أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [4] | كوسوفو أرض النشاط والجمال

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

ها هي أصوات المكانس صباحًا لا ترقب نائمًا ولا غيره. وها هي روائح منظفات السلالم وملمع الزجاج والنوافذ تملأ الجو فتستنهض الكسول وتحرك القاعد. وها هي روائح فطائر (البوريك) الطازج تملأ هواء السابعة صباحًا، فتحرك الجميع لإعداد مثله.

وداعًا أيها الكسل، وتبًّا لك “نوم الضحى” الذي طالما تغنى بك الشعراء العرب مقرونًا برفاهة الأنثى، ولا أدري السبب.

العاشرة صباحًا هنا لا تأتي إلا وقد رتبت النسوة بيوتهن، ولمعن النوافذ، وسقين الأزهار، وأعددن الطعام، وقبل هذا كله تزينت كل امرأة وارتدت ملابسها التي تمكّنها من الخروج في أي لحظة.

هنا لن تجد ولدًا يحمل القمامة عن أمه أو أخته بحجة العيب أو الذوق كما يتحجج العرب، وهنا لن تجد امرأة تخجل من حمل طنجرة كبيرة أو صينية ضخمة بين يديها لجارتها أو لأحد الأفران.

هنا لن تدخل بيتًا تجد فيه أكوابًا مكدسة في دواليب مزركشة ثم تجد مطبخًا يخلو من غسالة المواعين الكبيرة كبيوت العرب.

هنا لن ترى امرأة واحدة ترتدي قطعة من ذهب ولو كانت خاتمًا ولديها قطعة واحدة من أثاث أو حاجة من حاجات البيت قديمة أو تحتاج إلى صيانة كبيوت العرب.

في مدرسة الضحى لن تجد من يتشاجر على كنس السلالم، ولا من تستحي من تنظيف أمام بيتها.

كان تجمع الجارات صباحًا ليشربن القهوة في تمام زينتهن وإشراقهن يذكرني بمشهد ثمار اليقطين العسلي بلونها البرتقالي المشمس الذي يشبه وجوههن من حولي.

****

كان الليل هنا لباسًا والنهار معاشًا بحق، وكنت أحسب مرد ذلك الوضع الغريب إلى انقطاع الكهرباء المستمر بعد الحرب، حتى إذا مرت الشهور وأنا فيهم تبين لي أنها من موروثاتهم المتجذرة التي لا يحيدون عنها قيد أنملة، فما إن تأتي التاسعة ليلا حتى يهرع الكل إلى بيته منتظرًا صباحًا جديدًا.

كانت القوات الدولية التي تُسيِّر شئون إقليم كوسوفو بعد أن دُحرت عنه القوات الصربية، تتألف من جنسيات مختلفة تنتشر في فرق تتوزع على طول البلاد وعرضها، أنَّى سرت رأيت مركباتها في كل مكان من حولك، ورغم كونها في النهاية معدات حربية إلا أنها كانت مصدر أمن وسلام للجميع.

ها هي شهور الحرب الطويلة قد انتهت وعاد الناس إلى بيوتهم المحروقة ومزارعهم المدمرة يرفعون الحطام ويعيدون البناء، وها هي المقابر الجماعية تُكتشف يومًا بعد يوم، ويُعاد دفن الموتى وتوجيههم ناحية الكعبة بعد إخراجهم والتعرف عليهم. كنت أعرف هذا من الأسلاك التي كانت تُحيط بالمكان المحفور حين أمر عليه، وبعدها توضع الصور المختلفة الأعمار مطبوعة على لوحات من الرخام الأسود تُزيّنها باقات الورد المصنوع فوقها كي تبقى طويلا تعطي مسحة جمال.

كان الجرح لا يزال يتجدد كل يوم، وصدمة القتل والدمار بادية على الوجوه الجميلة. وما زلت أرى كل يوم حركة تعميرية واسعة وأملا باسقًا يتجدد كل صباح، ونفوسًا راضية بقدرها.

كانت الحرب التي شردتهم إلى الحدود، وقتلت منهم مائة ألف أو يزيد حربًا عرقية دينية، وكان الناس لا يسخطون على عرقهم أو دينهم، وإنما السخط كل السخط على العدو حين باغتهم ذات صباح بنيرانه بعد تعايش دام عقودًا طويلة، لكنها كانت رغبة الانتقام من معركة كوسوفو الشهيرة الذي انتصر فيها السلطان مراد الثاني عليهم، وأخرجهم من البلقان مطرودين شر طردة.

وحين تعمقتُ في معرفتهم أكثر وأكثر، ووجدت جهلا واسعًا بالدين، وتمسكًا قويًّا بالموروثات الشعبية التي تميزهم عرقيًّا عن غيرهم؛ كنت أُشفق عليهم أكثر فأكثر، كانت الخمور تُباع في كل دكان ولو كان صغيرًا، وكان لحم الخنزير في كل سوق ومطعم، وكانت مظاهر العري تبدو واضحة في المدينة، وكانت المعرفة بتفاصيل الدين قليلة وبسيطة للغاية.

كانت الصلاة يؤديها فقط الأئمة وكبار السن، وكنت أتعجب لماذا يتمسك هؤلاء بدينهم ويواجهون كل هذه المصاعب والأهوال؟! كان صوم رمضان علامة بارزة في حياتهم، وكانت إقامة الصلاة في المساجد حتى لو كان المصلون صفًّا واحدًا، ومراسم الجنازة وعقود الزواج وأسماء الناس وألقابهم تكفي لأن تجعلهم مسلمين في نظرهم ونظر الغرب الذي يراقبهم متعجبًا.

وكان تكافلهم العجيب كفيل بأن يجعلهم مسلمين في نظري؛ وكانت الدهشة من ذلك الجهل المتفشي تتلاشى يوميًّا من القصص التي كانت تحكيها لي جارتي (مهيه) التي عملت سنين طويلة ممرضة في مستشفى بني غازي في ليبيا، فكانت تتحدث اللهجة الليبية بطلاقة، وكان من حظي الحلو أن جاورتها مباشرة في أول عهدي بالعيش في تلك البلاد. كانت سعادتي بمعرفتها لا تُقدر بحال، فالكهرباء هنا غالبًا مقطوعة، ولا شيء يسمى إنترنت في هذه البقعة من الأرض.

كان الرجال ينهضون كل صباح يجوبون البلاد طولا وعرضًا، ينشغلون في إحصاء ما دمرته الحرب وإغاثة المحتاج، ونحن في بيوتنا نرعى الصغار، وكانت مراقبة الجيران كل صباح بمثابة مدرسة كبيرة وسياحة ممتعة.

رأيت من (مهيه) حفاوة بأهل زوجها وجيرانها كغيرها من جميع النساء هنا. تحريم زواج الأقارب جعل الخلافات بين العائلات معدومة، كانت الرحم موصولة، والأمهات مبرورة، تأكدت من جارتي أن دور المسنين التي تعج بها أوروبا منعدمة الوجود هنا تمامًا، مع أن الناس هنا معمرون للغاية. وجدت تعاون (مهيه) مع زوجات أشقاء زوجها كتعاون الشقيقات في كل شئون الحياة بمنتهى الحب والرحمة، وكنت أقارن ذلك بقصة عجيبة في بلادنا قرأتها عن سيدة كانت تضع الملح في طعام زوجة أخيها، كما كنت أتذكر الجيران الذين لا يتكلمون بالشهور حين كنت أراقب جاراتي يوميًّا وهن يشربن القهوة معًا. وفي الوقت الذي يحرمون فيه البنات من الميراث نهائيًّا ويميزون الرجل عليها، كان الرضى في عيون البنات لا ينقطع أبدًا، والعطاء والحب يشب في نفوسهن ويفيض على من حولهن؛ وكنت أرى الله عز وجل قد أفاض عليهن جمالا لم أرَ له مثيلا في الخُلُق والخِلقة معًا.

مرت سنوات، وبنيت المساجد ثانية بجهود المحسنين العرب وأثرياء الخليج، وأقبل الناس على بيوت الله أكثر. كانت الكنيسة الكبرى في وسط العاصمة برشتينا والتي بنتها القوات الصربية بمجرد أن احتلت العاصمة عام 1999 خاوية على عروشها لم يدخلها أحد، بنوا الكنيسة بعد أن حرقوا المساجد، فعادت المساجد تقيم الصلاة، ولم يدخل الكنيسة أحد.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا