النقد الأدبي وجناية القراءات العاشقة

0
د. محمد شهبون
كاتب مغربي

هل نحتاج اليوم إلى إعادة التذكير بألف باء النقد الأدبي.. تعريفه وأنواعه وتياراته؟

للأسف الجواب: نعم، بعدد الصفحات التي يسودها كثير من الكتاب ويسمونها -زورًا- نقدًا وتحليلا.. والحق أن بينها وبين النقد والتحليل مفاوز مهلكة، وقفار مدوية من الوحشة والتيه!

إن الفقاعات المنتفخة بهواء المبالغات والمغالطات التي أصبحت تفيض بها صفحات التقديم والتقريظ، وتطفح بها حفلات التوقيع وصفحات الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية، ويروج لها -زورًا- باعتبارها نقدًا، لمما يُنذر بموت الناقد!

لم يكن النقد الحقيقي يومًا قراءة عاشقة، ولا نزهة في رياض غناء باسقة، لكنه كان دومًا قراءة عالمة، وتأملا عميقًا، وجهدًا مضنيًا، ومكابدة في انتقاء طرق التعبير عن الكشوفات والحقائق المضمرة -قصدًا أو عرضًا- وراء إهاب العبارة وحجاب الإشارة.

لم يكن النقد الحقيقي -يومًا- تقريظًا مجاملا يتصدر العمل الأدبي، يريقُ الأديبُ للحصول عليه ماءَ وجهه، ويبذل دونه من كرامته مطاردة وتوسلا، ليعود بعد ملحمة الذل هذه بأسطر قليلة تسبح في الفراغ بعبارات الإعجاب والدعاء.

ومن عجبٍ أن صارت هذه الأسطر مقدمات مسكوكة تتناقلها الأقلام إعارة وتبادلا، فتشي بأن صاحبها لم يقرأ العمل البتة، وإنما هي كتابة تحت الطلب، أو جُنة واقية لدفع حرج صداقة قائمة، أو اتفاقية غير معلنة لتبادل مصالح مرعية.

يا أصحاب القراءات العاشقة…

أولُ النقد معركةٌ ضد هوى الذات/المزاج، وتجردٌ من خيوط العلائق المجامِلة التي تصد عن قول الحق. هو تجرد شبيه بحال القاضي الذي لا يقضي في نازلة وهو متلبسٌ بميل عاطفي، أو مقيدٌ بقيد قرابة أو مصلحة.

 عفوا.. أليس النقد نوعًا من الحكم؟

أولُ النقد قراءةٌ مستبصرة تُبدئ وتعيد.. تروح وتعود.. تشخيصٌ لا يستعجله طاردُ العجلة ليفرَغ سريعًا.. وتشريحٌ لا يؤزه مهماز الغُنم ليربح كثيرًا.. إنه قراءة متسلحة بالمفاهيم الواضحة، مستندة إلى تراكم غني ومتنوع.. جذورها ضاربة في أعماق الفعل الإبداعي للإنسان، وأغصانها تشرئب إلى ثمرات الحصاد الجديد.. فتنكشف أمامها مواطن العافية.. ومواضع العاهة.

 عفوًا.. أليس النقد نوعًا من الطب؟

أولُ النقد تفكيكٌ كاسح للأبنية التي يقف عليها النص، ومطاردةٌ مجنونة للمعاني والأفكار، وإدمانٌ للسؤال المؤرق حول القصديات والغايات، وتأملٌ صوفي فيما ورائيات القول الظاهر. إنه تعبئة لكل الموارد العقلية والروحية التي يمكن أن تسعف لمعرفة الحقيقة الإبداعية كليًّا أو جزئيًّا.

 عفوًا.. أليس النقد نوعًا من الفلسفة؟

أولُ النقد مكابدةٌ لا تنتهي في بناء النص الكاشف وتركيب القول الواصف.. إنه قلقُ العبارة الجامحة بين طرفي الظلم والهضم.. بين طرفي الإفراط والتفريط.. إنه سيرٌ على حبل الحياد الذي تؤرجحه الأهواء والأذواق والعلائق والسياقات المختلفة.. وكثيرًا ما زلت الأقدام من على الحبل ساقطة في أحضان التفاهة التي يكشفها قحط الموارد، أو مرتمية في حِجْـر الزور الذي يدفأ بمغانم الذات ومصالحها الأنانية.

 عفوًا.. أليس النقد نوعًا من الإبداع؟

إن هذا الغش الفاخر من شهادات الزور يتحول مع مرور الزمن إلى سم لذيذ تدمنه الذوات العاجزة، وتسعى في طلبه سعي المدمنين الذين يبذلون المال والجهد والوقت والكرامة مقابل جرعة من مخدر سرعان ما ينقضي مفعولها لتطلب أخرى في نفق مظلم لا نهاية له من خداع الذات. والنتيجة أن تتعفن رياض الإبداع والنقد بعدما استولت عليها طفيليات الكذب والغش والمجاملات التي استطالت أحراشًا متوحشة تمنع الهواء والضوء عن زهرات الإبداع الحقيقية.

إن تشجيع هذا النوع من القراءات مؤذٍ لأقطاب العملية الإبداعية جميعًا: فهو مؤذٍ للمبدع حينما يخدره بحقنات الوهم، ومنشطات الامتلاء الكاذب، ويصدق الألقاب الزائفة التي خُلعت عليه، فإذا به يصعر خد الكتابة بعيدًا عن الناس، يُسود صفحات من التفاهة وهو يحسب أنه يُحسن صنعا، تُمنع عنه مرآة الحقيقة ليرى مواطن ضعفه ومواضع تقصيره فيشتغل على الذات تطويرًا وتجديدًا.

وهو مؤذٍ للقارئ الذي اعتاد أن يهتدي بقراءات النقاد وينصت لشهاداتهم الرافعة لهذا.. والخافضة لذاك.. يبذل من جهده ووقته وماله ليقرأ كتابًا (نصًّا) أوصى به ناقد خيرًا.

ماذا يحصل لهذا القارئ من الخيبات.. ثم من العزوف عن القراءة حينما يكتشف زيف الشهادة وزور الوصية؟ أليس هذا النوع من النقد / الكذب سببًا من أسباب القحط القرائي الذي هاجمت أرجال جراده بلداننا قاطبة؟!

وهو نقد مؤذٍ لصاحبه حين يتعود على تدبيج قصائد المديح من نظرة واحدة في الغلاف، فتكسل لديه آلة القراءة، وتتخثر دماء البحث والتنقيب، ليصاب الجسد النقدي بالترهل المرضي. تراه من بعيد فتظن به عافية واتساعًا، فإذا حدقت مليًّا تبينتْ لك شحوم الأورام الخبيثة وبثور الأمراض المهلكة!

ثم إنه مؤذٍ للجو الإبداعي العام، حيث جمحت اليوم كثير من الأعمال “الأدبية” وتوغلت بعيدًا في أدغال التجريب المتهور والغرابة المجانية والإلغاز الفارغ، وتكونت مجموعات هي أقرب إلى الكهنوت المتسلط على معابد الأدب يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، تواطأ أفرادها على سرقة مفتاح كعبة الأدب، وجمعوا حولهم سدنة كذبة وكهانًا أبواقًا، يُمَكِّنون لبغاث الطير كي يستنسر، وللضباع كي تستأسد، ويدعون بالويل والثبور على كل ذي قلم حر أو رأي مستقل.

هاهنا يطفح فيض السؤال:

هل انتقلت إلى النقد عبر جرثومة القراءات العاشقة عدوى التسطيح والتبسيط التي استشرت في أوصال الحياة عمومًا؟ هل هي مظهر من مظاهر أزمة التفكير والتأمل والسؤال المفقود في مجتمعاتنا؟ هل يتعلق الأمر بميثاق قصدي خفي ومتآمر لتزوير الإبداع وتوجيهه نحو التفاهة والخواء المعنوي؟ هل هي أنانية النقاد الكبار الذين أضربوا عن الحياة حينما بخلوا بتجاربهم وخبراتهم عن الناشئة الصاعدة في مضمار النقد؟ هل هو ضيق في رئتي البحث والقراءة لدى الأجيال القادمة المفتونة بالسهل والجاهز والقريب؟

في كل سؤال يثوي جزء من “نعم” الإيجاب، بما يؤكد على الطبيعة المركبة لأزمة النقد اليوم، وكل أزمة مركبة لن تجد لها حلا في الأجوبة الانطباعية الجاهزة، ولا في المجاملات المخاتلة!

اليوم تختنق أقلام الأدب بغصة الذكرى الجارفة عن الزمن الجميل، عن زمن المعارك النقدية المشتعلة بين القديم والجديد، وحروب الأصيل والدخيل، عن أيام الهوس بالنظريات النقدية الجديدة، عن أيام السطوة التي لا ينصرف فيها الناس إلى قراءة قصيدة أو قصة أو رواية حتى يسمعوا من صيارفة النقد فيها فصل الخطاب، عن زمن لم يكن فيه للمجاملات مكان إلا على هامش الحياة!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا