السلطة الرابعة بين قفص السلطة وتاج الحقيقة (محاورة مع كتاب “صحف مصادرة”)

0
أحمد سراج
كاتب وشاعر مصري

    “إذا أشار أحدهم للسماء بإصبعه، فلا تنظر لهذا الإصبع، بل انظر إلى حيث أشار” هكذا يتعامل الغرب مع صحافته باعتبارها سلطة رابعة تمكنه من الكشف عن أخطائه؛ فيما يعرف باسم “النقد المستدام” الذي يمكن النظام من محاصرة سلبياته، وزيادة إيجابياته، أما مصر فما زالت قانعة بدور إعلام جوبلز، وبقاعدتي الإعلام الشهيرتين: “الحقيقة جوهرة غالية، يجب حراستها بحرس من الأكاذيب” وبأن: “من يدفع أجر العازف، يحدد نوع اللحن” أما المخالف لدوره وقواعده؛ فالورق ورقنا والدفاتر دفاترنا.

    إذن وبدلاً من أن ينظر الساسة من نافذة “الصحافة” ليروا العالم على حقيقته؛ فهم يسعون لجعلها “مرآة مقعرة” لتضخيم إنجازاتهم الموهومة، ومرآة محدبة لتصغير خطاياهم حتى لا ترى، أما غير ذلك فثمة بوابة سوداء تبتلعه، سواء أكانت هذه البوابات معتقلات، أو حرمان من الكتابة، أو تذويب في أحماض أمينية، أو تشويه سمعة، المهم أن تصمت أيها المخالف.

    ويعرض كتاب “صحف مصادرة” لهشام عبدالعزيز الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة مواقف السلطة في عالمنا العربي منذ بدء دخول الطباعة، وحتى قيام ثورة 1952، باعتبارها بداية عصر مختلف ينهي عصر الليبرالية، لصالح فكرة جديدة تريد الاصطفاف لا التنوع، تردي الإطار لا الانفتاح.

    ويبدو أن الكاتب ينحاز لمربع المواجهة منذ إهدائه الذي يجعله للمفكر (الشارخ) منظومات الكهنوت الفكري وأحد القابضين على الجمر: ” إلى د. نصر حامد أبو زيد، معلم الصبية، الذي أبدع في ليالينا السهر، وأرقنا.. بعد ما أيقظ خيالاتنا الصغيرة” ثم تأتي سبع اقتباسات، تبدأ بدعم سعد زغلول لحرية الصحافة، وتنتهي بأبيات لبديع خيري، تؤكد انه لا حبس للحرية، ومن بينهما تأتي اقتباسات تبين لماذا تخاف الحكومات المستبدة من الصحف، وتوضح أن الصحافة هي الصرخة في وجه الطغاة البائعين بلادهم، فيما يأتي صوت السيدة روزا معلنًا انتصار الصحافة انتصارًا حتميًّا.

    يبدأ الكتاب بقصة الطباعة، أو بالأحرى منع الطباعة عن العالم العربية مدة 188 عامًا لاعتبارها رجسًا من عمل الشيطان: ” لقد مثّل اختراع آلة للطباعة طفرة نوعية في نقل المعرفة والحفاظ عليها، ولم يعد ذلك محلاً لاختلاف وجهات النظر الآن.. بل هو ما نرتاح لقوله دون مواربة أو شك.. أما منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون، مع بداية القرن الثامن عشر، وفي الأستانة عاصمة الخلافة الإسلامية وقتها؛ فقد لقيت المطبعة «عنتًا شديدًا من الحكومة ومن رجال الدين الذين أفتوا يومئذ بأن المطبعة رجس من عمل الشيطان.. وبقي الحال على ذلك إلى أن استصدر الصدر الأعظم من السلطان أمرًا في سنة 1712 بالإذن لسعيد أفندي – الذي صار فيما بعد صدرا أعظم للدولة – بإنشاء مطبعة قامت بطبع جميع الكتب عدا كتب الفقه والتفسير والحديث وبقية الكتب الدينية الأخرى».

    الكتاب المقسم إلى ثلاثة فصول يتناول فصلها الأول: مفهوم المصادرة ومعناها اللغوي والاصطلاحي مع تفصيل لأدبيات المصادرة قانونيًّا وصحفيا، وكذلك معالجة أسباب المصادرة وأساليب مقاومتها.

    أما الفصل الثاني؛ فقد تناول فيه قوانين المطبوعات، ومتى تم التفكير فيها والملابسات التاريخية؛ سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، التي رافقت ظهور هذه القوانين على اختلافها.

    أما الفصل الثالث؛ فيعالج تاريخ المصادرة، وقد قُسِمتْ فيه الفترة موضع البحث إلى أربعة أجزاء: الأول: حتى الثورة العرابية، الثاني: المصادرة بين ثورتين (1882 – 1919)، الثالث: بين ثورة ومعاهدة (1919 – 1936)، الرابع: بين معاهدة وثورة (1936 – 1952). وقد راعى المؤلف في هذا الفصل عرض الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية أحيانًا، وعلاقتها بالحالة الصحفية سواء في إصدار الصحف أو مصادرتها وقد راعى أيضًا في نهاية كل جزء من هذه الأجزاء استعراض مجموعة الصحف التي تمت مصادرتها في هذه الفترة، عارضًا تواريخ المصادرة وأسباب المصادرة وما نتج عن هذه المصادرة من خسائر أو أضرار، أو أحكام بالسجن.

    أما ملاحق الكتاب بنصوص أهم قانونين للصحافة، وهما قانون 1881، وقانون 1936، باعتبارهما – بالنسبة للمؤلف – أهم قانونين صدرا في الفترة محل الدراسة، بالإضافة وفق المؤلف – إلى أن أحدهما صدر في بداية الفترة محل الدراسة تقريبا والآخر في ختامها تقريبا أيضًا.

صحف مصادرة

    ويؤمن الكاتب على قول حمزة: فتاريخ الصحافة في كل أمة كما أشار دكتور عبد اللطيف حمزة: «هو تاريخ المعارك القومية التي خاضتها الصحف في سبيل الحرية وتاريخ المواقف الحرجة والليالي السوداء التي قضاها المحررون الشجعان في أعماق السجون من أجل المبادئ ومن أجل الحرية». ويبين الكاتب في مقدمته أن دافع كتابته هو أنه عانى من ألم مصادرة كتاب أستاذه نصر حامد أبو زيد المفكر الذي حبس في معركة أبعد من ترقية، وأوسع هدفًا من دفاع عن أستاذ.

    في الفصل الأول يفاجئنا المعنى اللغوي وتقاربه مع دلالة المصطلح؛ فالحكومات كانت تصادر الأسلحة: “دارت معانى المصادرة في كتب التاريخ العربي الإسلامي حول أخذ الممتلكات من بعض المغضوب عليهم من أموال أو جوار أو خيل أو سلاح، وهي الدلالة التي لم تختف تمامًا من الأدبيات العربية فما زالت كلمة المصادرة تستخدم حتى الآن بالمعنى نفسه. وقد حدثنا الزبيدي (ت 828هـ) صاحب تاج العروس عن تعبير ينتمي لأدبيات علم المنطق هو «المصادرة عن المطلوب» وهو المصطلح نفسه الذي استخدمه صاحب كتاب الكليات أبو البقاء الكفومى (النصف الأول من القرن 11 هـ) بمعنى إغلاق الباب دون الوصول إلى نتيجة ودون إبداء أسباب واضحة”.

    ثم يبين أن المصادر لم يكن يعرف أنه يصادر، أو كان يستخدم مصطلحًا مخففًا، منذرًا ومحذرًا: “ومن اللافت أن قوانين الصحافة المصرية قبل 1952 ومحاضر وزارة الداخلية أو تحقيقات النيابة في هذه الفترة أو الأدبيات الصحفية لم يكن يشيع فيها استخدام مصطلح المصادرة، بل كان الأكثر ورودًا مصطلحا تعطيل أو إلغاء، هذا إلى جانب مجموعة أخرى من المصطلحات القانونية مثل إنذار أو توقيف مؤقت لمدة محددة، وهو ما يشير إلى سوء السمعة المرتبط بمصطلح المصادرة على الرغم من كثرة حدوثه”.

    ثم يبين أن سهولة المصادرة وعدم إحساس الناس بها، وعدم اعتراضهم بالتبعية عليها، لعدم تطور وعيهم بهذا السلاح الجديد: “لقد كان إلغاء الصحف في بداية نشأتها سهلاً كما كان ترخيصها سهلاً كما أن شعور الجماعة الصحفية والمجتمع المصري بأثر المصادرة على الحياة العامة كان ضئيلاً، وكثيرًا ما لجأت الحكومة إلى إلغاء صحيفة ومصادرتها بعد صدور أعداد قليلة منها، مثلما حدث مع جريدة نزهة الأفكار التي لم يصدر منها سوى عددين اثنين فقط، ثم صدر قرار إلغائها فألغيت «وكان هذا الإلغاء نتيجة لما بدأت تفعله هذه الجريدة من توجيه النقد للحكومة، فرأت الحكومة أن من الخير لها أن تبادر إلى إلغائها حتى لا يستفحل أمرها وتصبح خطرًا يصعب اتقاؤه فيما بعد». وهنا نلحظ أن الحكومة منذ البداية كانت محددة الأهداف والأسباب؛ فهي لا تريد معارضة ولا وجع دماغ، ولذا تتعدد الأمثلة: ” وهو نفسه ما حدث مع صحيفة البلاغ المصري لصاحبها إبراهيم شيمي أحد أقطاب الحزب الوطنى وكان ذلك عام 1911 حين أغلقت الصحيفة بسبب «تطرفها الشديد» ولم تكن صدرت إلا منذ شهور حيث صدر عددها الأول في التاسع من شهر يوليو 1910.

    أما عن مصادمات الصحافة والسراي فحدث ولا حرج، ومن ذلك مثلاً هجوم جريدة الأهرام على الخديوي توفيق بعد توليه حكم مصر بدلاً من أبيه حيث خضع للأجانب وطرد جمال الدين الأفغاني فهاجمته الأهرام فقررت الحكومة إغلاقها. وشبيه بذلك ما حدث من إغلاق الحكومة المصرية لجريدة العلم سنة 1912 بسبب نشر مقالات لمحمد فريد يتهم فيها رئيس وزراء تركيا بولائه للإنجليز.

ثم يبدأ الكاتب في رصد أساليب الحكومة لمحاصرة الصحف وهي:

التحفظ على النسخ المطبوعة من الصحيفة فور طباعتها مباشرة وداخل المطبعة، ومصادرة هذه النسخ، وذلك حتى تكون الخسارة فادحة

وقف الصحيفة لمدة محددة قد تكون شهرًا أو ثلاثة أشهر

ومن الأساليب التي باتت من كلاسيكيات العلاقة بين الصحافة وأنظمة الحكم تشجيع الصحف الموالية بالتزويد بالأخبار والإعلانات الحكومية وتوفير الورق

ومن أساليب التضييق الشهيرة التي استمرت فترات طويلة، وضع الصحف تحت الرقابة

التعديلات التي كانت تتم من آن لآخر على أن يتضمن هذا التعديل شرطًا تعجيزيًّا

طريق الرشوة الصريحة أو المستترة

كما يستعرض الكاتب وسائل الصحفيين للمقاومة:

الطريق القانوني بمعنى رفع القضايا لأخذ التعويضات عن الأعداد التي تمت مصادرتها ورغم أن القضاء لم يكن يحكم في غالب الحالات بالتعويض لصالح الصحف على الحكومة

على الجانب الآخر – النقيض طبعًا – كان هناك صحفيون يتجنبون المصادرة بالتملق والنفاق والسير على الطرق المرسومة

التستر وراء شخصيًّات عامة غير معروف انتماؤها السياسي لاستخراج تراخيص صحفية

الوسيلة الأخيرة التي لا تنشط إلا في أوقات الأزمات السياسية الحادة العنيفة هي: المنشورات

    وينتقل الكاتب إلى عرض قوانين الصحافة، مع توضيح سياقها الزمني وعلاقة هذه القوانين بتطور الحياة السياسية في مصر، وثمرة وجود حكومة وطنية أو موالية للاحتلال والسرايا ليخلص إلى أن: ” كل هذه القوانين أو التعديلات القانونية لم يستدعها نشاط صحفي بقدر ما استفزها ذاك النقد لأعمال الحكومات المتعاقبة، فكانت الحكومات والحكام يلجأون إلى سن هذه القوانين للتخلص من هذا النقد”.

    ويقف الكاتب مع الصحافة منذ بداية صدورها مكملة لوجاهة السلطة وخادمة لرؤيتها: “بدأت مصر تدخل عصر الصحافة إن جاز تسميته بهذا الاسم، فأصدرت مطبعة بولاق جريدة المونيتير إجيبسيان باللغة الفرنسية برئاسة تحرير كامبل توريل وقد كان محمد علي نفسه يمدها بالبيانات والمعلومات والأخبار الحكومية وكان القنصل الفرنسي يتابعها باهتمام بالغ كي يضمن عدم إضرارها بالمصالح الفرنسية. وكان ظهور العدد الأول منها في 17 يوليو عام 1833، أي قبل أن يولد يعقوب صنوع بست سنوات”.

    ثم يعلل عدم قدرة الصحافة على المواجهة: “لم يكن للصحافة أن تقوم بمهامها الرقابية وهي في حضن النظام المستبد الذي يتعامل مع المجتمع المصري وكأنه جزء من أملاكه.. فالنظام الحديدي الذي أمسك به محمد علي جوانب الحكم في مصر لم يكن ليتيح للصحافة أن تقوم بدورها كما ينبغي، كما أن عدم إدراك النخبة المثقفة في مصر لأهمية العمل الصحفي ونظر المجتمع لهذه المهنة نظرة التوجس كل ذلك أدى لتأخير الصحافة في تولي مسؤولياتها”.

    ويرى الكاتب أن بشاير ثورة عرابي بدأت تالية لأخذ الصحافة موقعها الرقابي: “مع بداية عام 1881 بدأت الصحافة تأخذ شكلها الرقابي كاملاً فصدرت مجموعة من الصحف المهمة في تاريخ الصحافة المصرية والعربية، على رأس هذه الصحف جريدة الحاوي ليعقوب صنوع وقد صدر العدد الأول منها في الخامس من فبراير 1881 وصدر منها أربعة أعداد فقط وحوت رسومًا كاريكاتيرية سياسية واجتماعية”.

    ولأن الصحافة أبرزت سلاحها فكان على الحكومة أن تبدأ في مصادرته: “فى هذه الفترة التاريخية من عمر المصريين بات واضحًا تمامًا أن الصحافة أصبحت سلاحًا ناجعًا في الصراعات السياسية الدائرة في مصر بين الدولة والشعب أو بين القوى السياسية المتصارعة فبدأت الحكومة في سن أول قانون للمطبوعات في مصر في عصرها الحديث، فأصدرت ما سمي بقانون المطبوعات في 26 أكتوبر 1881 وهو القانون الذي استمر العمل به حتى 1931”

    وهكذا يستمر الطراد بين الصحافة والسلطة؛ فكلما وقفت الصحافة وقفتها، أسرعت الحكومة إلى الضرب بأسلحتها الثقيلة، وبدا أن القوانين التي تسعى لها الحكومات لا تستهدف الحرية بل تقييدها، لا تطمح إلى أن تؤدي الصحافة دورها الحقيقي بل إلى حبسها عنها.

    كأننا في هذا السفر نقرأ في حصار نقابة الصحفيين، واقتحامها، كأننا نرى الأمن الوطن وهو يعطل الصحفيين والمصورين عن أداء مهامهم، فيما يطلق كلابه المهجنة للادعاء بان الصحفيين خلطوا بين دورهم الحيادي، والتحموا بالمتظاهرين وساندوهم، دون أبن يدركوا أنه لا حياد في الحياة؛ فالاحتجاب موقف، والعنوان موقف، والسياسة التحريرية موقف، كل ما في الأمر أن موقف الصحافة المصرية الآن شديد النصاعة؛ فهو انتصار للحق على الواقع؛ فلسطين عربية هذا حق، تحتلها إسرائيل هذا واقع، ومهمة الصحفي هي إحداث التوازن، ولا يكون هذا إلا بالوقوف إلى جانب الحق؛ بالبحث عن (أولاً) وكشفه للناس، فلو قلنا: تظاهر شباب في الخامس والعشرين من أبريل 2016، دون أن نقول: “تنازلت القيادة السياسية الحالية عن جزيرتي تيران وصنافير” فنحن أمام واقع مقلوب.. ومن مهام الصحافة: أن تعدل المايلة.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا