أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [2] (أعراس برشتينا.. عرائس كثيرات وعريس واحد!!)

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

كانت المرة الأولى التي أُدعى فيها إلى حفل زفاف في برشتينا الجميلة، حاضنة الجمال، حيث الجبال الخضراء والطبيعة الساحرة والفتيات الحسان وعادة الزواج المبكر التي تجعل من الفتاة جدةً في بداية الأربعينيات. ركبنا السيارة في الضحى لأن مكان الحفل كان في قرية العريس في منطقة مرتفعة عن خارج العاصمة.

كانت التساؤلات التي أوجهها لزوجي عديدة، وكان لا يملك لها جوابًا. لماذا نذهب للعرس مبكرًا هكذا؟ هل سأبقى بالصغار هناك حتى الليل لأرى العروس؟. وكلما قطعنا الطريق وسط الجبل زادت حيرتي، وقلت: كيف يترك عبدالله المدينة الصاخبة بقاعاتها المزينة ويذهب ليقيم حفل زفافه في قرية نائية هكذا؟! فالولد يعيش في العاصمة هو وأسرته منذ سنين. ساعتان ووصلنا إلى المكان المحدد، لم نكن في حاجة إلى دليل، فبمجرد أن رآنا أحدهم أرشدنا إلى بيت عبدالله.

البيت في وسط بيوت كثيرة تحيط بها مساحات واسعة من الحدائق المرتبة، لكننا لم نعرف أي أهل للعريس كانوا في استقبالنا، ولا أي عروس نسلم عليها ظهرًا. مررت بفريق من المستقبلات بحفاوة في أناقة وجمال، ثم دخلتُ غرفة استقبال كبيرة، وما أن قلت لنفسي: ما هذا الجمال يبدو أن الحفل قد بدأ حتى دخلت على تسع عرائس في كامل زينتهن لا عروس واحدة، ضحكت وأنا أسألهن: هل هذا فرح جماعي؟ فقيل لي: لا، إنه فرح عبدالله فقط!.

ساعتها كان لا بد أن أصمت تمامًا، وأشاهد فقط بتأمل ما يحدث، وحدي أنا وسط هذه الغرابة، وزوجي عند الرجال هل أدق عليه لأسأله: هل يوجد عندك تسع من العرسان؟.

دقائق وهلت علينا ثلاث فتيات أخريات في كامل زينة العروس! دارت رأسي، وقررت أن أسأل أقربهن:

– هل أنت العروس (أيني نوسه)؟

– نعم أنا عروسة (أون يام نوسه).

– ومن هذه؟.

– هي أيضًا نوسه (أيا نوسه).

– ومن تلك؟!

– كلهن نوسات (أتوو نوسه).

انتبهت نوسة ذكية منهن أخيرًا لحيرتي، وشرحت لي الموقف:

– يا فاتيما، هنا في كل حفل زفاف جيد واجب على كل زوجة لم يمرّ على زواجها خمس سنين أن ترتدى ملابس عرسها، وتتزين، وتحضر كل حفلات الزواج في قريتها، وتكون عروسًا هي الأخرى، وحسب النصيب ربما يجتمع في الحفل الواحد عشرات أو أقل أو يزيد.

كان من الغباء أن أقول لها: لماذا؟! وكان من الغباء أيضًا أن أضحك، لكني انتهزت الفرصة لأعرف الأمر أكثر.

الساعة تشير إلى الواحدة، وأصوات السيارات زادت، وملأ الرجال الحدائق أمام البيت، وبدأت رائحة الطعام تفوح وتنتشر. الآن فقرة الغداء قبل الذهاب لإحضار العروس من عند أهلها.

قالت لي إحداهن إن القرية كلها عن بكرة أبيها تجتمع لتناول طعام العرس في الواحدة ظهرًا، ثم يذهب جميع الرجال بسياراتهم إلى قرية العروس التي تُقام عندها نفس المراسم لإحضارها من بيت أهلها.

غادر الجميع في الثانية تقريبًا. فجأة ظهر عبدالله مع والدته، فاقتربت منها وسألتها:

– لماذا لم يذهب عبدالله لإحضار عروسه؟!

فقالت الأم متعجبة من حديثي:

– لا يجوز! العروس يحضرها له أخواه ووالده وأعمامه وأخواله ورجال القرية جميعهم، ويتعهدون أمام أهلها وأهل قريتها -في عز الظهر- بأنهم جميعًا صاروا سندًا وعزوة لها نيابةً عن أهلها، وأنهم محاسبون عن أي تقصير يحدث معها.

وصلت العروس في الثالثة ظهرًا. استقبلتها كل عرائس القرية السابقات في قمة الدلال والجمال يضربن لها المثل في بقاء الزينة واستمراريتها مع كل يوم جديد. عزفت الموسيقى التراثية، ورقصت النسوة رقصاتهن المشهورة بالأيدي فقط مع تصفيق الجميع.

انتهى الحفل، وقبيل نهايته كانت والدة عبدالله قد أدخلتني غرفته لأراها. العربس له غرفة واحدة هنا مؤقتة حتى يتم العرس وسط الأهل جميعًا ووسط أهل العروس كذلك. ثم سنعود إلى العاصمة، وستكون له هناك نفس الغرفة أيضًا.

الزواج المبكر لا يسمح بأكثر من غرفة في بيت الأسرة، فجميع الإخوان يتزوجون في بيت واحد، ويتربى أبناؤهم في أسرة واحدة يحرم عليهم فيها زواج الأقارب تحريمًا تامًّا كحرمة المذكورات في كتاب الله العزيز، سواء بسواء!!.

في الساعة التي ذهب فيها رجال القرية لإحضار العروس جلست الأم الطيبة تحكى لي عن بعض عاداتهن وأعرافهن العجيبة.

في ساعة واحدة اكتشفت أن الكون واسع ومليء بالعجائب والاختلافات الإنسانية التي تحتاج في تأويلها إلى عشرات الكتب. اتضح لي في هذه الساعة كثير من التفسيرات التي كنت في حاجة إليها، فالجدات يقابلنني في المدينة في عز شبابهن وزهرة الحياة، والشابات يقابلنني في سن الجامعة بعربات الأطفال أو حقائب الروضة، والبنات والأولاد في العائلة الواحدة في خلوة واختلاط تام كالإخوان، سواء بسواء، مما كنت أنكره وأتعجب له أشد العجب، أما وقد علمت الآن أنهن محرمات عليهم كحرمة الوالدة والخالة والعمة فقد زال العجب، ومن الطرائف التي أذكرها أن جارنا المصري كان متزوجًا من ابنة خالته المصرية، فلما علم بذلك قال لزوجته “إياك أن تخبريهم بأنني ابن خالتك، فلربما قتلونا أو طردونا على الأقل!”.

في تلك الساعة رأيت كيف تعيش الزوجة سنوات زواجها الأولى تستعد لدور العروس تطوعًا حسب النصيب بكل سرور وسعادة. تعلمت كيف أنهم ضيقوا واسعًا باتساع دائرة التحريم في الزواج، ووسعوه في التيسير في المهور والتكاليف إلى درجة عجيبة. لقد زرنا بعدها عبدالله في بيته في العاصمة، وشاهدنا غرفته الوحيدة في بيت أسرته، وكيف أن العروس لم تُحضر أي شيء من بيتها سوى حقيبة ملابسها وبعض الهدايا البسيطة لأهل زوجها. الشباب في الهرم السكاني بهذه الجمهورية الإسلامية يتخطى حاجز الستين في المائة وذلك في وسط القارة الأوروبية التي يسمونها القارة العجوز.

الحياة هناك جميلة متجددة بكل تفاصيلها المبهرة.

في طريق عودتنا من حفل الزفاف الأول قلت لزوجي:

– لماذا حفلات الزفاف في بلادنا في آخر الليل؟

فرد عليّ قائلا:

– كل شيء في بلادنا ليل طويل وعادات مظلمة يا عزيزتي!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا