أنا البطل الزناتي.. للوطن بايع حياتي

0
أحمد سراج
كاتب وشاعر مصري

“نفس الفتى لا بد من زوالها الأيام والدنيا سريع زوالها تطوى عزيز ثم تطوى أرذالها قولوا وا خراب الدار عقب اعتدالها!”.

آخر كلمات الفارس الذي ظل على جواده حتى غروب الروح، بطعنة رمح غادرة، لا بضربة سيف صحيحة، موت لا تشبهه حياة، لرجل لم يملك خصومه إلا أن يمجدوه. رجل أوقف وهو في سن 114 جحافل الهلاليين. فارسٌ بأمة:

جالس على الكرسى خليفة الغندور / راجل منظره يهيب الأسوده / بطل المغارب نعم وعنده شعور / ياما فيه ناس حسودة وحقودة.

– «فاكر نفسك الزناتي خليفة».

عادةً ما تتردد هذه الجملة في أنحاء مصر جنوبًا أو شمالا. فمن هو الزناتي؟. يقول الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي: «هو أفرس الفرسان، وهو عندي بطل السيرة الهلالية الحقيقي». ويقول عنه الشيخ «جابر أبو حسين»: «أتى له بطل الفرسان.. يسمى الزناتي خليفة». ويمدحه السلطان حسن: «سلامتك يا أبو قدر عالي»، ويقول عنه «أبو زيد الهلالي»: «اخلع الحربة من عين السبع يا ديب/ دا رجل ملو عين الأعادي/ خليك راجل حكمة وأديب/ نعم بالطعن ربي أرادي/ إنما البهدلة في نجعنا عار/ دا راجل كريم وفيه الكفاية/ دا راجل قاد في جسمنا نار/ متى نشمت فيه ولا هو من الهفايا».

«رجل وحيد في عالم قد فسد» كما كتب عنه الدكتور شمس الحجاجي: «هو العالم الحافظ للقرآن، وحياته مرهونة بالدفاع عن بلده كما تقول شرائع السابقين، يستيقظ ليصلي الفجر، ثم يعمر الميدان أولا منتظرًا من تخرجه له القُرعة، ولا يقف خلف جنوده، بل ينتصب وحده كجبل أشم أو كحصن منيع، في عالم أفسده الثراء، فالعلَّام ابن عمه يريد تسليم تونس، والوهيدي معبد يريد أن يتزوج ابنته عزيزة. هنا وقف الزناتي صارخًا في وجه جحافل الهلالية وانتكاسات أهله: «ابن مدكور بن شمخ بن حمير/ يقرا كلام الله واحنا صغارها».

 تأتي جحافل الهلالية لتجتاح تونس بأبطالها الذين عرفهم الناس وألفوهم وفخروا بأفعالهم، حتى الجازية أخت السلطان حسن يأخذونها من زوجها، ويقف الزناتي وحيدًا ليدافع عن بلاده؛ فكأنه يردد: «الروم حيث تميل، يقاوم طعنات ثلاث: العدا، وخيانة الأهل، وكبر السن: ألا جولى في سن تمانين/ بعد الكب ما فاح من عيوني/ ولاد عمى الدنيين/ أشور شورتي يخالفوني».

فهل استدعى الراوي الشعبي سيرة الإمام علي وهو يصرخ في جنوده: «فَيَا عَجَباً عَجَباً وَاَللَّهِ يُمِيتُ اَلْقَلْبَ وَيَجْلِبُ اَلْهَمَّ مِنَ اِجْتِمَاعِ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، فَقُبْحاً لَكُمْ، وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى، يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اَللَّهُ وَتَرْضَوْنَ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في أَيَّامِ اَلْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ اَلْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا اَلْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في اَلشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ اَلْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا».

لماذا أتى الهلالية إلى تونس؟ يقولون إن الزناتي انقض على جبر القريشي وأخذ منه الملك، ويلمح تاريخيون إلى أنهم تحركوا بإيعاز من الفاطميين الشيعة الذين يحكمون مصر، يقولون إن في الرحلة الاستكشافية التي قادها أبو زيد، أسر أبناء أخته «يونس ومرعى ويحيى»، وهي رواية أهل الدلتا (فتحى سليمان والسيد حواس وعلى الوهيدي). أما رواية الصعيد فتقول إن يونس بقي لدى عزيزة، أما يحيى ومرعي فماتا؛ أحدهما بلدغة ثعبان، والثاني متأثرًا بجراحه من عبيد تونس.

قدر ومكتوب أن يقتل الزناتي، يعرفه العلام والوهيدي وسعدي، وأبو زيد والسلطان حسن والجازية ودياب بن غانم.. لكنه وحده يخرج لموته مناديًا: أين المقاتلون؟ عرفه أهله فقرر بعضهم الاستسلام، وعرفه الهلالية فقرروا تقسيم الممالك والمقاتل: «تملك مداينها وتقتل فوارسها/ أما الزناتي فتتركه للديب»، والديب هو دياب بن غانم الذي تحتفظ له السيرة بصفات تنزع عنه الفروسية والرجولة رغم قوته.

حين وقف الزناتي انقلب كل شيء رأساً على عقب، فلا يصبح هو البطل المضاد أو البطل الشرير، بل يختفى بطل الهلالية أبو زيد من المواجهة ويبدأ في تدبير مقتل الزناتي، ولا تعدم السيرة أن تصنع مواجهة بين الزناتي وأبو زيد ينتصر فيها الأخير لكنه لا يقتله، ويتوارى عن صهوة الجياد فيما يخرج الزناتي بطلا أسطوريا يحمل قدره وحلمه.

«ضدان لما استُجمِعا حسنا/ والحسن يظهر حسنه الضدُ» هكذا كانت العلاقة بين الزناتي وأبو زيد، فالزناتي يحبه كابنه ويتمنى لو كان معه ليعارك الدنيا كلها: «أنا أحب أبو زيد يا بتى وأكرهه/ كما الناقة متحبش فراق عيالها/أحب أبو زيد يكون أخويا ولا ابن عمي/ كنت أقسم الدنيا وأعارك قبالها» فيما يراه أبو زيد بطلا حرًّا:«يا عم خليفة صباح الخير/ يا قارى حروف الهجايه/ يا غندور يا بو تنازين/ يا حامى حمى الصبايا/ ياللى حاميها شمال ويمين/ صباح الخير يا زعيم الغروب/ يللى في الحرب عمرك ما تصبح مغلوب».

من هنا يصبح عصيًّا على السيرة أن تجعل أبا زيد يقتل الزناتي، وإلا تشوهت فروسيته؛ فهذا شيخ طاعن في السن تجاوز المائة بأربع سنوات في رواية، واقترب منها بست سنوات في رواية أخرى، وأربعة عشر عامًا على صهوة جواده، دون ابتسامة، أما نومه فمملوء بأحلام الدفاع عن مدينته الحلم تونس الخضراء.. لا يقتل أبو زيد الزناتي خليفة كى لا يشب صراع دائم بين الحفدة من أسيوط حتى جنوبى قنا.. لن يقتل الزناتي إلا أحد أبناء عمومته, فكلاهما زغبي.. لكن من يجتمع فيه القرب والخيانة معًا.إنه دياب بن غانم، فارس بلا قلب، يبقر بطون الحوامل، يمثل بضحاياه، يشعر دائمًا أنه أفضل من أبى زيد وأحق من السلطان حسن.. وسيكون له بعد الزناتي أن يثبت أنه ذئب هجام؛ يستولى على عرش تونس ويجبر السلطان حسن والهلالية على دخولها تحت رمحها، ومن لا يعبر تحته يُقتل، ثم سيقتل السلطان حسن وفى رواية سيقتل أبو زيد نفسه.

أربعة عشر عامًا والزناتي يخرج أولا، ينتظر من تخرجه القرعة؛ فيكون قتال يطول أو يقصر لا فرق فالزناتي ينتصر، يرى البعض لأن أمه جِنِيَّة وهبته صفات خارقة: «أبو ضلع واحد كما اللوح/ جرحه يطيب ع الندى» لكن الحقيقة أن الزناتي يواجه اختبارات صعبة يومية، ينزل الميدان كأنها المرة الأخيرة، وما إن تغرب الشمس حتى يعود ليرى أحوال بلده ونسائها وشيوخها.

يتمكن عامر الخفاجى من جرح الزناتي الذي يكابر وينزل الميدان في اليوم التالي: «زناتي قال أين المقاتلين» ووافق على خدعة تمكنه من الانتصار على أمير العراق الخفاجى الفارس حافظ المنهاج الذي تورط في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، والذي دفعته الجازية ليكون مقتله دافعًا لإثارة صديقه دياب، يتراجع الزناتي بعد أن يلقى على الخفاجى «حملة رهيفة» الذي يتفاداها ويندفع خلف الزناتي ويظهر فجأة من خلفه مطاوع وعشرة من الشبان فيطعنه في ضلعه الشمال ليسقط صريعًا، وهنا يعود الزناتي صارخًا: «العز لعرب الزناتة.. لآل حمير» حتى لحظة القضاء على أصعب الخصوم فالنصر ليس للفرد بل للجماعة.

يأتى دياب بن غانم بعد أن يذل قادة الهلالية باستعطافه والنزول على شروطه – فالزناتي قتل تسعين بطلاً منهم – وينزل واثقًا من النصر محكومًا بنبوءة: «دا اللى عليه الرمل قال» لكن الزناتي يقاتل ويستطيع وفق روايات جرح دياب بن غانم فيما يدفع دياب للشك في كذب الرمل؛ فالأطباء عاجزون عن علاج دياب من الجرح المهلك: «والطباية تيجى وتروح وسط عرب الجمال/ أمال ياك الرمل علينا كداب/ما هو دا الأمير دياب/ اللى يكتل الزناتي خليفة» فيتدخل أبو زيد ويذهب ليحضر خرزة اليهودى سمعان فهى الدواء الوحيد، وتبقى عقبة القتال في السراديب التي تعود عليها فرس الزناتي لذلك يقوم أبو زيد بتدريب فرس دياب حتى يتقنها.

هي اللحظة -كما قالت النبوءة- يجد الزناتي خصمه واقفًا على فرسه.. سبقه إلى الميدان.. وحين يسأل الزناتي عن هذا يجيب دياب: «النهاردا اللى عليه الرمل قال.. رايح أغدرك يا زناتي» هنا يرد الزناتي بثقة: «والله انت كداب والرمل كداب/ ولا تعرف اللى يصيبك/ هل عندك بموتى أدلة؟». وتشتعل الحرب ثانية لمدة يومين هذه المرة، ويستطيع دياب بعد أن تشاغل فرسه جواد الزاناتى أن يتمكن من طعنه في عينه.

يسقط الزناتي لا عن ضعف ولا عن قوة خصم، بل بتضافر أسباب عديدة على مدى السيرة، فمكايد أبي زيد لم تنتهِ، وخيانات أبناء عمومته لم تتوقف، يسقط الزناتي فيحاول سادة الهلالية أن يخففوا مما فعله؛ فيندفع أبو زيد مبعدًا رمح دياب عن عين الزناتي رافضًا التمثيل بجسده: «ابعد الحربة عن عين الراجل يا ديب» ويحتضنه السلطان حسن، وتدعو له الجازية بالسلامة، لكن الزناتي يحزن لهذا القرب الموجع: «من قلة الحنا وقعنا ع الجفا/ وخدنا من دار العدو حبيب» ويقول: «دياب يطعنى وحسن يلمني/ وأبو زيد يعمل لى للجروح طبيب/ شكيت اللى جرى لي/دمعى نزل منى صبيب» لهم في اللحظات الأخيرة إن قتله جاء بتدبير أبو زيد لا برمح دياب، وأنهم لن يهنأوا بأرض اغتصبوها: «يا بنى هلال اسمعوا مقالي/ ياما الزمان يورى عجيب/ اعطوا شكرانكم للهلالى أبو زيد/ اوعوا تقولوا سبع الغرب قتله ديب/ وأنا ما قتلنى إلا الهلالى سلامة/حرمه ما جابت ولد زى الأمير لأبو زيد» إن اللحظة الأخيرة والكلمات الأخيرة لا تتحدث إلا عن فراق الوطن الصعب: «تملى بها يا أبو على بعد ناظري/ طابت لكم بس الفراق صعيب/مادام سبعها يا أبو زيد منها رحل/ أقسم بربى الفراق صعيب/ أمرى لمن أنشأ الخلايق من عدم/ إلهى تعالى حاضر وليس يغيب». يقال إن الجازية وجدته في موته فارسا مهابا كأنه في ريعان الشباب ووسط الفتوة، حتى إنها أخفت وجهها عند رؤيته وهي التي لم تكن تتحجب من رجل مهما كان قدره! ويقال إن لعنة الزناتي طاردت كل من هاجموه فقتلوا جميعًا شر قتلة. «أنا البطل الزناتي/ أنا النسا يغنوا وراي/ للوطن بايع حياتي». فسلام على روحك الطاهرة يا زناتي.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” المصرية

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا