حكاية أبي القاسم البغدادي

0

أشار ياقوت في معجمه إلى كتاب لأبي حيان التوحيدي يحمل اسم “الرسالة البغدادية”. في سنة 1902م نشر آدم متز في هايدلرج مخطوطة مجهولة المؤلف أسماها -بناء على مضمونها- “حكاية أبي القاسم البغدادي”، ونسبها إلى راويها “أحمد بن أبي المطهر الأزدي”، واقترح آدم متز أن تكون هذه الرسالة من مؤلفات النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.

ثم جاء “مصطفى جواد” في مجلة “العرفان” بصيدا (مج 42، ع5، 1955) بمقالة طرح فيها تساؤلات، منها: هل حكاية أبي القاسم البغدادي من تأليف أبي حيان التوحيدي؟. وتحول التساؤل عند “عبود الشالجي” إلى حقيقة مسلم بها، وهي أن هذه الحكاية هي ذاتها الرسالة البغدادية المشار إليها عند ياقوت، فأعاد نشر المخطوطة، وأكرر نشر وليس تحقيق آدم متز، ونسبها لأبي حيان التوحيدي، ودعم رأيه بأن فيها نقولا كثيرة من مؤلفات أبي حيان، بل ويحدد تاريخ نشرها سنة 371هـ.

في المقابل شحذ “عبداللطيف الراوي” همته ليأتي بأدلة تنفي نسبة الحكاية لأبي حيان، وأتي بأدلة تؤكد نسبتها لأبي عبدالله الحسين بن الحجاج الشاعر المعروف.

 وانقسم الباحثون بعد ذلك في رسائلهم الجامعية بين تأييد مطلق لنسبة الكتاب لأبي حيان “محمود طرشونة”، ورفض مطلق لهذه النسبة “ناصر الموافي”، أي إن الكتاب بهذا الشكل يطرح تساؤلا مهمًّا:

هل يمكن نسبة الكتاب -حقيقة- لأبي حيان؟ وإذا لم يكن من مؤلفات أبي حيان فهل هو من مؤلفات النصف الثاني من القرن الخامس الهجري؟.

والإجابة على السؤال الأول بالإثبات ليست من السهولة بمكان، والأدلة تعوزه، بل تطرح تساؤلا أكثر صعوبة وهو: هل يصبح أبو حيان -بهذه الرسالة- رائدًا لفن المقامة العربية؟ وبخاصة أن “الرسالة البغدادية” تعد نموذجًا متطورًا منها، لذلك من العبث الجدل حول إثبات أو نفي الكتاب لأبي حيان.

اقترحت الاعتماد على مقياس (يول) لتحقيق نسبة النص إلى مؤلفه، وهو المقياس الذي طبقه شيخ العربية العلامة سعد مصلوح على نصوص تراثية، أفادت منه د. إلهام المفتي بعد ذلك في دراسة عن نصوص أبي تمام 2003م.

لم يكن هدفي هو تحقيق نسبة النص لأبي حيان، لكن الإجابة عن الشق الثاني من التساؤل المطروح، أعني: هل نص “الرسالة البغدادية” من مؤلفات النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، أم أنه قريب من نصوص أبي حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري؟.

أخذت عينات من “الإمتاع والمؤانسة” و”الإشارات الإلهية” و”الرسالة البغدادية” وجاء هذا الاختيار على أساس أن العينة (أ) والعينة (ب) تمثلان النص الثابت النسبة للمؤلف، مع ملاحظة أن العينة (ب) تمثل أقصى انحراف معياري لأسلوب المؤلف -في تقدير الباحث- في حين أن العينة (أ) قد تمثل طبيعة أسلوب المؤلف في كثير من كتاباته، أي إن الباحث يتوقع -بداية- تفاوتًا بين الدرجة المعيارية (أ) والدرجة المعيارية (ب). أما العينة (جـ) فتمثل النص المراد فحصه.

وكشفت الجداول عن نتيجتين:

1- التفاوت في الدرجة المعيارية بين العينة (أ) والعينة (ب)، وهو ما توقعه الباحث نظرا لخصوصية الكتابة في العينة (ب).

2- أن في العينة (جـ) جاءت الدرجة المعيارية في مرحلة وسطى بين العينتين (أ) و(ب)، وهو ما يعني احتمالية أن يكون نص الرسالة البغدادية قريب العهد بنصوص أبي حيان صحيحة النسبة، وتؤدي هذه النتيجة الأخيرة إلى إمكانية قراءة نتائج البحث النهائية قراءة مقارنة مع نص الرسالة البغدادية.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا