أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [7] (وعجبوا أن رأونا نأكل البط)

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

ها أنا ذا أتأهب لركوب السيارة التي تُقلني من أمام بيت والدي إلى أرض مطار القاهرة قبل سفري باكية كعادتي، أُقبل مَن حولي، أربت على أكتافهم، أتلمس أياديهم، أمنيهم بيوم العَود، أردد قول الشاعر المشتاق لمن رحلوا عنه:

أكلَّ الدهر حَلٌ وارتحالٌ * أما يُبقي علي أما يقيني

وقلبي يلهج بالدعاء: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. وعيني تتوق إلى أحباب رحلوا وهم في حبة القلب.

كانت تلك السفرة شديدة الوقع على نفسي، مع أنها جاءتني بعد سَبيقات لها كُثُر؛ فأضحيت وقد خبرت السفر، وعركتني الغربة، إذ صارعت فيها الشدائد على صغري، وغالبتها حتى نضجت، فقويت عزيمتي، وجددت نيتي، ولبيت دعوة زوجي في كل مرة، ورافقته في كل حدب وصوب حتى كرهت الكسل كراهية الموت، ذلك الموت الذي خطف مني أبي الحبيب -على غرةٍ- قبل موعد تلك السفرة بشهر، فكانت أول مرة لا يرافقني فيها بصغاري من البيت.

وكانت أول مرة لا تودعني عينه التي رحلت وغاضت معها أصدق أنهار الحب!.

يومها بكيت بكاء لم أبكه من قبل،،

يومها أشفق عليّ جميع مَن كانوا في الركب،،

وراح السائق الطيب يعظني، ويعددُ لي فوائد الصبر، ظنًّا منه أن بي جزعًا، وهو لا يدري جوهر الأمر،،

بدا لي الرجل مسكينًا لم يرشف حلاوة صداقة الأب للبنت، وقد كان أبي -رحمه الله- صديقًا ليس كمثله أب، حتى إنني منذ رحيله ما زلت أبحث عن صداقته، وأتفقدها، ويبدو أني سأظل أفتقدها إلى آخر العمر.

 انتهت الرحلة الطويلة من دمياط إلى بودغوريتسا، وكانت أولى رحلاتي إلى تلك المدينة البعيدة، بعد إقامتي قبلها في مدينة بريشتينا الحبيبة عاصمة إقليم كوسوفو (وطني الثاني) قرابة خمس سنوات.

وما أشد التعدد على نفس مَن يُعظِّمون الأماكن، وما أقساه على من يقدسون الحب!

كان كل شيء في تلك الرحلة يدعوني للقلق، فلا يخفف منه إلا مراقبة جمال المدينة من الجو.

بدت المدينة من الطائرة ساحرة،،

قلت لنفسي يبدو أنه ستتحقق مقولة جدتي هذه المرة، حين قالت وهي تودعني: “بنيتي إن الشيء الذي تخافين منه لن تجدي أحسن منه!”.

لكن كيف؟ كيف وأنا أعلم أنها عاصمة تخلو من العرب تمامًا ومن المسلمين تقريبًا.

حتى الألبانية التي تعلمتها باللهجة الكوسوفية ليست لغتهم الأم، وهم ليسوا كاثوليكًا ألبانًا فقط كبعض جيران لنا خالطناهم من قبل، أو سنة أحنافًا كما كان الحال دائمًا؛ وإنما هم في أغلبهم من الصرب، وعاصمتهم تلك هي رديف بلجراد الأم!.

زفرة خرجت من أعماقي بقول: “لا بأس!”.

حري أن أنسى جرائمهم في البوسنة وكوسوفو، وأن أنحي الخلاف جانبًا، كما تقول الحكمة، مهما كان الأمر.

سأبحث عن صداقات جديدة، وأبدأ من الصفر، مهما كان القلب -بعد فراق أبي- في طور الصبر.

هبطت بنا الرحلة، في أحد الأعوام قبل سبع سنوات تقريبًا في جمهورية الجبل الأسود، وكنت أول مصرية أو عربية تزور المدينة وتقيم فيها.

عشت قريبًا من العاصمة بمدينة تسكنها أغلبية مسلمة تسمى توز Tuzi، على عكس باقي مدن الجبل الأسود التي تطل على شواطئ البحر الأدرياتيكي الساحر، رأيت فيها من المشاهد والعجائب ما حُفر في العقل والقلب، قصصت بعضًا منها في (أيامي) من قبل حين (رأيتهن يصففن شعورهن في يوم العزاء!)، وحين قصصتُ لكم عن قلوب أهلها البيضاء التي لا تعرف الحقد، وعن جارتي الخلوقة مريمة، وغيرها. وما زالت تلك المشاهد تمور في الرأس.

حديثي اليوم عن هؤلاء السكان الذين يتمازجون في فسيفساء من النِحل والمِلل، وقد طرحوا كل خلاف وراء ظهورهم بكل عزيمة وحزم، وسط أجواء حميمية من الود والحب!

تزور جارك المسلم فتجد عنده جارًا مسيحيًّا.. تذهب للإفطار في ساحة المسجد فترى النصارى يجلسون معك حول المائدة.. يقابلك موظف في مصلحة حكومية يقول لك: “السلام عليكم.. أنا صربي مسيحي، لكن أمي مسلمة.. فمرحبا!”.

تقابلني صديقتي الملتزمة بتعاليم دينها مع حماتها التي تنتمي لعائلة صربية، فتحكيان لي كيف أسلمت الأم فتبعتها الأسرة كاملة، وما زالت علاقاتهم بعائلتهم السابقة قائمة ومزدهرة!

كان جوًّا متسامحًا حد التفريط بعض الشيء.. تفريط القِلة المغلوبة من الكثرة.

ذات مرة وأنا أتسوق ضحى، أوقفتني جارة بعيدة عني، ودعتني بإلحاح لأشرب معها فنجانًا من القهوة، وحملت عني حاجياتي وهي تحدثني الألبانية بلطف، حتى إذا وصلنا إلى بيتها ودلفنا إلى غرفتها الفسيحة، اصطدمت عيني بذلك الصليب الضخم على الحائط، وشجرة الكريسماس المزينة بقربه.

عندها فقط انتبهت إلى أنها تختلف عني في الدين، راحت تصنع لي القهوة وهي تسامرني كأنها تعرفني منذ زمن، ولما سألتني: “لماذا أرتدي تلك الملابس غير العصرية كما تراها هي”، شجعتني على أن أسألها: “كيف تدعوني لبيتها، وأنا الغريبة عنها من كل وجه”، فأجابتني بأن جاراتها المسلمات (صديقاتي) حكين لها عني، وأن ما فعلته هو واجبها نحوي ونحوهن!

وأسهبت تحكي لي عن سلام أهل المدينة. قالت: “نحن جميعًا خُلقنا من جنس واحد على اختلاف أعراقنا”، ثم مسكت ساعدي وقربته من ساعدها: “انظري أليس هذا لحم ودم؟! وهذا أيضًا لحم ودم! إذن لا فرق!”.

كان تشبيهًا تمثيليًّا رائعًا فسر لي كثيرًا سر ذلك التعايش الآمن في هذه المدينة بعد كل هذه الحروب الأليمة.

لكن هذا التمازج البيّن لم تكن لتخفَى معه آثار إثنية البلقان الشهيرة، متمثِلة في الدين والعرق واللغة والهوية.

كان الحال هو ذوبان الأقلية وسط الأكثرية، واللجوء للضرورات، وأخذ الرخص جميعًا، والوقوع في المحظورات، مرغمين لا أحرارًا.

هذا ما رصدَته عيني،،

ينادون بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وهم يحرمونها من الميراث مطلقًا ومن الطلاق بتاتًا.

فما أن تخرج من بيت أبيها حتى تُحرم من العودة إليه إلا زائرة، كما تحرم من اسم والدها وحتى لقبه.

حين يُدينون زواج الأقارب الذي يحدث في بلادنا العربية يصمتون عن زواج المسلمة من نصراني!

كان استقصاء حال أهل هذه المدينة يُظهر لي واقعيًّا كيف يكون الذوبان في المجتمع.

كانت ظاهرة تأخر سن الزواج، بما يخالف عادة الزواج المبكر التي تسود بين مسلمي البلقان عامة، بمثابة مشكلة المشاكل التي أرقت قلوب الآباء أكثر من أي عادة جديدة طرأت عليهم بعد هجرة السكان الأصليين، وقدوم الصرب من بلجراد إليهم.

ومع هذا الصراع كان ذلك الذوبان في صراع يشتد تارة ويلين تارة،

كانوا يذهبون إلى إمام المسجد بالمولود ليختار لهم اسمه، وكان ذلك من التقاليد العريقة لديهم.

من أسماء الجيران الرجال التي قد تسمعها: مرصاد، حارث، شعبان، رمضان، قمر، شمس، عمر، قربان. أما الجارات فمنهن: مرصاد، بصرية، ألفات، وسعاد، مدينة، ليلى!

كانت حفلات ختان الذكور عندهم من أعرق التقاليد، وكان تفضيل الذكور على الإناث مشتركًا وحيدًا بيننا ورثوه عنا بلا شك!

كان الاحتفاء بالغريب وإكرامه من العادات المتأصلة في الجميع.

في بداية الرحلة كنت أخشى الغربة، ولم تمر إلا شهور قليلة حتى حسبتني من مواليد المدينة!

لا شيء عندي مزدحمًا كدعوات الضيافة، ولا شيء أعجز عنه كتلبية الدعوة!

صديقتي “برونلدا كايوشاي” الرائعة تجمع كل النساء المسلمات أسبوعيًّا في قاعة مسرح مدرسة محمد الفاتح لتعلمهن القراءة في كتاب الله، فتمر بسيارتها تأخذني معها كل مرة.

فكان الأحد أسعد أيام حياتي..

كانت برونلدا مثلي غريبة، من مواليد ألبانيا، لكنها كانت سيدة ذات هدف تعمل له، فقد استطاعت بمجهودها وحده أن تعلم الجميع كيف يقرأن القرآن.

كان جو العصر مفعمًا بالمظاهر الجميلة، تقابلني فيه جاراتي ببقراتهن السمان تسر الناظرين في جولة حول المراعي!

وحين يدعونني لأذهب معهن عند حلب الأبقار كنت أعود يملؤني الذهول من نظافة وأناقة الحظائر!

كانت طيور البط تملأ الحدائق، وأذكر أني ذهبت أبتاع واحدة من جارتي التي كانت تربيها بكثرة في حديقتها، وتطعمها التين والخوخ من أشجار حديقتها حتى صار البط عاجزًا عن المشي من الامتلاء!

تعجبتْ إذ كيف يمكنني أن أذبح البط، فهي تربيه كما تربي القطط والحمام، ويا أسفاه بعدها حين أنبأت -سامحها الله- المدينة بأن أهل مصر يأكلون البط!

كان درسًا قاسيًا جدًّا عليّ جعلني لا أمد عيني بعدها لما يتمتعون به في حدائقهم وطرقاتهم، وأسأل بعدها قبل الكلام أولا عن كل شيء!

كانت كل شعوب البلقان لا تأكل الحمام ولا الأرانب ولا الأوز!

كان الحمام رمزًا للسلام عندهم، ويستحيل في معتقداتهم أن يأكلوه أو يذبحوه، بل كانوا يطعمونه من أحسن ما يطعمون أهليهم، حتى صار الحمام يسير سيرًا على الأقدام في طرقات المدينة.

كنت أقارن بين قدرتنا العجيبة في بلادنا على أكل كل شيء، واقتحام كل مجال فيه إعداد الطعام، وبذل الوقت والجهد، إلا قدرتنا على تحمل قرار شراء السجاد الأبيض والمقاعد البيضاء أو ذات الألوان الباهتة كي لا يظهر فيها الوسخ!

 كنت أتعجب من مفارش بيضاء يغزلونها لشهور وربما لسنوات يزينون بها الموائد والمقاعد وصواني القهوة والشاي وأطباق الفاكهة والحلوى!

كنت أقارن بين مهارات النسوة العرب في صنع المخبوزات والمحاشي والحلويات لساعات طويلة، تم شكايتهن مر الشكوى من تنظيف شافط الدهون كل عام.

كانت لمساتهن الفنية البديعة ومفارشهن البيضاء تبهجني فصرت تقليديًّا أقلدها في الوقت الذي صرت فيه أنزعج كثيرًا عند دخول بيوت لا يرتبها أصحابها فأنتقدهم علانية وجهًا لوجه!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا