المركز القومي للترجمة في نزعه الأخير

0
د. سامي سليمان أحمد
أكاديمي وناقد مصري

ربما يعتقد القارئ أن حظ المركز القومي للترجمة أفضلُ من حظ غيره من مؤسسات الثقافة الرسمية في مصر؛ فقد جاوز عمره الآن السنوات العشر إذ أنشئ في عام 2006 تطويرًا للمشروع القومي للترجمة الذي نما، في الأصل، في إطار المجلس الأعلى للثقافة في ظل إدارة جابر عصفور. وربما يعتقد القارئ أيضًا أن قِصَر عمر هذا المؤسسة قد أعفاها من الرضوخ لسلبيات الإدارة والتوجيه التي تسيطر على مؤسسات الثقافة الرسمية في مصر.

ولكن مَن يراجع مسيرة هذا المركز ويتأمل النتائج التي أنجزها في مضمار الترجمة -سواء في مصر أو العالم العربي- سيكتشف أن اعتقاده الأولي الحسن غيرُ صحيح على الإطلاق؛ لأن شواهد التاريخ والواقع تؤكد أن هذا المركز كان -ولا يزال- يواجه مجموعة من المشكلات التي عجزت القيادات المختلفة التي تولت قيادته عن حلها، بل إن محاولات المواجهة التي قام بها المرحوم فيصل يونس ثم رشا إسماعيل قد تعثرت بسبب تعنت مجموعة من الموظفين والعاملين بالمركز الذين لجئوا إلى سلاح الإضراب والتظاهر لإيقاف تلك المحاولات، متصورين أنهم بهذا المسلك يدافعون عن حقوق مشروعة لهم، على الرغم من أن واقع الحال يكشف عن كونهم كانوا -وربما لا يزالون- يعملون على الحفاظ على مكتسبات كبيرة -يتشكك محللُ الواقع في كونهم مستحقين لهم- دون أن يبذلوا أي جهد حقيقي في العمل والإنتاج؛ بل إنهم كانوا ولا يزالون -في حالات متعددة- يؤيدون ويرحبون بمن يترك لهم الحبل على غاربه؟! ولعل ما يدلل على هذا ما يُروى عن أحد كبار موظفي المركز من أن هذا المركز لا يحتاج مديرًا له؛ إذ يكفي أن يقوم موظفوه وعماله بإدارته بأنفسهم؟! وهي مقولة لا تعبر -فيما نرى- عن رأي فرد يعمل بهذه المؤسسة، بل تعبر عن توجه عام لدى العاملين بها؛ بل إن مسالكهم العملية تؤكدها. وهذا يُعد -فيما نرى- نتيجة طبيعية لسوء التربية الوظيفية، وسوء الإعداد المهني، ورداءة الوعي الذي يسود أذهان هؤلاء الموظفين. ولعل ما يؤكد هذا مجموعةٌ كبيرة من الشواهد التي سترد في سياقات متصلة بتحليل بعض وقائع الحركة العامة في هذا المركز.

لقد تعاقب على إدارة هذا المركز مجموعةٌ من المديرين كانوا على النحو الآتي: جابر عصفور (أكتوبر 2006-يناير 2011)، فيصل يونس (يناير 2011-مارس 2012) وتولى خيري دومة تسيير أعمال المركز لمدة ثلاثة أشهر (إبريل-يونيه 2012)، وكاميليا صبحي التي تولت لمدة تسعة أشهر (يوليو 2012-مارس 2013) كانت تجمع خلالها مع إدارة المركز رئاسة قطاع العلاقات الثقافية الخارجية في عهد وزارة صابر عرب؟! ثم رشا إسماعيل (إبريل 2013-مايو 2014) التي دُبرت ضدها مؤامرة لإبعادها عن المركز ومنعها من إكمال تنفيذ مشروع تطوير المركز وتحسين كفاءة العمل به. وبعدها تولى أستاذ الفلسفة السياسية وصاحب عدد من الترجمات المتميزة أنور مغيث (يونيه 2014-يونيه 2015)، وتلاه شكري مجاهد الذي تولى لمدة أربعة شهور فقط (يونيه-سبتمبر 2015)، وأخيرًا عاد أنور مغيث في عهد حلمي النمنم في الرابع من أكتوبر 2015.

وهذا الرصد يكشف أن أنور مغيث، من بين هؤلاء، هو التالي لجابر عصفور من حيث طول مدة المكوث في إدارة هذا المركز الميمون. والسؤال الآن: بم وعد أنور مغيث منذ توليه إدارة المركز في المرة الأولى؟ وماذا قدم بالفعل؟

كان تولي أنور مغيث في أعقاب الإطاحة برشا إسماعيل تحقيقًا لمطالب مجموعة من موظفي المركز الذين كانوا يقفون ضد محاولة تطويره وتحسين أدائه، فكان من الطبيعي أن يسعى المدير الجديد إلى كسب ود هؤلاء الموظفين حتى يضمن ولاءهم له. ولهذا كرر في أكثر من مرة وفي أكثر من سياق انتقادَ مسلك رشا إسماعيل الإداري كما تشهد بذلك تصريحاته الصحفية المنشورة لا سيما عقب توليه مهام عمله للمرة الأولى في يونيه 2014. وكان بذلك يكسر أعراف العمل المؤسسي التي لا تتقبل الهجومَ الصريح على السلف من مديري المؤسسة التي يقوم المهاجم أو المنتقد بإدارتها. ولكن المفارقة ذات الدلالات أن أنور مغيث قد أفاد إفادات جمة من عدد من المنجزات التي صنعتها رشا إسماعيل، ثم روَّج لهذه الإنجازات على أنها من صنعه هو دون أن يفوه بكلمة واحدة عن صانعة هذه الإنجازات؟! ونشير هنا إلى ثلاثة منها، وهي: فوز المركز بجائزة خادم الحرمين في الترجمة لعام 2014 الذي صنعته رشا إسماعيل بالتعاون مع عدد من المخلصين من موظفي المركز؛ إذ تم إعداد ملفات تقدم المركز للجائزة من يونيه 2013 بعمل شاق ومنظم، وأُعلِن فوز المركز بالجائزة في مايو 2015. وحين نجحت مؤامرة إبعاد رشا إسماعيل عن إدارة المركز وحل أنور مغيث محلها ما كان منه إلا أن نسب الفوز بالجائزة لنفسه؟! ثم سافر إلى البرازيل في يناير 2015 ليتسلم الجائزة! وكانت رشا إسماعيل قد استطاعت بحكم تخصصها في دراسة الثقافة الإسبانية أن تُخصص جائزةً للترجمة من الإسبانية إلى العربية تحمل اسم الأديب “بارجس يوسا” بالتعاون مع كلية الألسن بجامعة عين شمس وسفارة إسبانيا بالقاهرة، وقد تم ذلك في إبريل 2014. وحين أصبح أنور مغيث مديرًا للمركز اكتفى بنسبة هذا الأمر لنفسه ليوهم الوسط الثقافي بتحقيقه إنجازًا لم يُسهم فيه وإنما كان يقطف ثمرة عمل غيره دون أن يصرح بمنجز الغير؟! وكيف يصرح به؛ فالتصريح به سيشكك في دعاوى موظفي المركز الذين ثاروا ضد رشا إسماعيل لسعيها إلى إصلاح المركز. وأما الأمر الثالث فهو ما أعلنه أنور مغيث من أن عام 2014 هو عام الثقافة العلمية ونسب الفكرةَ لنفسه دون أن ينتبه إلى أن هذه الفكرة كانت فكرة رشا إسماعيل التي دعت إليها وأعدت لها وأعلنتها قبل مؤامرة إبعادها عن إدارة المركز؛ إذ أعلنتها في الصحف في أكتوبر 2013. ولعل من الدال هنا أن أنور مغيث قد كرر عدة مرات انتقاد مسلك رشا إسماعيل الإداري مستغلا في هذا عدم سعيها إلى الرد عليه وساعيًا إلى اكتساب ود موظفي المركز الذين تآمروا ضدها. كما أنه انتقد أداء شكري مجاهد؛ وكأن انتقاد السابق واللاحق من مديري المركز أمرٌ لا حرج فيه إن صدر عن المدير الجديد الذي أُتِي به لحل مشكلات المركز المزمنة؟! ولعل هذا المسلك أن يكون مدخلا متصلا بمجموعة من القضايا الكاشفة عن طريقة أنور مغيث في إدارة المركز، وهي ما يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1- حين تولى أنور مغيث إدارة المركز للمرة الأولى أعلن أنه سيقضي على مشكلات النشر بالمركز المزعوم. وكان حصاد النشر خلال سنوات 2014-2016 على النحو الآتي: في نهاية عام 2014 أعلن أنور مغيث أن المركز أصدر في هذه السنة 300 كتاب، وطوال عامي 2015 وما مضى من عام 2016 حتى الآن -أي نهاية أغسطس 2016- أصدر المركز 330 كتابًا أيضًا؟ فما حقيقة هذه الأرقام وما دلالاتها؟ الإصدارات في عام 2014 لم تكن كلها نتيجة عمل أنور مغيث فقد تولى الإدارة في يونيه من ذلك العام، كما أنه حين تولى كانت رشا إسماعيل قد قطعت شوطًا جيدًا في مضمار التغلب على مجموعة من مشكلات النشر مما ترتب عليه دفعُ عدد كبير من الكتب للطباعة، وبعدما أخذت هذه الكتب، التي كانت قيدَ الطباعة بالمطابع، في الظهور تولى أنور مغيث إدارةَ المركز فما كان منه إلا أن نسب هذه الكتب إلى نفسه. وكان هذا يكفيه إنجازًا ليسجله باسمه لأنه لا يخشى من وجود مسئول أو رأي عام يسأله عن حقيقة هذا الإنجاز؟! ولعل ما صدر عن المركز في عامي 2015 و2016 يؤكد هذا فحسْبَ الأرقام المعلنة فإن ما صدر في هذين العامين -على الأقل إلى الآن أي نهاية أغسطس 2016- يزيد بمقدار 10% عن عدد الإصدارات لعام 2014 بكامله. وهي حقيقة دالة؛ إذ من المفترض أن يكون المدير، الذي وعد بالقضاء على مشكلات النشر، قد استطاع بالفعل تحقيق وعده، الأمرُ الذي كان سيترتب عليه زيادةٌ كبيرة في عدد الإصدارات، ولكن لأن الوعد لم يتحقق كانت النتيجة نقصَ عدد الإصدارات؛ ولو تأملنا دلالة صدور 330 كتابًا في عام وثمانية أشهر كانت الدلالات واضحة عما لا يُعد إنجازًا بأي مقياس من المقاييس، بل عن تراجع حاد من جانب، وعن عدم إمكان أنور مغيث القضاءَ على مشكلات النشر من جانب آخر؛ بما يؤكد أنه لم يفِ بما وعد به. ولكن ليس هذا الأمر وحده هو الذي يشخص حقيقة النشر في هذا المركز المسكين؛ إذ يتصل بمسائل النشر أيضًا ما أعلنه أنور مغيث، في إبريل 2016، عن إصداره كتابين مبسطين للشباب شهريا؟ فأين هذه الكتب؟ وهل أوفى أنور مغيث بما وعد؟ بل إن هناك عددا من الكتب التي يواجه إصدارُها بالمركز مشكلات طوال سنوات طويلة؛ ومنها على سبيل المثال كتاب “إبسن” بأجزائه الثلاثة وهو ملقى بالمطابع الأميرية من يوم 5/4/2005 دون أي حراك حتى أن العاملين بتلك المطابع الذين يعرفون أطرافا من حكاية هذا الكتاب يسمونه “القتيل”! وماذا أيضًا عن كتاب “رحلة بيجل” المكون من جزأين، وهو ملقى أيضًا بالمطابع الأميرية من يوم 24/1/ 2009 . فماذا فعل أنور مغيث لحل مشاكل هذه الكتب؟ وهل يعرف أمرها أصلا؟!

2- واصل أنور مغيث سياسة التمظهر بدلا من اتباع سياسة جادة تعالج المشكلات الحقيقية التي تعوق إنجاز المركز مهامَه على نحو مُرْضٍ يحقق النفعَ العام. فقد شرعت كاميليا صبحي، خلال إدارتها للمركز، تقليد عمل احتفال تحت مسمى “يوم المترجم” يتم فيه تسليم جوائز المركز للترجمة وتكريم بعض المترجمين. وواصل أنور مغيث السياسة نفسها فأقام الاحتفال بيوم المترجم قرب نهاية ديسمبر 2015 حيث دعا عددا من المترجمين من خارج مصر للمشاركة في هذا الاحتفال، كما منح موظفي المركز وعماله مكافأةً خاصة في إطار هذا الاحتفال. وبالإضافة إلى نفقات الاستضافة ومكافآت موظفي المركز وعماله هناك أيضًا نفقاتُ الاحتفال نفسه؛ مما يعني أننا إزاء ثلاثة مسارات لإنفاق مال عام في غير نفع حقيقي؛ إذ لا هدف لهذا الإنفاق إلا إقامة احتفال في مجتمع تئنُّ مشروعاته الثقافية من نقص التمويل اللازم لها؟! والسؤال هنا- من منطلق دولة مأزومة أزمةً فادحة في اقتصادها مما يضطرها إلى الاستدانة الدائمة سعيًا لتدبير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها- ما الذي يبرر دعوة مترجمين من خارج مصر لهذا الاحتفال؟ وما الذي يبرر أن تتحمل مصر ذات الاقتصاد المنهك نفقات سفر وإقامة هؤلاء المترجمين؟ وما الذي يبرر منح موظفي المركز مكافآت نظير هذا اليوم قد تصل جملتها إلى مائة ألف جنيه؟ هذا مع العلم بأن هذا المكافآت تتفاوت قيمتها تبعا لدرجة الموظف؛ مما يعني أن بعض كبار الموظفين يحصلون على عدة آلاف من الجنيهات نظير لا شيء أو نظير عمل محدود القيمة والأهمية. فمن الذي أتاح لأنور مغيث عمل هذا دون مساءلة ودون توجيه إلى ضرورة إنفاق هذا المال في حل بعض مشكلات المركز لا في أمور شكلية لا تضيف شيئا ذا قيمة إلى واقع بائس صنع بؤسَه هؤلاء الذين لا يدركون ضرورةَ الحفاظ على المال العام. سامحهم الله!

 ومن الغريب في هذا الأمر أن أنور مغيث قد أعلن أكثر من مرة في أحاديثه الصحفية ضَعْفَ الميزانية المخصصة لترجمة الكتب بالمركز. وهو محق في هذا تماما. ولكن من الطريف أن مدير المركز الذي يدرك جيدا هذا الوضع المؤسف يعمل على إنفاق جزء من المال العام في أمور شكلية لا علاقة لها بالمهام الأساسية لهذا المركز؛ فهو بذلك يزيد هذه المؤسسة اعتلالًا على اعتلالها المزمن الذي لا تستطيع البرءَ منه؛ على الرغم من أن أنور مغيث أتى منذ البداية طبيبا لمعالجة هذا الاعتلال؟!

3- يعاني المركز نتيجة لرداءة إداراته منذ إنشائه من مشكلة تخزين الكتب؛ فهناك عشرات الآلاف من إصدارات المركز المحفوظة بمخزنه في مدينة 15 مايو والتي أصاب قدرا منها الضررُ بسبب سوء التخزين وسوء التوزيع. ومن الغريب في الأمر أنه في ظل إدارة أنور مغيث وُضعت كميات كبيرة من إصدارات المركز في مدخل المركز لشهور طويلة تزيد على الستة مُعرَضةً بذلك للإهمال. وهذا الوضع المؤسف يثير السؤال: ماذا فعل أنور مغيث لحل مشكلة تخزين الكتب؟ وهل ابتكر حلولا للقضاء عليها؟ وهذه المشكلة لها وجه آخر يتصل بالتوزيع؛ فهل وضع أنور مغيث حلولا لمشكلة توزيع كتب المركز؟ وهل فكر في عمل لجنة من المختصين والخبراء لبحث مشاكل تسويق كتب المركز أم أنه يكتفي بإصدار الكتب ورصِّها في مخازن سيئة ربما تفتقد شروط التخزين الصحيح متصورا أن مهمة المركز هي الاكتفاء بإصدار الكتب والحديث عن أرقام غير دقيقة للإصدارات؟! ولكن من الطريف أن يعرف القارئ أن أنور مغيث قد أقام احتفالا في مارس 2016 وذلك بمناسبة مرور ست سنوات على إنشاء مكتبة بيع إصدارات المركز، وهذا ما يعد إنجازا بكل المقاييس؛ فبدلا من حفظ الإصدارات في مخازن ملائمة يتم الاحتفال بمرور ست سنوات على افتتاح مركز البيع بالمركز؛ فأين مسارات التوزيع الأخرى التي وعد أنور مغيث، في أكثر من حديث صحافي، بالعمل على إيجادها؟! أم أنه اكتفى بحضور وزير الثقافة حلمي النمنم هذا الاحتفال لمباركة إنجاز أنور مغيث في التصريف المحدود جدا لإصدارات المركز؟!

4- يقتضي دوام أية مؤسسة في العمل الحرصَ على تجديد آلاتها وتحديثها باستمرار، ولكن هذا يجب أن يتم في ظل إدارة رشيدة تحقق هذا الهدف مع حفاظها الدقيق على المال العام حتى لو كان ذلك المال مليمات قليلة؛ لأن هذه المليمات القليلة ستكون -بحسن التخطيط والإنفاق- عناصر في أبنية كبرى. وقد جرى المركز القومي للترجمة على سنة غير حميدة تتمثل في تجديد أجهزة الكمبيوتر في المركز كل فترة. وهذا أمر يتكلف مئات الألوف من الجنيهات دون أن يتم على نحوٍ يحفظ المالَ العام ويضعه حيث ينبغي أن يوضع. فما مبرر تجديد هذه الأجهزة كل فترة ما لم تكن ثمة حاجات ضرورية يحققها هذا الأمر؟ وما الذي يبرر قيام المركز بتجديد جهاز الكمبيوتر الخاص بمصممة الجرافيك ب 42 ألف جنيه سنويا؟

5- من تمام إساءة إدارة أية مؤسسة أن يوضع الموظفون في أماكن وظيفية لا تؤهلهم قدراتهم للمكوث فيها، وأن توكل إليهم مهام لا يملكون الحدَّ الأدنى من المقومات التي تجعلهم قادرين على الوفاء بمتطلبات تلك المهام. وفي ظل إدارة أنور مغيث للمركز القومي للترجمة أسند إلى موظفة مهمةَ الإشراف على المكتب الفني المختص بتلقي مقترحات المترجمين لترجمة كتب من أية لغة وعرضها على لجان المركز ومتابعة عمليات ترجمتها وإصدارها. ومن الغريب أن لا تجيد هذه الموظفة المسئولة عن المكتب الفني أيةَ لغة من اللغات الأوربية؟ بل إنها كثيرة الخطأ في الكتابة بالعربية فضلا عن أنها لا تجيد استخدام الحاسب الآلي؟ ولكن من حسن حظها ألا يُكتفى بإشرافها على المكتب الفني بل تضيف إليه أيضًا عضويتَها في وفد رسمي من المركز ضم أنور مغيث وموظفة أخرى من إدارة حقوق الملكية الفكرية، وقد سافر هذا الوفد الثلاثي إلى موسكو، في مارس 2016، لعمل اتفاقيات بشأن ترجمة مجموعة من المؤلفات الروسية إلى العربية. فكيف سافرت موظفة بهذه القدرات السلبية ضمن هذا الوفد؟ وهل من اللائق أن تكون موظفة لا تمتلك أية مهارات أو قدرات عضوا يمثل المركز القومي للترجمة في مباحثات للتعاون الدولي؟!

6- شهدت عملية تسجيل حضور وانصراف موظفي المركز وعماله محاولةً لضبطها خلال إدارة المرحوم فيصل يونس الذي أحضر جهازا آليا لتحقيق هذا الهدف. وفي ظل إدارة أنور مغيث للمركز حدث تهاون شديد في هذا الأمر وتم رفع هذا الجهاز فأصبح الموظفون والعمال يحضرون متى شأوا وينصرفون متى شأوا كذلك؟! ولا يخفى أن منهم من يتغيب أياما ويكلف زملاءه بالتوقيع نيابة عنه؟! ولا يبدو أن هذا الأمر على ما فيه منفصلٌ عن مسلك أنور مغيث نفسه بوصفه مدير المركز؛ فطوال عمله في إدارة المركز سافر كثيرا إلى الخارج لأمور متصلة بالمركز أحيانا ولأمور خاصة بعمله هو وعلاقاته ببعض الجامعات الأوربية دون أن يكون هناك نائب للمدير يتولى تسيير أعمال المركز، وكيف يحتاج المركز مديرا أو نائبا له وقد بينتُ في بداية هذا المقال أن موظفي المركز يرون أنهم ليسوا في حاجة إلى مدير؛ فهم بأنفسهم قادرون على إدارة هذا المركز المنكوب؟! وهل كان أنور مغيث يتقاضى راتبه كاملا من المركز خلال تلك الأسفار “الخاصة”؟! هذا سؤال يجول بخواطر الحريصين على المال العام ويودون لو حصلوا على إجابة شافية له.

7- مع التقدم المذهل في وسائل الاتصالات على مستوى العالم كله أصبحت إمكانات التواصل بين دور النشر في المجتمعات المختلفة تتم بشكل أسرع من قبل كما أنها لا تكلف إلا القليل من المال. لكن ما العمل في مؤسسة حكومية تدار بعض أمورها خارجَ منطق اللحظة؛ إذ يقوم المركز القومي للترجمة في عهد أنور مغيث بإرسال موظفتين من إدارة الملكية الفكرية إلى معرض فرانكفورت للكتاب لاختيار مجموعة من الإصدارات الجديدة والتعاقد على ترجمتها لصالح المركز. ويتكلف هذا الأمر قيمة تذاكر السفر ونفقات الإقامة مضافا إليها بدلات السفر التي تُصرف بالدولار. أي أننا إزاء وجه من وجوه إهدار المال العام بطريقة ثلاثية؛ فهذا العمل يمكن إجراؤه عبر الاتصالات التي لن تكلف أية مؤسسة حكومية إلا القليل من المال. ولكن ما العمل إذا كنا بإزاء نمط من الإدارة التي لا يعنيها كثيرا التوفيرُ في المال العام وضبط إنفاقه؟!

8- تخرج إصدارات المركز محملةً بكم كبير من الأخطاء اللغوية والطباعية التي تجعل القارئ يفقد ثقته في جدوى هذه الإصدارات. ولطبيعة المقام سأكتفي بإحالة القارئ إلى كتابين من إصدارات المركز في عام 2015 وفي ظل إدارة أنور مغيث كما هو ثابت على الأغلفة الداخلية لهذين الكتابين وهما: (السرد والهوية: دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة) و(بين الصحافة والأدب: النهضة عند إبراهيم المويلحي ومعاصريه). فحين يقرأ القارئ هذين الكتابين سيلحظ بأقل جهد وجودَ قدر ملحوظ من الأخطاء اللغوية والطباعية في هذين الكتابين، وسيلحظ أيضًا أن بعض هذه الأخطاء أخطاء مضحكة لا سيما في الكتاب الثاني لأنها دالة على افتقاد عملية إخراج الكتب إلى عمل يقظ يهدف إلى إخراج الكتب في صورة دقيقة تحفظ للمؤسسة الثقافية سمعةً علمية طيبة. وليس هذان الكتابان إلا نموذجين لما يمكن أن يلتقطه قارئ إصدارات هذا المركز من أخطاء متعددة تجعل القارئَ مشغولا بتصويبها بدلا من سعيه إلى القراءة والإفادة مما تقدمه هذه الإصدارات التي يُنفق عليها من المال العام. ولعل وجود أخطاء ملحوظة سواء في إخراج إصدارات المركز أو لغتها دال واضح على فشل بيِّن في قيام هذا المركز بمهمته؛ فهل يكلف هذا المركزُ البائس قراءَ إصداراته بتصويب أخطائها بدلا من قراءتها والاستفادة من أفكارها؟! إن هذا التكليف الضمني لهوَ مهمةٌ وطنية جليلة على أية حال؟!

 وعلى الرغم من سلبيات إدارة أنور مغيث للمركز القومي للترجمة فقد مدَّ له وزير الثقافة حلمي النمنم مدة إدارته عدة أشهر بعد أن بلغ أنور مغيث سنَّ التقاعد في مايو الماضي. وهو أمر يعني- فيما يعنيه- أن تظل سلبيات إدارته باقية وراسخة، وأن تظل المؤسسة الرئيسية المعنية بالترجمة في مصر في حالة من الركود وضعف المنتج النهائي الذي تقدمه للقارئ المصري والعربي. لقد ظلت هذه المؤسسة تعاني – منذ إنشائها- من مشكلات كثيرة، كما ظلت هذه المشكلات تتراكم وتضاف إليها مشكلاتٌ جديدة. وقد وصلت هذه المؤسسة الآن إلى وضع محتضِرٍ يعيش لحظة نزعه الأخير؟! فهل من مغيثٍ يقيل تلك المؤسسةَ من وضعيتها المحزنة تلك وينير ليلَ ظُلمتها بأنوار حقيقية تضيف للعقل المصري والعربي ما يبرأ به من أدوائه المستعصية؟!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا