جار النبي الحلو.. والكتابة عن العواجيز

0
شريف حتيتة الصافي
أكاديمي مصري

في هدوء ودأب شديدين، واصل الكاتب جار النبي الحلو رحلته الممتدة مع الكتابة القصصية، وذلك حين نشرَ عمله الروائي الأخير “العجوزان” عن دار الهلال، لتكون بذلك تتمة لمسيرة من العطاء للإبداع القصصي المتنوع بين القصة القصيرة والرواية وأدب الطفل والسيناريو.

يقدم لنا الكاتب في هذا العمل قصة عجوزين صديقين من عواجيز مدينة “المحلة”، هما “فايز” و”رفيق”، فيعود بنا في رشاقة سردية إلى تاريخ صداقتهما وتاريخ مدينتهما الأثيرة، وإلى حاضرهما الذي يقتسمان كلَّ لحظةٍ فيه. لم تكن تِيمَة العَجْز والكِبَر – كما يُتَوَقَّع – موضوعَ المعالجَة الروائية لحياة العجوزين، وإنما كانت فكرة العمل هي اشتراك الصديقين العجوزين في الشهادة على تقلُّبات الزمن وفعله الأفاعيل فيهما وفي المدينة وأهلها.

شهد “فايز” و “رفيق” المدينة الصناعية منذ الستينيات وحتى ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكيف لم يَعد ثمة حلم يجتمع المصريون حولَه اجتماعَهم أيام حرب سيناء، وكيف ضاعت كثير من القيم الإنسانية في الزحام، وكيف ضاع صديقهما المثقَّف بعد أن جرفه النفط بأمواله، وكيف تحوَّلت مدينة المحلة الهادئة المؤطَّرة بالزراعات الممتدة إلى غابات من الإسمنت بعد أن استحالت أبراجًا وجراجات ومخازن. تغيَّرَ كلُّ شيء ولكنَّ الصديقين لم يتغيَّرا؛ ظلَّا ذاكرةً للأحداث المتعاقبة والمواقف الفارقة.

الرواية ممتلئة بالمواقف الإنسانية بين صديقين أخلص كلُّ واحدٍ منهما للآخر، يحتفظ كلُّ واحدٍ منهما تجاه الآخر بالقدر نفسِه من المشاعر، تجلَّى ذلك في براعة فنية من الكاتب، فحينما تُسنَد رواية الأحداث إلى أيٍّ منهما لا نلحظ فرقًا في موقف أيهما تجاه صاحبه، أطلعنا الكاتب عما بداخل الصديق تجاه صديقه، عمَّا يمكن أن يُقدِّمه الإنسان لأخيه الإنسان.

تثير رواية “العجوزان” العديد من الأسئلة حول الظواهر الفنية التي تعج بها، أسئلة تتعلق بتجنيس هذا العمل الذي يأخذ من القصة القصيرة كل مقوماتها، ليغزل بها بناءً سرديًّا طوليًّا نَحَار معه إلى أي الجنسين ينتمي هذا العمل البديع، ليس هذا فحسب، وإنما تشتبك الرواية، حين تتخفف من التخييل في بعض مواضعها، اشتباكًا عنيفًا بالنص السيرذاتي، كما أن العمل لا يعبأ بأي معايير كتابية سوى الكتابة نفسها واللعب بها والتعبُّد بها إن شئت!

 جار النبي الحلو كاتب على القارئ أن يكتشفه بنفسه، كاتب لن يأتي إليك، ولن تتعثر به أينما ذهبت، اختار لنفسه ميدانًا خاصًّا للكتابة بعيدًا عن الضوء، كتب ما يحب عمن يحب، صياد لؤلؤ لا يُضنيه الصيدُ، كاتب من طبقة فريدة من مبدعينا الذين تعرفُ الخاصةُ قدرَهم حقَّ المعرفة.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا