانت النهاية ذات طابع مأسوي عميق.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا