أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [3] (“الحجر الناري” وقلوب “الجبل الأسود” البيضاء)

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

كانت أقسى ساعات البرودة، وأكثرها شدةً وحدةً، وأكثرها انخفاضًا في درجات الحرارة، وأقربها إلى التجمد؛ ساعات ما قبل سقوط الثلج على مدينة بودجوريتسا (عاصمة الجبل الأسود). كنا كلما مر علينا هذا الجو قلنا: “فليسقط الثلج الآن، فليسقط الثلج علينا”، رغبةً في انتهاء هذه الموجة القاسية. كان الجميع حين يستشرفون قدوم هذا الشتاء القارص يتأهبون له، ويُعدون العدة لاستقباله، كلٌّ بطريقته، فالثلج ينهمر أيامًا متواصلة بغير انقطاع، والشمس تُعلن احتجابها شهورًا طويلة، إلى أن يرث إبريل الأرض بسلام من ذلك الديسمبر ورفاقه.

وكان الذين يسكنون سفوح الجبال ومدارجها وتعرجات الهضاب، هم أشد الناس تأثرًا بتلك الشهور القاسية، فتراهم حين تشتد تلك الموجة يهبطون منكمشين في معاطفهم الثقيلة إلى أسفل الوادي ثم يعودون وقد تزودا له بالطحين والملح والسكر، وكل ما يُفتقد حول بيوتهم أعلى المدينة، فلربما عاشوا شهورًا دون النزول من محيطها. كذلك كان يفعل سكان المدينة من قبلهم، وكنا نفعل مثلهم، كما كنا أكثر خوفًا من تلك التجربة الجديدة التي تمر بنا، فهي درجات منخفضة من الحرارة لم نعهدها في بلادنا أو البلاد التي أقمنا فيها ومررنا بها، فدرجات الحرارة هنا تنخفض إلى عشرين درجةً دون الصفر أو أكثر، وفضلا عما نتزود به من خبز ولبن وطحين وما شابه ذلك مما يتزود به الناس، فقد كنا لا نستطيع الاستغناء عن شيء مهم جدًّا وهو “الحجر الناري” الذي كنا نعول عليه كثيرًا في اشتعال النار في أحطاب مدافئنا، ذلك الحجر الناري المكعب الصغير الذي لم أهتم يومًا بمعرفة مكوناته كاهتمامي بشرائه وإخفائه كل يوم بعد استخدامه عن عيون الصغار الذين كانوا يستمتعون بقذفه وسط النيران المشتعلة فيلهون قليلا في ساعات حبسهم الطويل، وقد كان سببًا في اشتعال النار والتهاب جذوتها، تلك النار التي لولا شعلتها ودفئها لما أكلنا ولا شربنا ولا أقمنا في تلك البلاد البعيدة.

ها هي الشمس بأشعتها الذهبية الثمينة ودفئها المحبب الآسر قد اختفت منذ يوم أو بعض يوم، وها هن جاراتي المخلصات ينادينني أن تزودي بما شئتِ قبل سقوط الثلج، فقد مضى عهد الصيف يا “فاتيما”، وها هي جارتي الخلوقة “مريمة” تناديني لنذهب إلى البازار معًا لنتزود من حاجيات البيت. كنتُ حين تناديني بهذا أظن أنني لن أعود أزورها أو تزورني بعد هذه العبارة طويلا وهي التي تناديني كل صباح لأشاركها وأم زوجها القهوة، وهي التي تُناديني مساءً لأتمشى معها هي وباقي الجارات بالساعات تريضًا وتسرية للنفس حول المدينة، وهي التي تقطف الرومان والكيوي والعنب من حديقتها وتناديني لتعلمني كيف أخزنه من غير أن يفسد، وكيف أضع تفاحة خضراء وسط ثمار الكيوي اليابسة فتنضج صباحًا، وهي التي تناديني حين يزورها أهلها لأجلس معهم. أشاركها تلك الساعات الحميمة، وكأنها تتعمد تعويضي عن حرماني من الصديقات العربيات، قائلة: “من يزورك في المدينة!!”.

ابتسامة “مريمة” وتواجدها حولي وهي التي لا يفصلني عنها إلا حائط ذو جدار واحد عوضتني عن عدم وجود شبكة “واي فاي” في البيت وما حوله، وانعدام وجود ولو أسرة عربية واحدة غير أسرتنا في الجمهورية كلها، فقد كان زوجي -له الله- هو أول عربي يدخل المدينة بعد استقلالها عن بلجراد ثم نحن من بعده.

كنت أترقب قدوم الربيع، وأعد الأيام التي تفصلني عنه، وأحتسب حبستي وصغاري من نوفمبر عند الله.

كانت “مريمة” ترتدي البناطيل الجينز والبلوزات القصيرة، وتدخن السجائر مع القهوة، لكنها كانت تصوم رمضان والأيام البيض المشهورة في السنة، ولا تعرف القراءة في المصحف، ولا تحفظ سوى سور قصيرة تُقيم بها الصلاة حين تدربت عليها أخيرًا. كانت نموذجًا لكل نسوة المدينة في الإحسان إلى الجار، وصلة الأرحام، والتواضع، وكنس الطريق، ورمي القمامة، وزرع الزهور في محيط البيت، والابتسامة في وجه الجميع ليل نهار.

ومع كرهي لدخان السجائر، فقد كان صدري يتسع لدخان سيجارتها مع القهوة، كما كان قلبها يتسع لكل من حولها. لمست في قلبي حدبًا عليها، وعدم نفور أو امتعاض من تصرفاتها، ووجدت نظرتي تَسَعُ تصرفات مَن حولي، وتتأمل فيها، من غير الوقوف والتشدد أمام ما يلبسون وما يفعلون، فالتغير سنة كونية، والله يتولى العواقب، هو أعلم بمن اتقى.

الجميع هنا مستبشرون، على عكس ما لاقوه في سالف أيامهم، فمسلمو هذه البلاد منذ أن رحلت عنها جيوش الدولة العثمانية وسقطت الخلافة صاروا وجهًا لوجه أمام الغول الصربي الذي انقض عليهم كما ينقض الكاسر على فريسته الضعيفة، انتقامًا من إسلام الكثيرين. كانت الحرب التي شنها صرب يوغوسلافيا على أهل الجبل الأسود تختلف عن باقي حروب البلقان (حروب البوسنة وكوسوفا الشهيرة)، فالحروب الأخرى كانت تهدف إلى تهجير المسلمين تحت ضغط القتل والاغتصاب وحرق البيوت والمساجد، ومثل هذه الفظائع تتم في الحروب العرقية، وربما تحدثنا عنها لاحقًا. أما هنا في الجبل الأسود فقد بدأت الحروب بهدف تنصير المسلمين وإدخالهم قسرًا في المسيحية الأرثوذكسية الشرقية التي يعتنقها أهل يوغوسلافيا من الصرب السلافيين، وهم نفس عرق السلاف من سكان روسيا أيضًا. كانت تلك الإجراءات الممنهجة تتمثل في ذبح الأئمة صباح كل عيد أضحى، وسحلهم في طرقات المدن، وإغلاق جميع المساجد أو حرقها وهدمها إن لم تكن أثرية، وجمع المسلمين ممن يُظهرون ما يدل على إسلامهم في طوابير طويلة، ومن ثم يُذبحون على مرأى ومسمع باقي سكان المدينة. أيضًا كانت هناك قوات “الكومونا” التي يتم اختيارها بدقة فائقة لتقوم برصد أي مسلم لا يزال متمسكًا بأي شعيرة من شعائر الإسلام، فيتم القبض عليه ليوم الذبح الأكبر، وذاك لإصراره على البقاء على الدين العربي.

نعود إلى المدفأة لعلها تنسينا قسوة ذلك التاريخ.. فقد تحلّقنا حول المدفأة، وملأنا الأدراج بالحطب كي تخرج منه الرطوبة، واشترينا الحجر الناري الذي يُساعد في عودة اشتعالها إذا ما أخذتني نومة طويلة -لا قدر الله- وانطفأت المدفأة. ذات مرة نفد ذلك الحجر الصغير، واقترب موعد الغداء، وسهوت عن المدفأة، ونمت ساعة كاملة في الضحى، فخبت النار، وبرد السطح الفولاذي الذي كنت أعد الطعام والشراب عليه، فحملت الدرج الحديدي الذي يكون أسفلها يسقط فيه الرماد، وخرجت به لجارتي مريمة، واستعرت من مدفأتها جذوة من نار، وعدت بها إلى مدفأتي مسرورة، ووضعتها فيها فاتقدت النار وازداد لهيبها. كانت النار بالنسبة لي في تلك المدينة مصدر الأمن والسكينة، وكانت مراقبتي لها من زجاج المدفأة مراقبة الخاشع الذليل مليئة بالتناقض، لا سيما وأنا أتلذذ بحرق الأشجار التي طالما حدثتها بالتسبيح والذكر، كما كانت موعظة لي من نار جهنم التي لم يفارق لساني الاستعاذة منها وأنا أمام المدفأة.

للنار في المدفأة صوت هادئ مع مصاحبته لذلك الهدوء الشتوي الذي يعم البيت. ولو خبت النار وخفت الصوت اضطرب الجميع وحدث هرج حتى يعود ذلك الصوت إلى عزف لحنه الدافئ. وللنار فرقعة عالية حين تلتهم حطب الأشجار لا تزال لها في مسمعي صدى.

أما الثلج فكان سقوطه بالليل كثيرًا، وكانت السحب كأنها كتل متجمدة من الثلج معلقة في السماء تحجب الشمس والهواء، فتصبح المدينة صندوقًا محكمًا من البرودة التي تضرب الأوصال حتى العظام، وكنا نخاطب السحب متوسلين:

– “ثناثري وتفرقي بعيدًا عن هؤلاء المساكين علّ شعاع الشمس ينفذ إلى مسام جلودهم فتصيبها ببعض الدفء ولو كان قليلا”.

نعم، كانت الشمس في تلك المدينة هي المعشوقة الكبيرة، فهي أمل المساكين الذين يعملون في الحقول وينتظرون أشعتها كي يزهر النبت ويخضر، وهي حبيبة الأمهات اللائي ينتظرن شعاعها لأجل عظام صغارهن، وهي صديقة المرضى والضعاف الذين يجدون في دفئها بعض العافية.

قلوب سكان المدينة بيضاء تمامًا كلون الثلج الذي يكسو المدينة في الشتاء، ثُلثاهم من الصرب الأرثوذوكس، وثلثهم مسلمون سنة، وبعضهم من أبناء المذبوحين الذين وقفوا في طوابير للذبح تشبه طوابير الخبز والمصالح الحكومية في بلادنا، لكن مشاعر الثأر لا تعرف إلى قلوبهم سبيلا.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا