رسائل الميتاسرد في “ثورة المريدين” لسعيد بن سعيد العلوي

0
د. محمد شهبون
كاتب مغربي

بين يدي الرسائل:

1- ينتمي الدكتور سعيد بن سعيد العلوي إلى فئة الباحثين الأكاديميين المغاربة في مجال التاريخ، وهو انتماء أكده بمنجز علمي مقدر ساءل من خلاله عددًا من قضايا التاريخ العربي بعين ناقدة حصيفة (1).

وبميلاد “ثورة المريدين” (2) يرسخ الدكتور العلوي قدميه على أرضية السرد الطويل (3)، ليخطو بثقة إلى الأفق البديع حيث شمس الرواية المغربية تتمطى بأشعتها الجميلة نحو أفلاك الأدب العربي لتجد لها مدارا خاصا وجميلا.

2- يعني مطلح الميتاسرد(4): “ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، كما يُعنى هذا الخطاب الوصفي برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة وتشكيل عوالم متخيل السرد، وتأكيد صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية، ولا سيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام”(5). إنه ممارسة إبداعية تجريبية تتجاوز بالرواية معهوداتها التقليدية تشكلا وتلقيا، وتجسر الهوة بين الإبداع والنقد لتجعل المبدع أول ناقد لعمله الإبداعي.

وكي لا يكون الميتاسرد ترفًا باردًا أو حشوا فارغا، أحصى له الدارسون وظائف نوعية مختلفة داخل العمل الروائي، تجعله من أهم تقنيات التجريب التي طالت الكتابة السردية في العقود الأخيرة (6).

3- في ثورة المريدين حكايتان متجاورتان تسيران جنبا إلى جنب:

  • حكاية السارد (عبد المولى اليموري): السيناريست المغربي أصلا الأمريكي إقامة يختار الجنوب الإسباني (بين المدينة) مقرًّا لكتابة رواية عن المهدي بن تومرت ملهم الدولة الموحدية في المغرب، في أفق تحويلها إلى عمل سينمائي وتلفزيوني استجابة للمطالب المغرية لصناع الفرجة الحديثة.. وفي طريقه نحو هذه الغاية ينتقل اليموري عبر أمكنة مختلفة: القاهرة (ميدان التحرير)، ومراكش.

حكاية عبد المولى اليموري مليئة بالقلق والسؤال الناجمين عن المطاردة المحمومة التي انخرط فيها السارد للإمساك بأسرار المهدي سواء منها المروي في حكايات الأبناء(7)، أو تلك التي ما تزال أسرارًا مرقومة غيبتها يد التاريخ الموجَه… لبُّ الحكاية هنا مواجهة يدخلها السارد ضد أبي بكر البيدق (مؤرخ المهدي) الذي نقل سيرة المهدي في لوحة عجائبية، وإخضاع الحكاية البيدقية لمشرط المراجعة.

  • حكاية المهدي بن تومرت: هي متابعة أدبية لرحلة هذا الرجل الملهم منذ بغداد التي وصلها لأخذ العلوم (العقيدة والفقه..) والأسرار (الجفر).. ثم السير معه إلى بجاية (اللقاء بعبد المومن بن علي الكومي أول ملوك الموحدين)، وبعدها فاس (مواجهة علماء المرابطين) ومراكش (الدعوة للخروج عن الدولة المرابطية).. مع ما رافق هذه الرحلة من تخطيط ومناورات ومكابدات فكرية ومادية لتجسيد فكرة “المهدوية” المخترقة لأزمنة وأمكنة شتى.

ويتجسر اللقاء بين الحكايتين فوق قنطرة السؤال: هل للتاريخ عصمة تمنعه من التمحيص والتدقيق؟ ألا يتيح السؤال الجريء مراجعات كثيرة يمكنها أن تسَوِّد مدونات تاريخية جديدة؟

ينتصر سعيد العلوي (الباحث الأكاديمي في التاريخ) للجواب الذي يهتك هذه القداسة، ويدعو إلى كتابة التاريخ من جديد. وما شخصية المهدي بن تومرت في هذا العمل السردي إلا نموذج أول، ولعل البقية تأتي في أعمال أخرى.

4- ثورة المريدين: عمل سردي طويل اختار المؤلف أن يسلكه في عقد الرواية.. لكن هل من وصف تصنيفي لها؟

أقرب الأوصاف التصنيفية أن يوضع هذا العمل الإبداعي في رف الرواية التاريخية (8).. لكنه تصنيف يخلو من طمأنينة اليقين من جهتين على الأقل:

  • الأولى: هيمنة الميتاسرد على الحكاية التاريخية الأصلية التي هي مدار التأليف كما يبدو للوهلة الأولى.. وستُظهر مؤشرات لاحقة حجمَ هذه الهيمنة التي تنأى بالرواية عن التصنيف التاريخي المألوف عند عدد من رواد هذا المدرسة.

  • الثانية: حدود الأمانة والصدق بدلالتيهما الأدبية فيما رواه اليموري عن المهدي بن تومرت، بما يضعنا أمام بعث جديد لمتلازمة الصراع القديم بين الصدق والإبداع، وبين التأريخ والتخييل.. هل ما زالت مقولات لوكاتش حول الرواية التاريخية قادرة على تأطير هذا الصنف في تجلياته الجديدة.. من قبيل إعلانه: “يجب أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة“ (9) .

وعليه، يتعاظم التوجس حينما نعلم يقينًا أن المشروع الفكري الذي يثوي وراء هذا المتن الحكائي هو خلخلة اليقينيات التاريخية المتوارثة التي تراكمت فوقها أغشيةُ الحقيقة والصدق.

ولعل البيان الآتي لرسائل الميتاسرد في رواية ثورة المريدين كفيل بمزيد من الكشف والإيضاح:

الرسالة الأولى: اليموري قبل المهدي:

لا يلزم القارئَ عناءٌ كبير ليستنتج أن “ثورة المريدين” هي صوت صريح ومهيمن للميتاسرد.. أكثر من كونها حكاية عن المهدي بن تومرت.. إنه الميتاسرد حين يبتلع الحكاية الأصلية ليحولها إلى حكاية من الدرجة الثانية.

تتبدى هذه الرسالة من خلال جملة من المؤشرات العددية والحكائية، منها:

  • مجموع صفحات الرواية هو 279، لليموري (الميتاسرد) منها 155، وللمهدي 111، تضاف إليها سبع صفحات هي مداخل (اقتباسات) لحكاية المهدي.

  • مجموع فصول الرواية 31 منها 21 فصلا مرقما لحكاية اليموري (الميتاسرد)، و10 فصول غير مرقمة للمهدي.

  • ترقيم الفصول خاص بحكاية اليموري.. وفي هذا تأكيد على وجود حكاية كبرى تستوعب ضمنا حكاية صغرى.. حكاية اليموري تبتلع حكاية المهدي.

ههنا تتناسل الأسئلة: هل يكتب العلوي فعلا عن المهدي بن تومرت؟ هل يستحق مخاض الكتابة وقلقها وعوالمها الخفية أن يحتل مكان الحكاية الأصيلة؟ أيهما أولى بالمطاردة السردية: اليموري الحاضر في الرواية؟ أم المهدي الحاضر في التاريخ؟ هل يبقى للحكاية الأم مسوغٌ للوجود مادامت لا تعدو أن تكون تُكأة للإفصاح عن مرادات السارد بالدرجة الأولى؟.

الرسالة الثانية: مهدي البيدق، ومهدي اليموري:

يمارس الميتاسرد في رواية ثورة المريدين دور الباعث والموجه للحكاية.. فرغم الهيمنة الكمية للمعلومات التاريخية التي يمد بها أبو بكر البيدق (مؤرخ المهدي) اليموري ليطارد شخصية المهدي، فإن السارد مهووس بقلق السؤال، أرٍقٌ من وجود وجه خفي لهذه الشخصية المحورية في تاريخ المغرب.

ولأن المصادر التاريخية المتوفرة تكاد تجمع على رواية البيدق، فإن التخييل يؤدي دوره ليرمم الصورة من خلال افتراض يقظةِ ضميرٍ عاشها البيدق دفعته نحو تدوين الأخبار الصحيحة عن المهدي في “السر المرقوم”، متخففا من إكراهات الرغب والرهب التي جعلته يسطر سيرة هي أقرب إلى الأساطير منها إلى التأريخ الحقيقي.

لقد اكتسب اليموري قدرة على كشف حقيقة المهدي وتمييز صفاته مهما كانت درجة التنكر والاختباء.. (أعرفه، سواء لبس كساء أو برنوسا أو تنكر في ألبسة المتسولين والزهاد او اعتمر ثياب التجار.. صاحبي.. يجيد فن الرمل يفك الطلاسم يظهر الجنون..)(10).

فإذن حكاية المهدي بدورها حكايتان: حكاية معلنة رائجة ترفعه إلى مقام العصمة والقداسة.. وحكايةمغيبة تنسب المهدي إلى البشر بنزعاتهم الإنسانية الطبيعية سفلا وعلوا.. من ههنا ينفتح المجال أمام الميتاسرد ليصور المهدي رجلا داهية أوعى من المكر والخديعة وخطط المناورة ما عبد به السبيل نحو التمكين السياسي لفكرته.

في الرسالة ومضتان:

الأولى: نفي العصمة والقداسة عن الفاعلين السياسيين عبر التاريخ العربي الإسلامي، ونسبة أفعالهم إلى الأرض لا إلى السماء.. وذلك بالاجتهاد في كشف مخفيات التاريخ الحقيقي لهذه الشخصيات.. وهذه دعوة يعضدها العقل العلمي الناقد الذي ينحو نحو القطع مع اليقينيات المتوارثة.

الثانية: افتراض الأسوأ والأقبح في هذه المخفيات التاريخيات.. وههنا محل النظر والاختلاف.. فإذا كان الكذب قد ثبت بمرويات تاريخية دفنت الصدق والحقيقة، فإن بعث الحقيقة ونشر الصدق لا ينبغي أن يكون بطريقة مماثلة لا تقف على ساق من علم ولا قدم من بحث.. لقد هدم اليموري التمثال الحجري للمهدي.. لكنه بنى مكانه تمثالا من ورق في تومبكتو.. دون بلوغه مفاوزُ مهلكة من القحط وقفارٌ مدوية من السراب.

وبمطاردة سر المهدي تنخرط “ثورة المريدين” ضمن خانة الكتابة الروائية التي تطارد الأسرار التاريخية وتحاول إضاءة الجوانب المعتمة لعدد من الحوادث والشخوص المهيمنة على التاريخ البشري، (11) بما يضمن لها التشويق والإثارة.

الرسالة الثالثة: الربيع العربي: حركة مهدوية جديدة:

تزامنت كتابة الرواية مع الحراك الذي شهدته بلدان عربية شتى.. ويحضر هذا الحراك في الميتاسرد بشكل واضح عبر فصول ومقاطع متعددة.. سواء من خلال المتابعة الإخبارية عبر قناة الجزيرة القطرية التي جندت مواردها البشرية والمادية لمواكبة هذه الثورات وضمان الصوت والصورة لها.. أم من خلال الوجود المباشر للسارد في ميدان التحرير بالقاهرة حيث الاعتصام الجماهيري الذي امتد أسابيع طويلة إلى أن غادر الرئيس المصري حسني مبارك(12). في هذا الميدان اختلطت شعارات “ارحل” المصرية مع شعارات أتباع المهدي عن المنكر والفساد ووجوب تغييرهما(13).

لقد أفصح الميتاسرد عن رؤيته لهذا الحراك العربي عبر تجليات مختلفة:

  • يعتقد المنتج السينمائي غسان أبو ماضي في حواره مع السارد أن الحراك الحالي وما سبقه من حركات تغييرية عبر تاريخ المسلمين لا يعدو أن يكون استغلالا للمقولات الدينية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(14)

  • يكشف حوار النخبة المصرية في سهرة خاصة قضاها اليموري في القاهرة عن نمو التوجس من استيلاء حركات الإسلام السياسي على السلطة بعد نجاح الثورة(15).

  • يحكي السارد في لحظات لا وعيه أثناء سقوطه من ظهر الجمل خلال رحلة برية عن مواجهة حتمية بين التيار الإسلامي (أنصار المهدي) والتيار العلماني (عبد المولى اليموري ودرية شرف الدين وجمعة بسيوني..).. يقول جمعة بسيوني: (المهدي ده معاصر لنا. دعوته هي دعوة كل الحركات السياسية الني تجعل من الاسلام فرصة سانحة للنجاح)(16)

  • لا يخفي اليموري موقفه من قناة الجزيرة التي ارتبط الحراك العربي بها بشكل من الأشكال.. (لا أحب الجزيرة بل أكرهها أحيانا كثيرة بيد أنها تظل شرا لا بد منه فالكل ينقل عنها..)(17)ويتحول البيدق راوية المهدي إلى مراسل لقناة الجزيرة في إيحاء للدور الذي لعبته هذه القناة خلال أطوار الربيع العربي(18).

بهذا الاستقراء يمكننا أن نتساءل عن حجم البراءة في تعليق ماريا كابريرا على فصل الربيع في “بين المدينة”: (ربيع كاذب سينيور أبدو…)(19).

الرسالة الرابعة: رواية بلا امرأة:

تخلو حكاية المهدي من حضور المرأة، مما فتح المجال لبعض “نقاد الميتاسرد” لتسجيل نقطة ضعف في الحكاية.. وقد فسر اليموري (السارد) هذا الأمر بالحقيقية التاريخية التي لا يمكن تخطيها.. (فكم مرة قرأت قول المؤرخ إن المهدي لم تكن له زوجة ولا ولد لأنه كان حصورا. في لغتنا اليوم: كان عنينا (….) ذاك هو المهدي سجين العجز التام (..) ليست له زوجة حيث إنه كان عاجزًا عن إتيان النساء فقد كان يكرههن. يكره صورة الزوجة تخونه لأنه غير قادر على مجامعتها..)(20).

إن غياب المرأة في حكاية المهدي مقبول مادامت القضية حبيسة التلقي القرائي.. أما الانتقال بها إلى التلقي البصري عبر الشاشة فلا استساغة لها أبدا(21)، مما يلزم اليموري قدح زناد الخيال ليقدم البدائل المشوقة.

أما حكاية عبد المولى اليموري (الميتاسرد) فتتوزعها امرأتان: حاضرة وغائبة:

  • الحاضرة هي: ماريا كابريرا الرائعة، القائمة بشؤون السارد، المفعمة بالحيوية والنشاط، المتفانية في أداء دورها(22).. إنه الوجه الإسباني الأندلسي المجسد لتلاقي الثقافات.. والصامد في وجه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الزاحفة على الأندلس الكاذب.. (توري مولينوس اليوم شوارع أضاعت أندلسيتها جملة وتفصيلا، غدت سوقا يستعرض فيه الاغنياء ترفا كاذبا.. قتلت الأندلس غدرا)(23).

  • الغائبة هي بشرى بما تمثله لدى السارد من بقايا عشق أُعدم دون أن يتحول إلى زواج.. بشرىالمرأة المغربية التي تورطت في زواج غير مرغوب، أعقبها بنتا (ريم) تائهة بين أفكار وإيديولوجيات متناقضة(24).. مثلها في ذلك مثل ولد اليموري (نعمان) المنساب في بلاد الله البعيدة(25). أمام استحالة الوصل المنشود تبقى بشرى منية قلب عليل(26) هكذا يحتفل الميتاسرد بالمرأة.. بينما تغيب في الحكاية الأم.. مما يجسد تقابلا مقصودا بين بطلي الحكايتين: المهدي واليموري.

الرسالة الخامسة: تأبين القراءة:

تشي الهوية المهنية للسارد باعتباره كاتبا محترفا للسيناريو بالمقصدية السينمائية للكتابة الروائية.. فالفعل القرائي التقليدي اليوم يعاني من انحسار واضح، في مقابل ارتفاع منسوب التلقي البصري الذي استحوذت عليه الصناعة السينمائية والتلفزيونية.. هل يتحول الروائيون إلى كتاب سيناريو يرتبط وجودهم وإبداعهم بشركات الإنتاج مادام الخذلان يحاصر الإبداع الروائي التقليدي؟ لا يتردد الميتاسرد في الانتصار لهذا التحول المهدد للقراءة التقليدية (يراودني حلم مشروع تجاري صغير، أجده مبررا لإقامتي في مدينتي الأصلية وحافزا على إقفال القوس الأمريكي.. ربما غدا المشروع شركة إنتاج سينمائي-جزئيا على الأقل- يقدم خدمات سينمائية أساسية لشركات الإنتاج العالمية ولكبار المخرجين..)(27).

 إن حالة التصحر القرائي التي تعيشها البلاد العربية يهيئ سماء الإبداع لتمطر بالوعود والإغراءات الكبيرة التي يقدمها الرأسمال السينمائي والتلفزيوني الذي يعيش سنوات الخصب الكبير.. مما يجعل الروائيين العرب يواجهون سؤال الوفاء للقراءة مهما كانت التحديات والإكراهات.

في الميتاسرد المدروس ينهض غسان أبو ماضي -ممثل الرأسمال المستثمر في السينما– بمهمة إغواء السارد للانخراط في مشروع سينمائي عن ثورة ابن قسي.. ومثل هذا الإغراء يمارسه الصديق المصري جمعة بسيوني الخبير بأحوال الفن والقراءة.

بل يكشف السارد عن درجة أكبر من لعبة الإغواء حينما يتحول الإبداع إلى كتابة تحت الطلب وفق شروط ومقتضيات محددة سلفا (أعتقد أن أفضل أسلوب يمكنني سلوكه في التعبير عن الفكرة التي نتوخاها من إعداد فيلم عن ثور ة المريدين هي ان نتبين أولا الصورة المعتادة… ثم تنتبه بعد ذلك إلى الجانب الذي أنعته بالستاتيكي أو الجامد..)(28).

ويبلغ التحكم السينمائي أقصاه حينما يقدم نفسه مالكا للحقيقة.. فسرُّ الكتاب الثاني للبيدق عن المهدي جاء على لسان الراعي السينمائي للمشروع.. لقد كان عشاء النوتيليس رفقة غسان حاسما في تغيير وجهة الرواية كما أقر اليموري..(29).

لكل هذه الأسباب تبدو قضية التعديل والتغيير في المتن الحكائي -وفق متطلبات الفرجة السينمائية والتلفزيونية- أمرا حتميا لا مناص منه، لأن رهانات العمل السينمائي مغايرة لرهانات التلقي القرائي(30).

على سبيل الختم:

تروي “ثورة المريدين” ظمأ إنسانيا متوارثا في الوجدان البشري من خلال بعثها للفكرة المهدوية المخترقة لحجب الزمان والمكان، المبشرة بالعدل والسعادة للجميع.. (كثيرون يعيشون على أمل عودة المهدي.. ينتظره خلق الله حيث تضيق بهم السبل وتنقصهم الحيلة.. هو العربي الكردي الأمازيغي الفارسي التركي الرومي هو في كل بلاد الله..)(31).

لكن، هل بقي في النفس شيء من هذا الميتاسرد المتغول؟

 نعم، لقد طغى الميتاسرد على “ثورة المريدين” وحول الرواية الأم إلى حكاية من الدرجة الثانية لا تعدو أن تكون سندا تراثيا يعتمده السارد للتعبير عن مواقفه من قضايا الواقع وتحديات الكتابة.. ولن يشعر القارئ بأي فراغ حكائي أو نقص سردي إذا ما استغنى كلية عن حكاية المهدي.. وههنا موطن الإشكال: هل يحيا الميتاسرد بعيدا عن هواء الحكاية الأم؟ هل يبقى للميتاسرد مفهومه ووظائفه وأناقته التجديدية إذا ما ابتلع الحكاية الأولى؟

إن صداع القراءة(32) الذي تسببه “ثورة المريدين” لن يمنع الأقلام الناقدة من مقاربة مواطن الجمال في صنعتها السردية، وكشف حقائقها الصريحة والمضمرة خدمة للإبداع الأدبي في عموم الوطن العربي، وفي بلاد المغرب الأقصى على وجه الخصوص.

___________________

قائمة الإحالات:

 (1) من أعمال الدكتور العلوي: دولة الخلافة: دراسة في الفكر السياسي عند الماوردي (1980) / الفقه والسياسة, بيروت, دار الحداثة، 1982, الإيديولوجيا والحداثة, قراءات في الفكر العربي المعاصر, الدار البيضاء، بيروت, المركز الثقافي العربي، 1987الخطاب الشعري: مساهمة في دراسة العقل العربي الإسلامي (1992) / الاجتهاد والتحديث: دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب (1992) / أوروبا في مرآة الرحلة (1995) / قول في الحوار والتجديد والمستقبل (2009)..

 (2) صدرت الرواية عن المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء 2015.. تقع في 279 صفحة.

 (3) صدرت للدكتور العلوي من قبل روايتان هما: مسك الليل ( دار رؤية للنشر والتوزيع القاهرة 2010) والخديعة (دار جداول بيروت2011).

 (4) حول مفهوم الميتاسرد وتجلياته الفنية ينظر:

د. محمد عزالدين التازي: (مفهوم الروائية داخل النص الروائي العربي)، مجلة الوحدة، الرباط، السنة الخامسة، العدد (49)، تشرين الأول سنة 1988م،

د. محمد الباردي: الرواية العربية والحداثة، الجزء الأول، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سورية، الطبعة الأولى سنة 1993م.

محسن جاسم الموسوي: ثارات شهرزاد: فن السرد العربي الحديث، دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1993م….

د. سعيد يقطين: (الميتاروائي في الخطاب الروائي الجديد في المغرب)، مجلة مواقف، دار الساقي، لندن، العدد (70/71)، شتاء/ربيع من سنة 1993م صص:96-

محسن جاسم الموسوي: انفراط العقد المقدس: منعطفات الرواية العربية بعد محفوظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1999م…… د. عبد الرحمن بوعلي: الرواية العربية الجديدة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:206-209…أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، دار أزمنة للطبع والنشر، عمان الأردن، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2001م…الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات إتحاد كتاب المغرب، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004م، ص:198…ولمياء باعشن القص الماورائي واختراق الجدار الرابع في «هروب البطل» لمحمد الرطيان 1-3 د. على موقع الجزيرة الثقافية http://www.al-jazirah.com/culture/2012/06092012/fadaat10.htm

 (5) جميل حمداوي أشكال الخطاب الميتاسردي في القصة القصيرة بالمغرب ص05 موقع الألوكة www.alukah.net/books/files/book_2349/bookfile/mitasard.doc

 (6) نفسه ص: 6-7.. سرد الدكتور حمداوي عددًا من الأعمال الروائية العربية التي اشتغلت بتقنية الميتاسرد: ” القصر المسحور” لتوفيق الحكيم وطه حسين (1936م)، و” الزيني بركات” لجمال الغيطاني”، و” موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، و” ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، و”الأنهار” لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و”رحيل البحر” لمحمد عزالدين التازي، و”الأبله والمنسية وياسمين” للميلودي شغموم، و” بدر زمانه” لمبارك ربيع، و” مجنون الحكم” و” العلامة” و” سماسرة السراب” لبنسالم حميش، و” طائر في العنق” لعمر والقاضي، “مملكة الغرباء”و” الوجوه البيضاء” لإلياس خوري، و” الديناصور الأخير” لفاضل العزاوي، و”قميص وردي فارغ” لنورا أمين، و” أصوات” لسليمان فياض، و”يحدث في مصر الآن” ليوسف القعيد،و” عالم بلا خرائط” لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، و” وردة للوقت المغربي” لأحمد المديني… ص11-12

 (7) هم المؤرخون الذين تناقلوا سيرة المهدي بن تومرت: ابن القطان، ابن أبي زرع، ابن خلكان.. وهؤلاء يدورون في فلك المؤرخ الأول للمهدي ورفيقه الملازم له: أبو بكر البيدق صاحب كتاب أخبار المهدي بن تومرت.

 (8) أنظر البيان التأصيلي لهذا الصنف الحكائي في كتاب جورج لوكاتش: الرواية التاريخية، تر: صالح جواد الكاظم، دار الشؤون الثقافية، بغداد، العراق، 1986 وانظر لمزيد بيان المراجع الآتية:

 قاسم عبده قاسم: الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث، دار المعارف، القاهر، مصر، 1979،

عبد الله إبراهيم: السردية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2003،

حلمي القاعود: الرواية التاريخية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، مصر، 2004،

فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي ط1، 2004،

سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي رؤية للنشر والتوزيع القاهرة 2006..

 (9) الرواية التاريخية لوكاتش.. ص215

 (10) ثورة المريدين ص23 بتصرف.

 (11) من نماذج هذه الكتابات: شيفرة دافنشي للأمريكي دان براون، وأخوية اليقظين لجاك أتالي، والمنتظرة (سر مريم المجدلية) لكاتلين ماك غوان..في ثورة المريدين:” يحدث المهدي أصحابه كما حدث المسيح أصحابه من قبل خطبة وداع، يخشى الفتنة من بعده، يرتقب الخيانة” ص 206

 (12) نفسه صص 212-213

 (13) نفسه 215 و269

 (14) نفسه ص 104

 (15) نفسه صص 221- 223

 (16) نفسه ص 230 و265

 (17) نفسه ص 15

 (18) نفسه ص 270/271

 (19) نفسه ص 15

 (20) نفسه ص 184

 (21) تقول إيناس “النجمة المشهورة” لليموري: رواية من غير امرأة ازاي يعني؟ ص 228 ويعلق صديقه جمعة:.. خلو الرواية من المرأة مما يمكن تداركه، بل يجب تداركه بالنسبة إلى سيناريو المسلسل.. ص229.

 (22) نفسه ص 8

 (23) نفسه صص: 19/130

 (24) نفسه ص13

 (25) نفسه ص 14.

 (26) نفسه ص 20

 (27) نفسه ص20

 (28) نفسه ص 95

 (29) نفسه ص 204

 (30) نفسه ص 231

 (31) ثورة المريدين ص 23 بتصرف وص 232

 (32) عن مثل هذا الصداع تحدث الباحث هشام العلوي في مقالته عن ثورة المريدين: التاريخ متخيلا للرواية في مقاربة ثورة المريدين، مجلة ذوات، العدد 26-2016، ص 96.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا