يحيا النحو ويحيا سيبويه

0

البحث عن الحقوق قبل أداء الواجبات شأن الناس -دائمًا- في الأزمنة الخابية الكليلة، ولو بذلوا بعض الجهود بحثًا عن الواجب، وصرفوا إليه شيئًا من همهم، لتبدل الخلق جُملةً، وما ذلك بعزيز على الهمم المشحوذة، والنخوة السارية في الأعصاب قبل أن تكون برامج ومقررات.

منذ ربع قرن أو أشف، كنت حديث عهد باللغة الإسبانية، ولم نكن نفرق كثيرًا بين الباء الخفيفة والثقيلة، وفي الإسبانية ثلاث باءات: باء باريس، وباء برشلونة، وباء بلنسية، وأخطأت مع بائع الخبز Pan، فنطقتها مخففة، فقال لي: “ليس عندي”، وهو لا يبيع غيره. فإذا بالرجل حين أشرتُ إليه على بضاعته نطق الكلمة أكثر من مرة معنِّفًا، وشيَّعني بجملةٍ فيها إقذاع لم أفطن إليه في حينها، وما كان ذلك إلا حرصًا وغيرة على اللغة من رجل ليس عضوًا في المجمع الملكي للغة، وإنما هو من غمار الناس!.

وإنما نسوق هذا المثل لنقول: إننا ضيعنا لغتنا حين فقدنا النخوة، واكتفينا بالبرامج والمؤتمرات، والشكوى الضارعة الذليلة، كيف لا؟ وكل حياتنا أصابها الفقد، وضاعت ملامحها، وما كانت اللغة إلا أحد المظاهر التي نُشيِّعها بلطم الخدود وشق الجيوب، إذا بقيت خدود وجيوب!.

أصدر الأستاذ شريف الشوباشي كتابا ناعيًا حزينًا محزِنًا، والرجل حسن النية، أحسب، وحسبه أنه نسل من أسرة تسري العربية فيها سريان الدم، ووالده لا يزال موضوع رسائل جامعية في إبداعه، ولو رجع شريف إلى لغة كتابه لرجع عن أحكامه؛ لأن حججه داحضة بلغته الواضحة المشرقة، وأن العيب ليس في قواعد هذه اللغة، وإنما في غيبة الوعي بها، أسلوب تعليم وتثقيف. ولغة الكتاب -مع إشراقها- فيها بعض المخالفات النحوية التي لا نظنه يقصدها نكايةً في سيبويه وشيعته، وشريف من تلك الشيعة، ونحسب أن سيبويه يُخرج لصاحبنا لسانه من تحت أطباق الثرى، وكأنه يقول له: “كيف تدعي سقوطي، وأنا آخذُ بيدك؟!”.

لقد قدم سيبويه جملة واحدة فيها بيانٌ قل أن تجد له نظيرًا في كلام المبِينين، يقول في أول كتابه: “وأما الفعل فأمثلةٌ أُخِذَت من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لا ينقطع”.

فهذا كلام يُرَادُ لصاحبه أن يسقط لتحيا العربية، وهي ليست كائنًا منفصلا عن حياة أصحابها، إلا إذا برئنا من النسب إليها، لا لشيء إلا إرادة من بعضنا أن تكون مثل لغة أخرى، ونعوذ بالله من الخذلان!! مع العلم أن اللغات الأخرى لا تَعْرَى من القواعد، وربما كان في الإسبانية من تصريف الأفعال ما تنوء به الذواكر، دون أن نريد لأصحابها أن تسقط، وفيها Subjuntivo وهو من أعسر التصاريف حتى على أصحاب اللسان، وما نغب ناغب يسقطه من اللغة. فضلا عن الحروف التي لا تُنطق في اللغات الأخرى، والأمثلة عليها كثيرة. ونحن ندرك أن ثمة مستويين: أولهما تربوي يأخذ من النحو ما يأخذ الأكل من الملح يقوم به الكلام والطعام. وثانيهما شديد الضرورة للباحثين في اللغة، وحذفه أو تبسيطه إخلال وخلل لبنية الكلام. ونحن نعلم أن لغتنا في حقيقة الأمر حال واقعة لا تعسر على القراءة، وكلمة “التراث” إذا صدقت في لغات أخرى تغيرت كالإنجليزية والإسبانية مثلا فترجمت إلى لغة معاصرة، لا تصدق على لغتنا، حيث هي تيار متصل ومستمر.

فرَّق الأستاذ شريف بين الإنجليز والفرنسيين، والاحتلال ملة واحدة، وما أمر “دنلوب” عندنا ببعيد هو ورصفاؤه من كل أمم الأرض.

ثمة مستويات أيضًا في العربية كما في اللغات الأخرى، فبعض الكُتَّاب كلامهم غسيل عارٍ من جودة الأداء، وفي العربية والإسبانية نماذج من هؤلاء، وبعضهم يحفل كلامه بالإتقان والجمال، لا نقصد هنا الزخارف البديعية، وإن كان بعضها حين يحل محله يكون جميلا في العربية والإسبانية. وهناك “الشعر” قدس الأقداس في كل اللغات، ولا نقصد أيضًا الكلمات العوصاء الغريبة، بل إن للكلام الساذج البريء جمالا حين يصادف موقعه، وكبار الكتاب الإسبان –لا نقول العرب- يختال كلامهم في نسق عالٍ، لأنه ببساطة فن جميل.

هناك بعض الملاحظات المتفرقة في هذا الكتاب؛ أولها ترك الإعراب لأن الكلام مفهوم، ونحن ندري أن مثل هذا الترك يلبس الكلام بعضه ببعض، وربما تكون كلمة تُضْبَطُ خطأ تهوي بقائلها هَوِيًّا شديدًا؛ لأن الإعراب -لغةً واصطلاحًا- إبانة، تُخرج المرء عن العجمة التي لا تليق به، ونحن لا نريد الإفهام فقط مع الفن بل نُريغُ التأثير كذلك، ولا يتأتى هذا إلا بالجمال، ومراعاة القاعدة؛ جمال يَخرج عن حد الفوضى التي هي قبح في كل شيء.

ثانية الملاحظات -مع محاولة الإيجاز- تتعلق باجتهادات الأستاذ شريف، وهي مردودة عليه، أو على حماسته، ذكر بيت المتنبي:

وكلمةٍ في طريق خِفْتُ أعربها

فيهتدى لي، فلم أقدر على اللحن

واستشهد بكلام لأبي فهر، وهو في غير موضعه، والشعر لا يؤخذ بالظاهر فقط، فالإعراب هنا هو الاظهار، أو بالمعنى الاصطلاحي على بعد، والشاعر يخفي نسبه ويعرض في الكلام، واللحن ساكنة الحاء أو محركتها تحتمل معنى الخطأ أو التمويه، وفي القرآن الكريم “ولتعرفنهم في لحن القول” (راجع التفاسير)، وليس من معناها الخطأ الإعرابي.

ثالثة الملاحظات تتعلق بالاشتقاق: المبالغة من البلاغة، صحيح أن الجذر واحد، لكن المعنى متدابر، والمبالغة -عمومًا- من مقاصد المبدعين، ومن وسائلهم، يستوي في ذلك العرب والعجم. ومبالغة الشاعر المُصوِّر ليست مبالغة. والخطر أن الأستاذ شريف قفز إلى ظاهرة المبالغة التي ينماز بها العرب في رأيه، وأتى بنادرة تتعلق بأبي حية النميري وسيفه الخشبي -كسيف العرب الآن!!- وكان يسميه “لعاب المنية”.

إن النوادر Anécdota في كل اللغات، وفي كلام أحمد رجب وريشة مصطفى حسين، نوادر أبشع، وأصحابها يعرفون إلى مَنْ تُوجَّه. إنها كانت مسلسلات وأفلام القدماء الضاحكة.

 ليت الثورة التي أثارها الأستاذ شريف تُصلح حالنا القانط العاجز، ولو كان سيبويه -المظلوم- هو حجر عثرة في طريق نهضتنا لضحينا به، شريطة أن يضمن لنا المؤلف الكريم الثائر حياةً تليق بهذه الأمة، وإن بيننا في هذه القضية لخلافًا بعيدًا، دون أن نُتَّهم بالتخلف وحراسة الماضي؛ لأننا لا نجد البديل إذا مُسِخت اللغة العربية، ودعك مما يُصدِّرونه لنا تحت اسم التقدم والنهضة والقرية الكونية، “إن هي إلا أسماء سميتموها”.

بيد أننا نحمد للأستاذ شريف الشوباشي في كتابه اتزانه، وعدم دعوته لما دعا إليه بعضهم من العامية، واطّراح القواعد جملة، والكتابة بالحروف اللاتينية، وكلها دعوات وجدت من يُروِّج لها جهلا وتنطعًا، أو سوء طوية، ولكنا إذا حمدنا هذا الاعتدال من المؤلف، فإننا لا نؤيده ثائرًا في غير ثورة، لأن أمورنا كلها بائرة، وسائرة نحو الخذلان بخطى حثيثة، ولا قيامة لهذه الأمة المترهلة إلا بأن تنشط فيها بواعث الحياة، وأول هذه البواعث هو الإحساس بالخطر الداهم، والشعور بالغيرة العاقلة على جوهر الأمة ولغتها.

ونحن نؤمن -بيقين- أن اللغات ترقى حين ترقى قواعدها، ومن فضل الله على هذه الأمة أن وهبها رجالا كانت اللغة لديهم بمثابة العقيدة، فأخلصوا لها الإخلاص كله، وأبدع فيها المبدعون -من خلال هذه القواعد وتسخيرها- أدبًا خالدًا، وأدركوا أن طلاب العلم لهم مستوى حين الطلب، وأن ثمة مستوى للراسخين، لا يدابر المستوى الأول الذي يتطلع إلى درجة الرسوخ ويسعى إليها، ولذا نجد مذكرات الطلاب في علوم العربية يظنها بعض الخفاف من الدارسين مخطوطات يجب أن تُحقق، وإن هي إلا أوراق تحمل من القِدَمِ صفرته.

أخلص علماء العربية لقواعدها، فذللوا عسيرها -إن كان فيها عُسْر- وسهلوا حزونها، ولهم مقاصد تربوية قبل أن يدهمنا التربويون بكلام غريب، يدلل الناشئة، ولا ينفخ فيها دواعي الجد والحياة، هؤلاء العلماء الأجلاء رأوا أن يقدموا النحو سائغًا عذبًا. شرع “رفاعة الطهطاوي” -وفي جهوده عامة لنا رأي لا يتسع له المقام الآن- في تبسيط النحو، والوقوف على مسائله العامة. والنحو -عمومًا- لا يحتاج تيسيره إلا إلى صفحات قصار، لكننا نجأر بالشكوى، حيث لا تكلفنا شيئًا، وجاء بعده “حفني بك ناصف” فألف كتابًا جميلا، قررته نظارة المعارف على مدارسها، وفيه جهد مشكور، ومؤلفه شاعر بصير بالكلام.

بيد أن كتابًا صدر لعلي الجارم بك، ومصطفى أمين بك، هو “النحو الواضح”، في مجلدين، وصاحباه خطوا خطوات فسيحات شَأَت من تقدمهما، وَهَدَت من أتى بعدهما، وقد درس المؤلفان علوم التربية، قبل أن تكون هدفًا في حد ذاتها، فأفادا منها إفادات جليلة، وأولهما شاعر كبير، يُذكر في صدارة الشعر الحديث، فنضح هذا الذوق الشعري في الشرح والأمثلة، إلى جانب الدقة القاعدية لدى مصطفى بك، وقد رأيا -وهما من أساتذة اللغة في وزارة المعارف تدريسًا وتوجيهًا، وأستاذية الشاعر في دار العلوم العليا، نضر الله أيامها- أن يقدما “البلاغة الواضحة” إلى جانب النحو، فاكتملت حلقات السلسلة الذهبية. والذين درسوا الكتابين في المدارس الابتدائية والثانوية، هم الرعيل الكريم الذي حفظ بيضة اللغة والأدب والبلاغة العربية.

وكان الكتابان مباركين، وخاصة الأول، لأنني أذكر أنني رأيت الطبعة التي بعد الستين منذ ما يقرب من عشرين سنة، وهو غير مقرر إلا في بعض البلدان العربية والإسلامية. وقد شرّق الكتاب وغرّب وشهد للمؤلفين بطول الباع، وقبل ذلك بالإخلاص الكريم لهذه اللغة ونحوها. وصدرت منذ قليل جدًّا (الطبعة الشرعية)، لأن بعض الطبعات أو كثيرًا منها يبدو أنها كانت لا تعترف للمؤلف بحقوق، حتى جاءت هذه الطبعة.

وبعض المتسرعين من أصحاب القشور ربما يظنون -وبعض الظن إثم- أن تسهيل النحو أو تجديده يكون باستبدال الأمثلة، وهو وهم ساذج، فطن إليه المؤلفان، وذخيرتهما من اللغة والأدب شيء غريب، فجاءت الأمثلة على القواعد من نماذج الأدب العالي، قديمًا وحديثًا، ولعب الجارم بك دورًا عظيمًا في نماذج الشعر التي جاءت تطبيقًا على القاعدة، ويكاد المتلقي حين يخرج من قراءة النحو يخرج بحصاد أدبي وفير يصقل ذوقه وحسه الجمالي، وما كان هذا بغائب عن ذهن المؤلفين.

يُخدم النحو خدمة جليلة باستنباط قواعده من خلال النصوص الجيدة، ولكاتب هذه السطور تجربة تُروَى، حين أسند إليه تدريس النحو، وليس مادة تخصصه، ففزع إلى ديوان المتنبي قراءة نحوية مع طلابه، وكانت تجربة وددت لو كررتها.

ثم جاءت كتب أخرى في تيسير النحو دون الإخلال بقواعده، نذكر منها “النحو الوظيفي” للمرحوم عبدالعليم إبراهيم عميد تفتيش اللغة العربية في الوزارة سابقًا، وكتاب “النحو المصفى” للعالم الأديب الدكتور محمد عيد، وتسري هذه الكتب ونظائرها بين القراء وطلاب العربية، وغيرها من رجال الصحافة والإعلام.

غير أن طبعة “النحو الواضح” الأخيرة حرفها بعض الناشرين ممن يركبون الموجات السياسية فأتوا ببعض الأمثلة عن مصر جمهورية، والإقليم الشمالي، وما أدرك المؤلفان هذا العهد حيث رحلا قبله، وربما كان من الواجب تدارك هذا النفاق والجهل المتلبس بالنفاق، ولعل هذا النحو الواضح دون خلل أو إخلال يُثلج صدر صاحبنا شريف الشوباشي دون أن نطمع في أن يهتف معنا دائمًا عاش سيبويه، لأن كتابه يُحيي سيبويه رغمًا عنه.

المصدر: مجلة “الهلال” المصرية، مايو 2012م.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا