نجيب محفوظ والعقاد.. علاقة توتر أم سلام؟!

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

شاع لدى كثير من المهتمين بالأدب، والرواية على وجه الخصوص، انطباع عام بتوتر العلاقة بين نجيب محفوظ والعقاد، وَمَرَدُّ هذا الانطباع مقالة واحدة كتبها نجيب محفوظ -في خلال مسيرته الكتابية الطويلة- ينتقد فيها وجهة نظر العقاد التي حطّ فيها من شأن القصة لصالح الشعر الذي جعله “من خيرة ثمار العقول”.

والمتتبع لما قاله محفوظ في ثنايا مقالاته وحواراته عن العقاد، يجد أن العلاقة بين الرجلين لم تكن على هذا النحو من التوتر والقلق؛ بل كانت على العكس من ذلك تمامًا، علاقة مودة واحترام، لا سيما وأن “محفوظًا” لم يكن من ذلك النوع الذي يستعدي الآخرين عليه، فضلا عن معرفته للعقاد قدره وفضله ومكانته. حتى ذلك المقال الذي انتقد فيه وجهة نظر العقاد كان فيه شديد الحرص على أن يوصل رسالته من غير أن يثير حفيظة العقاد، فلم يذكر كلمة تحمل أية إساءة أو سخرية من قريب أو بعيد، وهو ما دعا العقاد إلى عدم الرد عليه، وهو المعروف عنه حدته مع من يُسيء إليه وينتقص من قدره.

***

1- أول ذِكْرٍ للعقاد في مقالات نجيب محفوظ الأولى كان في مقال بعنوان “ثلاثة من أدبائنا”(1)، وقد افتتح مقالته بالإشارة إلى أن النهضة الأدبية -وقتذاك- تنتقل من عصر إلى عصر بفضل ثلاثة من الأدباء الكبار الذين اعتبرهم الممثلين لتلك النهضة الأدبية الجديدة، وهؤلاء الثلاثة هم: العقاد، وطه حسين، وسلامة موسى.

وقد جعل محفوظٌ العقادَ على رأس هؤلاء الأدباء، وقدّمه على الأديبين الآخرين؛ لأنه أديب الفطرة والبداهة، وصاحب الموهبة الذي ينفذ إلى ماهيات الحقائق من أقرب طريق ومن غير تكلف واقتسار، يقول: “العقاد هو رجل البداهة، ونقصد بالبداهة الفطرة البصيرة، أو الإحساس الصادق، أو الطبع السليم(2)“، وهذه الموهبة الكامنة في العقاد موهبة طبيعية “تنفذ إلى الحقائق فتعرف ماهياتها، وهي درجة من الكمال يبلغها الصوفي بالاجتهاد، ويحوزها الفنان بفطرته وطبعه(3)“. وإلماحته إلى الفطرة الفنية المركوزة في العقاد هنا تنضم إلى إشارته إلى الملكة الصوفية لديه “فالعقاد يسمو بالأدب إلى الذروة من الكمال والتبجيل، وهذا طبيعي؛ لأن ملكته ملكة المتصوف، وكيف تطلب من المتصوف ألا يُبجِّل معبوده الذي يوحي إليه بأسرار الغيب؟!(4)“.

وفي الوقت الذي يُنكر فيه الكثيرون على العقاد شاعريته، فإنها -أي شاعرية العقاد- من أكثر تجليات البصيرة الفنية والصوفية لدى العقاد، من وجهة النظر المحفوظية، يقول: “فإذا أردت أن تتحقق مما نقول فاقرأ شعر العقاد. والعقاد في نظرنا شاعر فنان قبل كل شيء، فمن أهم مميزاته أنه ليس قُشورًا سطحية، وليس نغمًا لفظيًّا، وإنما هو معنى عميق تَذُوقُهُ وتُحِسُّه، وتعرف فيه روحًا حيًّا يكاد يتحرك ويتغير كلما راجعته، وهذه خواص النفس التي يعجز العقل والذكاء عن أن يَلِجَا بابها، والتي تنفذ إليها البصيرة الحساسة المرهفة فتلتقطها بما فيها من حياة وغموض(5)“.

كما أن هذه البصيرة الفنية لدى العقاد متبدية في التجديد الذي يدعو إليه، وهو تجديد غاية ما يطمح إليه حرية العقل والشعور، والتخلص من كل قيد يُقيِّد هذه الحرية، يضيف محفوظ: “وأثر الفطرة السليمة يظهر فيما يدعو إليه العقاد من تجديد في الشعر والأدب، والتجديد عند العقاد ليس هو التجديد عند غيره، فنحن نفهم من التجديد عادةً أنه الدعوة لمذهب جديد على حساب مذهب قديم، كالدعوة إلى الرياليزم أو الأيدياليزم وهكذا، ولكن العقاد لا يدعو إلى مذهب خاص، وإنما يثور على التقليد والفناء في الغير، ويدعو إلى تحرير العقل والشعور، اعْقِلْ بعقلك، واشْعُرْ بشعورك، ومثل هذا المبدأ يتناقض مع الدعوة إلى مذهب معين؛ لأن الدعوة إلى مذهب معين هي نوع من التقليد، وإنك إذا قلدت العقاد فلست من أتباع العقاد!، وهذا الرأي يجعل من الفن حياةً كهذه الحياة المتجددة المتغيرة المُطَّرِدَةِ السيرِ إلى الأمام(6)“.

***

2- وفي حوارٍ أجراه فؤاد دوارة مع نجيب محفوظ، سأله عن سر إعجابه الخاص بالعقاد، وعن أثر العقاد في تفكيره، فكانت إجابة محفوظ: “بالطبع.. لقد خلق عندي قيمًا عزيزة، أولها قيمة الأدب كفنٍّ سامٍ لا وسيلة تكسب، وكان دائمًا يرتفع بالفن إلى مستوى الرسالات المقدسة. وثانيها أهمية الحرية في الفكر وفي حياة الإنسان عمومًا. ثم نظرياته في الشعر التي جعلتني أتذوق الشعر تذوقًا جديدًا. وكذلك عرفت عنده أول قصة تحليلية نفسية وهي (سارة)(7)“.

***

3- ومن الأمور التي تأثر فيها نجيب محفوظ بالعقاد، دور الأديب في لفت الأنظار إلى القيم الفنية المختلفة في المجتمع، يقول: “في أواخر العشرينيات الماضية، وقد كنت وقتها ناشئًا في المرحلة النهائية من الدراسة الثانوية، قرأت مقالا للعقاد عن فنان رسام اسمه (محمود سعيد)، وقد تعجبت جدًّا لذلك، فالفن في ذلك الوقت لم يكن له وجود كبير في المجتمع، فكيف يفرد العقاد الكبير مقالا كاملا عن أحد الفنانين؟ وقد تناقشتُ في هذا مع بعض أصحاب الرأي فقيل لي: إن الأديب ليست وظيفته الأدب وحده، وإنما عليه أن يدرس الفنون كلها، مثل الفن التشكيلي والموسيقى وغيرها، ينهل منها ما يستطيع. ولقد كان محمود سعيد هو الذي عرفني على عالم الفن التشكيلي، وقد اكتشفت بعد ذلك أنه كان يُقام معرض سنوي وحيد في شارع (إبراهيم باشا) بالقاهرة تُعرض فيه جميع أعمال الفنانين، فلم تكن هناك معارض خاصة في ذلك الوقت لكل فنان، وفي هذا المعرض العام الذي تعودت ارتياده كل سنة تعرفت على أعمال محمود سعيد لأول مرة، ولوحاته ما زالت منطبعة في مخيلتي بألوانها، مثل: (بنات بحري) و(بائع العرقسوس)، والكثير من البورتريهات النسائية التي اشتُهر بها، والتي استطاع فيها أن يجسد الجمال الشعبي كما لم يفعل أحد من قبله، وقد كان بالفعل رجلا عظيمًا، وقد أكد لي بفنه المتميز القيمة الحقيقية للفن التشكيلي، خاصة بعد أن علمت آنذاك أنه كان مستشارًا، لكنه ترك القضاء ووهب وقته كله للفن، رغم أن وظيفة المستشار كانت واحدة من أرقى الوظائف في مجتمع تلك الأيام، وقد كان لذلك تأثير على القرار الذي اتخذته بعد ذلك بسنوات حين تركت الفلسفة التي درستها بالجامعة وتفرغت للأدب”(8).

***

4- ومما يدلنا على أن العلاقة بين الرجلين كانت علاقة ود واحترام وتقدير، ما ذكره محفوظ عن إنصاف العقاد له مرتين؛ المرة الأولى حين تقدم لمسابقة مجمع اللغة العربية ضمن من تقدموا بقصصهم، واختلفت اللجنة، وكان المازني ضمن فريق اللجنة، وأثناء مرور العقاد عليه مصادفة كي يعودا معًا وجدهم مختلفين حول الأمر، جماعة التقليديين والأزهريين يريدون إعطاء الجائزة لمحمد سعيد العريان، والمازني يريد إعطاءها لنجيب محفوظ، فلما قرأ العقاد لكلٍّ منهما، قال: لا وجه للمقارنة بينهما، وانتهى الخلاف إلى إعطائهما الجائزة مناصفة(9).

أما المرة الثانية التي أنصف فيها العقادُ محفوظًا فكانت حين قال العقاد في حديث تليفزيوني معه قبل وفاته: “إن عندنا في مصر من يستحق الفوز بجائزة نوبل(10)” ثم ذكر اسم محفوظ. وقد علّق محفوظ على ذلك بقوله: “وبعد حوالي ربع قرن تحققت النبوءة(11)“.

***

أما خلاصة القول في شأن مقال(12) محفوظ الذي انتقد فيه وجهة نظر العقاد بشأن القصة، فيوردها نجيب محفوظ نفسه حيث يقول: “حدث أن تعرضت للعقاد ذات مرة، رغم حبي له، فقد وجدته قد ظلم الرواية حين قال: إن الرواية ليست فنًّا كالشعر، أي أنها ليست في منزلة الشعر. فرددت عليه بأدب: إن الرواية الجيدة مثل الشعر الجيد، وكما توجد الرواية الرديئة يوجد الشعر الرديء أيضًا. والحقيقة أن العقاد لم يرد، لأنني تكلمت بموضوعية شديدة، وبأدب شديد، دون استفزاز أو هجوم(13)“.

_______

(1) المجلة الجديدة، العدد (2)، فبراير 1934م. ومن الجدير بالذكر أن نجيب محفوظ كان في حدود الثالثة والعشرين من عمره وقت كتابته هذا المقال.

(2) السابق: 65.

(3) السابق: 65.

(4) مقال “ثلاثة من أدبائنا” لنجيب محفوظ: 66.

(5) السابق: 56.

(6) السابق: 56.

(7) فؤاد دوارة، عشرة أدباء يتحدثون، الطبعة الثالثة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، 357.

(8) إبراهيم عبدالعزيز، أنا نجيب محفوظ.. سيرة حياة كاملة، الطبعة الأولى، القاهرة، نفرو للنشر والتوزيع، 2006م، 81.

(9) السابق: 82، بتصرف.

(10) السابق: 82.

(11) السابق: 82.

(12) انظر مقال: “القصة عند العقاد” لنجيب محفوظ، مجلة “الرسالة”، العدد 635، سبتمبر 1945م.

(13) إبراهيم عبدالعزيز، أنا نجيب محفوظ.. سيرة حياة كاملة، 82.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا