“الفيسبوك” وتشكيل ثقافة الجماهير

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

لا شك في أن أحد مظاهر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، لا سيما الفيسبوك، هو القدرة على تشكيل “جماهيرية” أو “رأي عام” تجاه الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والفكرية، وهو ما ينعكس -بطبيعة الحال- على الشأن الثقافي، وخصوصًا عالم الكُتب والكُتَّاب، من خلال صفحات التواصل الاجتماعي والحسابات الشخصية والإعلانات الممولة التي صارت تمتلك القدرة على خلق وتشكيل “جماهيرية ثقافية”.

وهنا يواجهنا عدد من الأسئلة: هل صارت وسائل التواصل الاجتماعي الوسيلة الأهم حاليًّا لتكوين “جماهيرية” الكُتَّاب؟ وكيف تتشكل هذه “الجماهيرية”؟ وما قدرة الأفراد على توجيهها وقدرتها على توجيه الأفراد؟ وهل تُعد الذائقة الجماهيرية بديلا لذائقة النقاد الأفراد المتخصصين؟ وما مخاطر الارتكان إلى هذه الذائقة على المنهجية النقدية؟.

(1)

لقد صرنا نرى أن لحسابات الأشخاص من ذوي المتابعات الكبيرة، وكذا للصفحات التي تحظى بالإعجاب والمتابعة العالية؛ القدرة على توجيه المتابعين إلى قراءة كتب معينة أو التركيز على كُتّاب بأعينهم، ومن ثمّ تتدحرج كرة الثلج، حيث يقوم المتلقون الذين وُجِّهت ذائقتهم بتوجيه آخرين والتأثير فيهم، وهكذا دواليك، إلى أن تجد نفسك في لحظةٍ أمام طوفان من المديح في عمل معين ظهر منذ فترة قليلة، وهو في مقياس النقد الرشيد لا يستحق المداد الذي كتب به، غير أن الصوت الإعلامي الصاخب وجماهيرية مواقع التواصل الاجتماعي السبب في هذه الشهرة والرواج، وهو ما يمكن وصفه بـ”استبداد ذائقة الجماهير”.

ومن عجبٍ أن أضحى عددُ متابعي الكاتب معيارًا لدى بعض دور النشر لقبول نشر الأعمال المقدمة لها من عدمه، وذلك بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي النافذةَ الأولى التي يُطلّ منها كل كاتب على قرائه ومتابعيه والمهتمين بأخباره.

(2)

وهذا التأثير التكنولوجي لم يكن موجودًا حين كانت ذائقة الناقد الأكاديمي أو الصحفي هي الموجِّه لذائقة المتلقين عبر المنابر الثقافية والإعلامية التقليدية.

فلقد كان “الناقد النخبوي” -ولا يزال، رغم محاولات تهميش دوره- سببًا في لفت الأنظار إلى الكتابات المهمة بما يمتلكه من أدوات نقدية تعينه على تمييز مكامن الجودة والرداءة وفق أسس علمية منهجية رصينة، هذا مع تسليمنا بأن الكتابة الجيدة تفرض نفسها. وبعد إعلان بعض تيارات ما بعد الحداثة عن “موت الناقد”، اتجه بعض المثقفين إلى الإعلان عن أن الزمن صار زمن “القارئ الفرد”، وظهر صدى لهذه الدعوات في بعض النظريات النقدية من قبيل “نظرية التلقي” و”جمالية التلقي”. غير أن ما يحصل حاليًّا هو غياب “الفردية” و”الناقد النخبوي” وظهور جيل جديد من “الجماهيرية النقدية” الموجَّهة في كثير من الأحيان.

وفي الوقت الذي نرى فيه ضرورة مواكبة الجماهير للإبداع قراءةً وتلقيًا واهتمامًا، بل ونقدًا، إلا أن التقويم النقدي للإبداع لا بد أن يكون مبنيًّا على معايير تلتزم العلمية في أحكامها، وهو أمر لا يتاح -في كثير من الأحيان- إلا للمتخصصين الذين حصَّلوا كثيرًا من معارف هذا العلم، وطبقوه في دراساتهم.

(3)

ومما يُستغرب له تلك العلاقة الطردية بين “الذائقة الجماهيرية الثقافية” الموجهة ورغبه المبدعين في تلبية أذواق هذه الجماهير من أجل رواج أعمالهم ووصولها إلى أكبر “جماهيرية ممكنة”.

كما أن من مخاطر الركون إلى هذه الجماهيرية، واستبدادها، غلبة معاني السوق والمكسب على معاني الجودة والقيمة. وكذا الجماهيرية والجماهيرية المضادة، حيث يسعى المتنافسون –بدعايتهم الممولة في أحايين كثيرة- إلى تكوين وحشد جماهيرية مضادة للمنافس، وهو ما يتضح بشكل أكبر في عالم الغناء والسينما.

*  *  *

إننا لا ندعو إلى القطيعة مع مواقع التواصل الاجتماعي، فهو من المحال في شريعة التطور، ولا نقلل من الآثار الإيجابية لها في الفعل الثقافي والأدبي؛ ولكننا ندعو إلى شيء من “الرشادة النقدية” في التقويم، وعدم الانجرار وراء الصوت الصاخب والبهرج الزائف في تشكيل الذائقة الفردية، حتى لا تصبح مفردات السوق والترويج والإعلان هي المعيار في تقديم كاتب على آخر، أو عملٍ على نظيره.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا