أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [6] | في مساجدنا لسنا مثلهم في مساجدهم!

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

ها أنا أعيش منقسمة الشعور -كالعادة- وأنا بينهن. فرغم البعد والفراق، وغياب الزوج كثيرًا عن البيت؛ إلا أن هناك محيطًا من حولي يُسلي ويجمُ النفس، كأن الله عز وجل يكافئُني على صبري وجلدي في غربة شديدة من اللسان والقوم، وما أشد غربة اللسان والقوم حين يجتمعان!.

لكن، ما كل هذا التفنن في بث الجمال بالمكان من حولي؟! إن زرع الزهور وتوزيعها على النوافذ والمداخل عادة متجذرة هنا، تمامًا كترتيب المنازل والحدائق ومداخل المساكن والبيوت، بفن وحرفية بالغة لدى الكل.

طالما كنت أنكر مقولة ترددها شقيقتي الكبرى باقتناع بناءً على خبرتها في البحث والتدريس الجامعي: “إن الفقر والذوق الرفيع لا يجتمعان غالبًا في نفس واحدة”، إلى أن سافرت إلى بلاد البلقان، فوجدت ذوقًا رفيعًا يتجلى في الجمال المبثوث في كل ما يمكن أن يُحيط بك، فالنمارق دائمًا مصفوفة، والفرش دائمًا زاهية نظيفة، نوافذ جيراني تبدو من خلف زجاجها البراق دائمًا ذات ستائر بيضاء ناصعة، تجاورها أسوار الشرفات المزينة بأصص الزهور التي تجذب الأنظار كلوحات منسقة ببراعة لا تُمَلُّ مشاهدتها. كانت هذه اللوحات البديعة تردّني إلى مشاهد معاكسة لشرفات بيوت أهل مصر حين كنت أطالعها من نافذة القطار المتجه إلى دمياط خلال سنوات دراستي الجامعية بالقاهرة، فجدران هذه الشرفات -في كثيرٍ من الأحيان- مفخخة بمشاجب يتدلى منها عناقيد البصل والثوم “الخَزِين” أو الأمتعة التي تضيق بها مساكنهم فتُفسح لها شرفاتهم مكانًا.

 إن أنسى لا أنسى ذهولي أول مرة عند دخولي أول مسجد في مدينة بريشتينا بعد انفصالها عن بلجراد عاصمة صربيا (يوغوسلافيا سابقًا) التي خرجت من حرب ضروس ضد المساجد وعُمَّارها. وبالرغم من هذا فالجمال والإبداع يطغيان على المكان بشكل لم أعهده بهذه الصورة من قبل، مع أني قضيت حياتي قبلها في محافظة تعج بالمدن الجميلة والشواطئ الساحرة.

رأيت في مساجد البلقان ما لا عين رأت من بهاء وجلال، وما لا أذن سمعت من همس وخشوع، وما لم يخطر على قلبي من تعظيم لبيت الله في الدنيا، ولا حتى في بيت الله الحرام. منذ دخولك المسجد تتلقاك نسائم الليمون واللافندر في كل ذرة هواء فيه من خلال أجهزه تعمل ليل نهار على نشر هذا الطِّيب المبهج، ولا يعكر صفو هذا النسيم حمامات أو مواضئ داخل المساجد، بل كل ذلك دائمًا في باحات المساجد الخارجية. أماكن الأحذية كذلك عبارة عن لوحات فنية تصلح لوضع التحف، فهي من الخشب المطلي أو من الرخام الناصع.

لن تجد المساجد التي تزورها إلا نظيفة في كامل زينتها، وما ذلك إلا لأن بها عمالا يقومون عليها ويوزعون المهام فيما بينهم. ولن تجد شاردة من حاجات المصلين تغيب عنهم. مثلا كنت أرى بين الفريق العامل في كل مسجد سيدةً مهمتها غسل مناشف الوضوء ووضعها في خزانة مخصصة لها بالمسجد، وكانت تتتبع مشاجب المناشف تلتقطها بعد استعمال المتوضئين لها ووضع النظيف مكانها. وكالعادة كانت هذه الخدمات تستدعي المقارنة في أعماقي.

حين كنت أراقب الرجال يتحلقون حول دائرة الوضوء في باحة المسجد فيحسنونه في صمت، ثم يمشون إلى الصلاة في صمت، ويضعون متعلقاتهم في صمت، ثم يدلفون إلى المسجد في صمت، وكذلك النساء؛ كان يتبادر إلى ذهني عبارة “ومشيك إلى الصلاة صلاة”، أما أنا فقد كانت مِشيتي مشية المتأمل في كل صغيرة وكبيرة، حتى تلك القارورة الجميلة المخصصة لوضع مظلات المطر فيها عادةً ما تكون في زاوية محددة عند أول مكان يُظلُّ الناس. تنسيق عجيب، وكأنهم يفكرون في أدق الأمور وأصغرها، التماسًا لراحة رواد المساجد.

في داخل المساجد حتما ستلمح جودة الفرش، والألوان المتناسقة، والتفنن في ترتيب الجدران وتنسيقها.

هنا لن يسرق لصوصُ الأحذية حذاءك كما يفعلُ صغار اللصوص في بلادنا. حتى تلك الآلة البلاستيكية الصغيرة التي تساعد كبار السن في ارتداء أحذيتهم دون أن ينحنوا لم تكن تغفل عنها إدارة المسجد، فقد بدا لي خلال السنين التي قضيتها هناك أن راحة المصلين هدف حقيقي لديها.

إذ أنسى لا أنسى الصمت عن الأحاديث الجانبية، والسلام والكلام بكل أشكاله وألوانه. لن ترى في المسجد إلا نظرة العين، وربما يكون مصحوبة بابتسامة، على عكس الكلام والسلام والضجيج واللغو في بيوت الله ببلادنا العربية. أذهلتني خلوة الناس بالمساجد على اجتماعهم للجماعة، خلوة حقيقية تبدأ من الدخول والصلاة كاملة فرضًا وسنة.

جلسة النساء بعد الصلاة كجلستهن في جلسة التشهد لا يغيرنها حتى يختمن أذكار ما بعد الصلوات. كان الحديث في المسجد -في اعتقادهن- جريمة.

في المسجد، لن يفتح أحد فمه إلا بالذكر والدعاء.

لن تجد من يشرب أو يأكل أو ينام.

لن تجد وسادة أو مقعدًا لغير الصلاة.

لن تسمع همسًا في غير ذكر الله.

لن تجد من يرد على هاتفه، ولا من يصحح لك في صلاتك، ولا مَن يراقبك.

الناس هنا يقدرون المساجد حق قدرها، لذا جعلوا حولها باحات للوضوء ولإفطار رمضان وغير ذلك مما يمكن أن يهز صورة المشهد الروحاني داخل المساجد التي كانت خالية من كل شيء إلا ذكر الله وما والاه.

لم تكن المقارنات في صالحنا أبدًا من أي ناحية. الصمت والخشوع هنا ذكراني -بمرارة- ما تفعله النسوة لدينا من سرد حكاياتهن ومشاكلهن لبعضهن في رحاب بيوت الله، بل إن ما يفوق ذلك مرارة موقف رأيته حين دخلت إحداهن المسجد متجهة صوب ساكنة لديها بالإيجار، لتنهال عليها ضرًبا أمامنا لأنها ترفض أن تترك لها البيت!.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا