أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [5] | عيد ميلاد بطعم الحادي عشر من سبتمبر

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

“يا لك من يوم مشرق على غير عادةٍ منك يا سبتمبر!”..

هكذا قلت لصباح الحادي عشر من الشهر وأنا أزيح الستائر عن النوافذ صباحًا فَرَحًا بضوء الشمس، وقد تذكرت دعوة صديقتي لحفل عيد الميلاد الأول لصغيرها. وهكذا -كعادتي- كنت أحاور الليل والنهار وأكلم الشهر، وأكيف لا أحاور سبتمبر وقد أقبل ومعه البرد والخوف؟! وكيف لا أحدث الأيام وقد علمتني الحياة في تلك البلاد البعيدة عن الأوطان، ووسط صعوبة الاتصال وندرته حينها، أن أتحدث إلى الأيام ولياليها، وأن أنادي الشهور باسمها تلطفًا ومؤانسة لعلها تمر سريعًا، أو تحمل في طياتها البشرى.

كان ذلك اليوم مبشرًا من أوله إلى آخره، فالشمس من جهة كانت شمسًا ربيعية، والحفل في آخر النهار كان سيضم بعض العائلات العربية، وهذه بشرى وحدها، فنحن هنا في برشتينا العاصمة 2001 مغتربون بحق قبل نهضة الاتصال، وقبل أن يهتدي مارك لمشروعه العبقري الذي جعل أغلب الناس يتواصلون ليل نهار مع أصدقائهم دون جهد، وكنا نجتمع في ظل صغار نحملهم وآباء مشغولون بأعمال لا تنقطع، والطرق غير المستوية صعودًا وهبوطًا ليست بالأمر الهين، وسلامة الوصول تحتاج إلى حفل وحدها.

كان السلام بيننا دافئًا، والأمل في الغد يتسع لضحكاتنا. فكل واحدة تحكي عن أحوالها في تلك البلاد الجميلة، وأين وصلنا في تعلم اللغة، فالناس هنا يستخدمون اللهجة الكوسوفية استخدامًا كاملا، حيث يكتبون كما يتحدثون، ويقرءون مثلما يتكلمون، مما جعل الحياة حولنا ناديًا كبيرًا للمحادثة، فانطبعت تلك اللهجة في نفوسنا لشدة حاجتنا للتواصل من ناحية، وشفقتنا على أهل البلاد من ناحية، فكان أن انطبعت اللهجة في الوجدان حتى صرنا نحلم بها.

كان حديثنا عن أحوالنا ومشاهداتنا العجيبة في المنطقة، وعن النشاط العجيب الذي حل بنا فأرق مضاجعنا، وتلك العادات العجيبة في الزواج والوداد وصلة الأرحام، وعن أحلام السفر القصير إلى بلادنا التي لولا أهلنا فيها وقسوة البرد هنا ما شكونا لحظة من غربة، فقد كنا نعيش في طبيعة ساحرة. اللون الأخضر فيها يتفجر من كل مكان، حتى الجبال الشاهقات تعج الأشجار الضخمة في كل شبر من صخورها، وكنت أتطلع إليها حين مروري بها في رحلاتنا من مدينة إلى أخرى حين يصطحبني زوجي معه في عمل أو في رحلة برية أو نزهة جبلية، أو في زياراتنا المتكررة للمشفى الإماراتي. وقد أُقيم هذا المشفى بعد الحرب على كوسوفو، وكنت أتردد عليه كثيرًا لوجود طاقم أطباء عربي أضع بين أيديهم أبنائي الذين كانوا من الزوار المرضى الدائمين للمستشفى. كان الطبيب السوداني الماهر وازدحام الناس أمامه يزيح عن نفسي كثيرًا من الألم حين يتباهون بأن أمريكا والناتو هم من حرروهم من قبضة الظلم وطردوا الصرب عنه. كانت صور الشيخ زايد تملأ المكان، وكان بجوار المشفى وحدة عسكرية للجيش الإماراتي يرفرف فوقها علم الإمارات بجوار علم الأمم المتحدة ضمن إغاثة المنكوبين وحفظ السلام في الإقليم، فقد هبت دولة الإمارات العربية لنجدة الناس في هذه البلاد، ولم تترك بابًا من الخير إلا وولجته بما يملأ السمع والبصر، ليس على مستوى الهيئات الخيرية فحسب، فقد كان ذلك توجهًا من حاكم الدولة نفسه، وكذلك فعلت الكويت ومن قبلها السعودية وقطر، وأذكر أن الملك فهد -رحمه الله- بعد أن تجاوبت حكومته تجاوبًا كاملا مع المحنة بعد انقضاء الحرب، بإعادة بناء المساجد وكفالات الأيتام وطلاب العلم والأئمة، سأل عن عدد سكان الإقليم فقيل له: حاليًّا مليون ونصف المليون بعد هجرة ومقتل وتشريد عشرات الآلاف، فقد كانت الإحصائيات تؤكد أن عدد سكان الإقليم مليونا مسلم، بنسبة 98 بالمائة، فأمر رحمه الله مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة بطباعة مليوني نسخة من القرآن الكريم مصحوبة بترجمة كاملة لمعانيه إلى اللغة الألبانية الأم.

وقد كان قرارًا عظيمًا مباركًا مسددًا؛ إذ تحولت بسببه علاقة المسلم في هذه الأرض بالقرآن الكريم من علاقة سطحية تعتمد على إمام المسجد الذي يفهم العربية قليلا فيفسر لهم بعض آيات مكررة خلال خطبة الجمعة، وربما كتب لهم سورة في ورقه تحمي الصغار من الفزع ليلا، إلى علاقة مباشرة مع القرآن دون وسيط. وتم توزيع المصاحف على سكان الإقليم جميعهم، فلم يعد هناك بيت واحد يخلو من مصحف بطباعة فاخرة سهر على إنجازها أمهر الأساتذة الألبان الذين يتقنون العربية وعلوم القرآن، كذلك سهرت عليها مطبعة المدينة المنورة بطاقة فوق كل طاقاتها، حتى وصلت المصاحف بطبعتها الأنيقة الفاخرة بعد انتهاء الحرب إلى هنا في أقل من عام، وكانت الأمور تسير على ما يرام.

الاستقرار هنا حول ضفاف المياه يعكس تجاوبًا يشرح الصدر لتأمل قضايا الأمة، حتى لو كان تجاوبًا متأخرًا إلى ما بعد انقضاء الحرب. وكما يقولون حين يبررون: “أن تأتي متأخرًا خير من لا تأتي”. ودائمًا أعمال ما بعد الحروب تكون ذات أثر.

كان بناء المنازل المحترقة، وحصر الأيتام لكفالتهم، وإعادة تعمير المدارس المهدمة، وبناء المشافي الضرورية، ورصف الطرق، وحفر الآبار، كل ذلك كان عملا ضخمًا يحتاج إلى إرادة قوية وحرية حركة وتنقل بلا حدود لموظفي تلك البلاد. وكان الناس هنا شاكرين للعرب فضلهم، وكنت أنا بدوري فخورة بذلك، وحين كان يغيب طبيب الأطفال الماهر في إجازته للسودان كنت أسافر بالصغار إلى مدينة متروفيتسا البعيدة المضطربة أمنيًّا مع حدود صربيا، حيث كنت أرى بلجراد بمبانيها العريقة وأنا في السيارة، وذلك لوجود المستشفى المغربي الكبير هناك بجوار وحدته العسكرية أيضًا المشاركة في حفظ السلام هناك. وعلى الرغم من امتناع مصر عن المشاركة في مثل هذه الأعمال نظرًا للعلاقات المتينة تاريخيًّا منذ عهد عبدالناصر وتيتو بين مصر وبلجراد، فإنني كنت فخورةً بذلك الدور العربي على أيه حال، اللهم إلا دُور حضانة بنتها حكومة القاهرة في العاصمة برشتينا وأوصت بعدم السماح للمصريين بالدخول إليها أو إلحاق أولادهم بها، وكنت أخجل مع الأسف ليس لهذا القرار، وإنما لضآلة المشاركة المصرية.

نعود إلى حفل الميلاد المصري..

في ذلك اليوم المميز بشمسه المشرقة، وحفل عيد الميلاد الأول لابن جارتي المصرية الغالية التي تعتبرني أختها الكبرى وأنا أعتبرها أختي الصغرى سواء بسواء، كان الرجال في غرفتهم، ونحن النساء في قمة سعادتنا معًا، إلى أن سمعنا ضجيجًا فجأةً أعقبه هرج في المكان إثر اتصال هاتفي يخبرهم بضرورة فتح التلفاز، فقد حدثت انفجارات ضخمة في نيويورك وواشنطن، بعدها تحول الحفل إلى ذهول واستطلاع بلا إجابات واضحة، انصرف الجميع إلى بيته ليتابع الحدث، تتابعت الأحداث وتوالت حتى كانت الجريمة الإرهابية من نصيب القتلة المسلمين، وتحديدًا العرب! يا إلهي من صاحب هذه النزوة المشئومة؟! عليك اللعنة حين فعلتها!

أبعد أن باركت الكنيسة الأرثوذكسية في بلجراد قتل مئات الآلاف الأبرياء قبل سنوات قليلة في البوسنة الهرسك، ومن بعدها كوسوفو، يغزو نيويورك وواشنطن ليمسح خطايا الغرب، ويلصقها بالشرق، وقد نجح، وما كان ينبغي له، وما يستطيع أن يفعل لولا السماح له، توالت النتائج المدمرة على المنطقة، أُغلقت الهيئات العاملة، وتوقفت الكفالات والتحويلات الداعمة، وانتهت الرحلات المفتوحة والعصور الذهبية للإغاثة الإسلامية، والدعوة الوسطية التي كادت أن تؤتي أكلها!.

جفت المنابع، وشحت الموارد. قاتل الله غلاة الفكر عديمي الفهم مدعي الحق ومحتكري الحقيقة. انتهى يوم الميلاد الأول، وبدأ يوم الميلاد الأول لوصم الإسلام بالإرهاب، واحتلال خراسان شرقًا وبغداد قلبًا، والتفاف الأساطيل الأمريكية حول شبه الجزيره العربية، انتهى الحفل، وقبل أن ينتهى كنت أضرب كفًّا بكف. مَن المستفيد إذن؟! وهل يُقارن عدد القتلى في أبراج التجارة بعدد قتلى مذبحة واحدة كتلك التي وقعت في سربرنتسا مثلا ومات فيها ثمانية آلاف في أربع ساعات؟!.

كان لا بد أن أخرج من غيظى وحنقي على هؤلاء الحمقى الجدد الذين فعلوا ما فعله ذلك الدب الغبي حين قتل صاحبه لينقذه من لدغة النحلة. هؤلاء الحمقى الذين روجت لهم قناة شهيرة وكانت بوقهم، ولولا أن سمحت لهم أمريكا بما حدث لما كانوا وما ذُكروا. قاتل الله السفه والخرف!.

وهنا لا بد أن أقف وأن أعود إلى حفلات الزفاف النهارية كي أنسى شيئًا مما حدث، وألا أيأس من حفلات أعياد الميلاد ولا من أفراحهم الجميلة.. حتى لو كان ذلك اليوم هو الحادي عشر من سبتمبر.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا