تَمَثُّل التاريخ في الرواية الجزائرية المعاصرة

0
د. محمد الأمين بحري
ناقد وأكاديمي جزائري

ربما لا تسرد الرواية مهما كان لونها سوى التاريخ، إذ كيف تريد أن تكتب أيها الروائي عن الإنسان دون أن يداخل نصك تاريخ هذا الإنسان، بل كيف تتحدث عن فترة زمنية بنص يحتمل بناء زمنياً، ومكانياً، وشخصية، وحدثاً وقع أو يحتمل الوقوع، دون أن يكون خطابك تاريخياً، إن بنيات السرد هذه هي بنى مأخوذة عن التاريخ والواقع البشريين بالأساس، لذلك فالرواية دون تاريخ ورؤى فكرية وفلسفية لا يمكن أن تكون شيئاً. لذلك يستحيل إلغاء دور البنى السردية من زمن ومكان وشخصيات وأحداث لمن أراد أن يكتب في هذا الفن، غير أن التاريخ في الرواية يبقى موضوعاً محايثاً لسردها على الدوام، فقد يبتعد به التخييل فلا يتجلى على السطح رغم سريانه في أوصال النص، وقد يقصد إليه الروائي قصداً فيكون بارزاً كموضوع ورهان للسرد، سواء أكانت الرواية تاريخية النوع أم قائمة على توظيف التاريخ من بين مواضيعها، وإلى هذا النمط تنتمي عينة هذا المقال. فهل يكتب الروائي عن التاريخ، كما يشاء التاريخ، أم كما يشاء الأدب ويقتضي تخييل الرواية؟

أولاً- الرواية التاريخية بين النمط الغربي والنمط العربي:

يبدو التاريخ رهاناً كؤوداً على الروائي العربي الذي يجد نفسه في موضع تجاذب بين تيارين، أحدهما ديدنه وفنه وهو الرواية وفنون تخييلها، وثانيهما التاريخ وهو أحد همومه وإن لم يكن أحد علومه، خاصة وأنه يشهد في اطلاعه على هذا الموضوع معاناة المؤرخين أنفسهم وجناياتهم بعمد أو غير عمد، لينتهي الكل إلى مسلمة مفادها أن الكتابة عن التاريخ مجازفة غير مضمونة العواقب فكيف بمن يتسلح بالتخييل الأدبي أن يكون وفياً للحقيقية التاريخية. وإن كان التاريخ المتخيل هو خصيصة الفن الروائي فإنه مع ذلك لا ينبغي أن يكون تزييفاً للتاريخ الواقعي .. بل عليه أن يحفظ صدقيته حسب جورج لوكاتش الذي نبه على ضرورة: “أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة”(1).

وقد دفعت محاذير خيانة التاريخ بعض الروائيين إلى الانكباب على التوثيق والتمحيص والتركيز على توثيق أحداثه وتجسيد ملامح شخصياته إلى درجة ذهبت هذه الصنعة والتكلفة بملامح الأدبية وفنيات الرواية فيما يكتبون، فقدموا أعمالاً روائية مسيخة جنى فيها التأريخي على الأدبي فذهب بروح العمل وقيمته في جنسه. بينما حدث العكس مع من تمسك ببوصلة الروائية فعبث بالتاريخ وقلب حقائقه ولم يأبه لجليل أحداثه ومتون وثائقه، بدعوى مقتضى التخييل الروائي، وبين الحدين تراوحت نصوص الرواية العربية التي لم ينجح منها إلا القليل في الوفاء للجانبين، وهذا هو المأزق الإشكالي الذي تعثرت في أحابيله كثير من الروايات العربية، ومن بينها الجزائرية التي نختص بعض نماذجها هنا بالدراسة والتمثيل.

  1. الرواية التاريخية الغربية ومفهومي المعايشة والمفارقة:

سنعرض في هذه الدراسة إلى علاقة الرواية بالتاريخ في الجزائر من خلال نمطين من السرد التاريخي تكرساً بشكل واسع في أعمال روائيينا؛ النمط الأول رواية يكون التاريخ فيها غاية للسرد فيطلق عليها تسمية “رواية تاريخية” (التي تخاطب التاريخ وتقرأه وتنتقده من منطلق مسؤولية أدبية تجاه التاريخ)، والنمط الثاني يكون التاريخ فيه وسيلة للسرد وخدمة لموضوع آخر (التاريخ أداة كتابة وتعبير)، وهذا ما يسمى توظيف التاريخ في الرواية. ففي الحالة الأولى يقوم الروائي بإعادة تركيب الأحداث والمشاهد التاريخية بصورة تخييلية، فيجعل القارئ يسافر في الزمن ليلتحق بتلك الحقبة التي يستعيد أحداثها في نصه. أما في الحالة الثانية التي تسمى: “الرواية التي توظف التاريخ” (أي تكتب به كوسيلة ولا تكتب له كغاية)، فإن الأحداث هي التي يتم استجلابها ولا أحد يذهب إلى تلك الفترة لا الكاتب ولا القارئ، الذي يكون متواجداً وسط المشاهد والأحداث المستعادة، لأن هذه الأخيرة تأتيه لتثري له صورة أو مشهداً، أو تعيد لذاكرته حدثاً أثناء عيشه لموضوع غير تاريخي. لكن تجدر الإشارة إلى أنه بين الرواية الغربية والعربية اختلاف جوهري، بله مفصلي.

إذ تعتمد الرواية التاريخية الغربية على عنصري (المعايشة + المفارقة)، فالمعايشة أن يجعل الكاتب قارئه يحيا في قلب القصة المروية يحاور شخصياتها ويكابد أحداثها، والمفارقة أن القارئ حينما يغلق دفتي الرواية يحس بنقلة عجيبة بين الزمنين: الزمن الذي عايشه في الرواية وزمن يومياته الذي عاد إليه بعد غلق دفتيها ورجوعه لواقعه. وهذه الهزة النفسية التي يشعر بها القارئ تسمى المفارقة الزمنية التي تُحسب لصنعة الرواية التاريخية التي من شأنها نقل قارئها من زمنه إلى زمنها فتنقله بشكل مفارق يجعله يعيش الماضي في حاضره، دون أن يبرح مكانه.

يقول جورج لوكاتش صاحب كتاب الرواية التاريخية، في هذه النقلة السحرية في مفهومي المعايشة والمفارقة: “وهدف الرواية التاريخية هو تمثيل واقع اجتماعي معين في وقت معين مع كل ألوان ذلك الوقت وجَوّه الخاص، وكل شيء عدا هذا.. أي كل من الصدامات والأفراد التاريخيون، العالميون، الذين يبرزون فيها ليس إلا لهذا الغرض.. ولما كانت الرواية تصور كلية الأشياء، فإن عليها أن تتغلغل إلى التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية”(2). ما يعني أنه من أجل نقل خصوصية اللحظة الحضارية والاجتماعية والنفسية للزمن التاريخي المستهدف في الرواية تصبح الشخصيات والأحداث التاريخية مجرد وسائل عمل، وتقنيات مساعدة لتحقيق معايشة الخصوصيات التاريخية المستهدفة بكل تفاصيلها لأن الكاتب لا يستهدف إعادة التاريخ بقدر ما يرمي إلى معايشة التاريخ.

  1. الرواية التاريخية العربية بين رواية الشخصية ورواية الحدث:

لقد خالفت الرواية العربية عموماً والجزائرية خصوصاً والمعاصرة منها بوجه أخص، ذلك المنحى الغربي في كتابة الرواية التاريخية، وحق لها أن ترسم مسارها الخاص في التعبير الروائي عن تاريخها الخاص، فخلقت لنفسها توجهين في الكتابة انبثق عنهما صنفين من الرواية: الصنف الأول هو “رواية الشخصية التاريخية”، والصنف الثاني هو “رواية الحدث التاريخي”، وكلا النمطين لا تأبهان بالمعايشة الخصوصية للحالة الحضارية والاجتماعية والزمنية وظرفها التاريخي المحدد. الذي عاشت فيه (التفاصيل الدقيقة للحياة)، بقدر ما يستقصي كم المعلومات المستجمعة حول الموضوع المستهدف، سواء أكان الشخصية أم الحدث.

– فمن كتب من الروائيين عن الشخصية التاريخية نجده ينغمس في توثيق الأحداث والبحث والتنقيب عن المعلومات والوثائق والمراجع ولا يأبه بغيرها. (واسيني مثلاً أمضى ما يربو عن 4 سنوات في البحث والتنقيب عن المعلومات حول حياة وشخصية الأمير عبد القادر- كما ذكر في مناسبات عدة).

– وهناك من يفني نفسه بحثاً عن الحادثة وأسبابها ونتائجها وملابساتها، دون أن يلتفت إلى الخصوصية الزمنية التي وقعت فيها. وأغلب من يتبنى هذا المنحى الثوثيقي والتأريخي في الكتابة يكون قد أخل كثيراً أو قليلاً بفنيات التخييل في الرواية التي يفترض أنه يكتب في جنسها ويتقيد بمتطلبات صنعتها.

وهذه التفاصيل تعني أن الثقافة التاريخية للروائي أمراً ثانوياً بدوره. حينما يتعلق بحياة النص، فما معنى المعارف التاريخية والثقافة الواسعة والمُلمة بالتاريخ إذا لم يمتلك صاحبها تقنية الكتابة الروائية التي تمكنه من بث الحياة في التفاصيل التاريخية المستهدفة ونقلها للقراء بكل نبضاتها؟

ثانياً- نقد النموذجين الشخصي والحوادثي في الرواية الجزائرية المعاصرة:

لقد اخترنا في نمط رواية الشخصية التاريخية نموذجين هما (كتاب الأمير والرايس لهاجر قويدري)، واخترنا في نمط رواية الحدث التاريخي نموذجين آخرين هما (رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، ورواية شعلة المايدة لمحمد مفلاح).

  1. رواية الشخصية التاريخية (“أمير” واسيني و”رايس” قويدري)

أ. النموذج الأول: رواية “كتاب الأمير” لـواسيني الأعرج

يبدو أن من أثر سلباً على قيمة الرواية التاريخية في الجزائر هم أولئك الذين اعتمدوا الكتابة ضمن الصنف الأول (رواية الشخصية التاريخية)، حيث استهدفوا شخصيات مشهورة ومرموقة في التاريخ والعالم، إذ لم يكن هذا مكسباُ يروج لأدبهم ويزكي مكانتهم الأدبية بقدر ما ورطهم في معضلات مع التاريخ الشهير لتلك الشخصيات حيث لا يمكن أن يغطوا كامل تفاصيلها أو على الأقل أهم محطات حياتها، وذلك حينما وجدوا أنفسهم أمام شخصيات جاهزة قبل أن يتناولوها، فهي شخصيات مكتملة لدى القارئ والمثقف عموماً، نظراً لشهرة واكتمال صورة الشخصية التاريخية لدى، العام والخاص، حيث تكون قد وصلت إلى القراء قبل أن يكتب عنها هؤلاء، فما عساهم يضيفوا إليها من جديد عدا هوامش ضئيلة تخص تخييل بعض المشاهد الجانبية أو الأوصاف الباطنية أو التعليقات الخارجية عن حياتها. في صورة ما كتب واسيني عن شخصية الأمير (كتاب الأمير- مسالك أبواب الحديد)، حيث لعب على وصف المحيط، انتقاء الأحداث بصورة متحيزة من أجل جعلها متميزة، إذ ألقى الستار فيها على أحداث ومراسلات مفصلية ومؤثرة في حياة الأمير، فيما ركز على تفاصيل هامشية معظمها انطباعية في نفس القس الفرنسي مونسينيور دي بوش الذي جعل منه البطل الحقيقي للرواية، غاضاً الطرف عن أهم مفاصل ومحطات حياة الأمير المتعددة المسارات خاصة مع الإسبان وغيرهم من الأوربيين الذي تراسل معهم، وزاره بعضهم الآخر لأهمية وجلل دوره في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي كان محورها آنذاك، بينما جعل واسيني حياة الأمير تقتصر على حلقة مغلقة ومحدودة قَصَرها على زاوية حصرية مع القس الفرنسي وجنرالاته. فيما جعلت اختيارات واسيني للأحداث التاريخية المنتقاة من شخصية الأمير، صورة مثيرة للشفقة والتعاطف خاصة في نظر القس الفرنسي دي بوش الذي بدا في الرواية عراباً عطوفاً للأمير المسكين، أكثر منه خصماً مستعمراً جاء ليكرس الهيمنة الاستعمارية لساسة بلاده. وهكذا ذهب أمير واسيني ضحية اختيارات الروائي، حين أظهره بصورة تكاد تكون معاكسة لصورته التي يعرفها المثقف في العالم بأسره وليس الجزائري أو العربي فحسب. وهذه من المطبات المعروفة التي تعتور مهمة من يتعرض للشخصيات المشهورة التي لا يمكن أن تلقى إجماعاً لدى الرأي العام حول صورتها التي تعتبر جاهزة إلى درجة لا يمكن للروائي فيها أن يأتي بالجديد إلا إذا غير ملامحها بفعل الانتقائية المفرطة كما فعل واسيني بصورة الأمير الغرائبية في روايته، رغم أن خطوطها العريضة ومحطاتها الكبرى لا تخفى على أحد ممن تعرفوا عليه.

ب. النموذج الثاني: نص “الرايس” لـ هاجر قويدري:

في الصنف نفسه، وبدرجة أقل، نجد نص الرايس لهاجر قويدري يتعرض لشخصية “الرايس حميدو” بطريقة جمع المعلومات التي وفقت فيها إلى حد كبير، لكن يبدو أن اهتمامها بجمع المعلومات حول الشخصية قد كان على حساب خصوصية البناء التي تتطلبها الرواية التاريخية وهي العقدة التي يفترض في هذا النوع من السرد أن ترتبط بسيرورة الأحداث. فكان أن قدمت لنا الكاتبة متوالية من السرود المسترسلة بضمير الماضي الذي يتحدث بصيغة الغائب عن الرايس حميدو- سواء في السرد أو في الحوار- فكان كل راو من الرواة السبعة للنص يتحدث بضمير الحاضر عن نفسه وبضمير الغائب عن الرايس حميدو، ومن بداية النص حتى نهايته لا نسمع من الرواة سوى عبارات من قبيل: (خرج حميدو، قام حميدو، سافر حميدو.. إلى غاية رميه في البحر)، مما جعل النص بأسره عبارة عن حكاية مسترسلة دون توقف عند أية عقدة من شأنها قلب المواقف أو إحداث منعرجات سردية أو تغيير مسار ومصير الشخصيات التي تأثرت بغياب العقدة بدورها، حيث تجمدت في نمطية بدت فيها ثابتة من البداية إلى النهاية سواء في وظائفها أو خطابها، وكل هذا بسبب غياب العقدة التي يوكل إليها في السرد التاريخي صناعة المفارقات السردية التي تحرك مفاصل النص، وتصنع دينامية الحدث، وتطور الشخصيات عبر تغيير مساراتها، وتجسد التفاعل الإيقاعي بين الزمان والمكان، وبغياب هذا المكون الجوهري في السرد عموماً والتاريخي منه خصوصاً يبقى النص في مستوى الحكاية لتخليه عن خصوصية الرواية.

وتجدر الإشارة إلى أن العقدة المرتبطة بفعل الشخصية من جهة وبالحدث من جهة ثانية هي مهماز الرواية عموماً والتاريخية منها خصوصاً، وقد اعتبر كثير من روائيي العالم ونقاده بأن العقدة هي الرواية نفسها على أساسها ينبني أفق توقع الأحداث باعتبارها أسباب، وتتأسس على إثرها مصائر الشخصيات باعتبارها نواتج لعقدة الرواية مما يؤكد دورها المفصلي والبنيوي في الهوية الروائية لأي نص، لذلك فأن النص الذي يسترسل في السرد دون أن يتوقف عند عقدة ما، فإنه لا يعدو أن يكون محض حكاية، (والمقصود بالحكاية هنا؛ ذلك النمط الذي نلقاه في حكايات الجدات، فهن يحكين حكايات لكنها ليست روايات في النهاية حتى وإن كتبت ودونت) والفرق بين النمطين من السرد (الحكاية/ الروية)هو وجود هذه العقدة، ويمكن التوسع والاستزادة. في كل كتب النقد التي تُعَرِّف تقنية العقدة في الرواية.

ولعل السقطة غير المتوقعة في هذا النص هي أن الروائية أضاعت بطلها في خضم جمع المعلومات وتفاصيل الحياة في تلك الفترة، فعلى الرغم من أن عنوان النص هو “الرايس”، مما يوحي للقارئ بأن البطل هو الرايس حميدو، إلا أن حميدو لم يكن هو البطل للأسف. لأنه لم ينطق على امتداد الحكاية ولا بكلمة واحدة، بل كل ما نسب إليه من أقوال جاء منقولاً على ألسنة الرواة الذين تداولوا على سرد المقاطع النصية التي تداولوا على سردها، كلٌ باسمه، فكان حميدو شخصية صامتة أو ميتة في عرف السرد، وناب عنها في الخطاب الرواة الذين تحدثوا باسمها بضمير الغائب، وهذا يتنافى مع صفات البطل الروائي الذي يفترض أن يهيمن خطابه على السرد ويتكلم باسمه الخاص، ويفرض صوته وحضوره الخطابي على أكبر مساحة من النص (فيكون صوته هو بؤرة الدائرة البوليفونية). وهو ما فعلته كل شخصيات النص ما عدا الرايس حميدو الذي بقي صامتاً ومختفياً وراء خطابات الغير، مكتفياً بدور الشخصية السلبية الوحيدة في النص. وهو ما يحرمه آلياً من أن يكون محل مساندة أو تعاطف من طرف القراء (وهي خصيصة أخرى للبطل تم تغييبها في النص) بل على العكس من ذلك؛ كان الرايس حميدو في الرواية محل إعجاب وغموض في نظر سائر الشخصيات، وهو الموقف الذي سينسحب على القارئ طبعاً، بينما يفترض في البطل الروائي على خلاف ذلك أن يحظى بتعاطف القارئ ومساندته بإيعاز من بعض فواعل الرواية، وهو ما لم يحدث مع حميدو بل مع شخصية أخرى هي “مريم” التي بقيت معلقة طوال النص بشبح خطيبها حميدو الحاضر/ الغائب، فاستحقت كل العطف والمساندة بإيعاز مضاعف من شخصيات وأحداث كثيرة في النص، لذلك فإن مريم هي التي حازت على كل الصفات الخليقة بالشخصية الرئيسة؛ سواء باعتبارها بطلاً متكلماً ومهيمناً على الخطاب، أو بطلاً مأساوياً مأزماً ومحل مساندة سواء من بعض شخصيات النص أو من القراء. دون أن يحدث شيء من ذلك مع حميدو الذي كان شخصية لعوب، عبثت طريقة حياته بمشاعر مريم ونكل بأنوثتها البائرة، ليتركها في النهاية بعد أن افتضها على عجل، نهباً لمختلف المشاعر المظلمة تفترسها بعد رحيله. لقد أبدعت هاجر قويدري في تصوير مآسي البطلة مريم التي حق لها الفوز بمكانة الشخصية الرئيسية على عكس الرايس حميدو الذي استحوذ على عنوان النص دون أن يكون بطله، ولم يكن ذلك إلا وهماً من أوهام السرد الكثيرة والمتنوعة في هذا النص.

  1. رواية الحدث التاريخي، (مملكة الفراشة لواسيني/ شعلة المايدة لمفلاح)

أ- النموذج الأول “مملكة الفراشة” لواسيني الأعرج- تفكك زمن السرد وارتباك المبنى الحكائي.

تنتمي رواية مملكة الفراشة (الفائزة بجائزة كتارا العربية لسنة 2015)(3)، إلى ذلك النمط من الروايات التي وظفت التاريخ وكتبت به كوسيلة وأداة دون أن تكون تاريخية في حد ذاتها، وسنعرض لنقدها من منظور زمني لنبين الفرق بين هذا النمط الذي يوظف التاريخ كوسيلة في خطابه، وثانيهما (الرواية التاريخية) التي توظف التاريخ كهدف في خطابها مثل رواية كتاب الأمير مثلاً. ستعرض دراستنا لهذه الرواية تحليلاً لعنصر الزمن بنوعيه: الأول هو ما يطلق عليه فنياً: “زمن القص”، والثاني: “زمن الخطاب” اللذين شهدا في هذه الرواية تفككاً بنائياً من شأنه إن حدث في أي نص سردي أن يهدمه من الأساس، باعتبار بنية الزمن بشقيها القصصي والخطابي، هي عماد الكتابة السردية التي لا تقوم الرواية إلا بها، خاصة إن كانت هذه الرواية تتناول حقبة زمنية أو حدثاً تاريخياً. والزمن في هذا النمط من الرواية انشطاري التركيب؛ فهو من جهة حامل للسمة التاريخية المرجعية للنص (زمن القص). وهو من جهة ثانية بنية تخييلية تحكم منطق السرد وحبكة الحداث الدائرة بين الشخصيات والعالم السردي، (زمن الخطاب).

أولاً- زمن القص:

إن الرواية التي توظف التاريخ المرجعي في أحداثها تنتمي دوماً إلى ما يطلق عليه بنمط السرد المرجعي، أي ذلك السرد الذي يتكئ على أحداث فترة زمنية لها مرجع معروف في الواقع حيث: “تكون الأحداث حقيقية أو مقدمة باعتبارها حقيقية، وتكون قد حدثت بالضرورة في زمن تاريخي سابق للسرد”(4). في هذا النمط من الزمن تستوحي رواية مملكة الفراشة مرحلة العشرية السوداء، أو الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، باعتبارها زمناً مرجعياً لأحداثها، وما إن يتأسس القارئ على هذا المنطق الزمني حتى يجده زمناً مفككاً مضطرباً لا يأتلف مع ما يقع فيه من أحدث. بل يبدو تركيباً نشازاً بين مرحلتين غير مؤتلفتين مرحلة الحرب الأهلية ومرحلة الثورة المعلوماتية التي انغمس فيها الشباب العربي كأحد وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك. فما هي الحدود الزمنية بين المرحلتين، وهل يمكن أن تأتلفا في سيرورة ومنطق زمنيين؟

إن دخلنا أحداث الرواية سنجدها تدور حول فرقة موسيقية شبابية أطلقت على نفسها فرقة (ديبوجاز)، هاجر عدد من أفرادها إلى منافي أوربية بعد اشتداد الحرب الأهلية والأزمة الوطنية (العشرية السوداء) لكنهم بقوا على اتصال عبر وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك؟ وإن كانت هذه العشرية محددة زمنياً في أعقاب توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، فإن العشرية انطلاقاً من هذا التاريخ تكون قد انتهت قبل 2002، علماً أن الفيسبوك قد تم اختراعه من طرف الأمريكي مايكل زوكربارغ كوسيلة تواصل حصرية بينه وبين أصدقائه في الجامعة سنة 2003، وقد عم الولايات المتحدة في أواخر 2004، بينما اكتسح أوروبا بين سنتي 2005- 2006، وقد عرفته بعض الدول العربية المتطورة تقنياً في الخليج بين سنتي 2006 و2007، فيما كانت الجزائر من أكثر الدول تأخراً عن الركب العربي وحتى الإفريقي في إدخال تكنولوجيا المعلومات، (ولا تزال للأسف عيوب الإنترنت تعيق التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين الفراد والمؤسسات حتى يومنا هذا). وإن كنا أكثر تفاؤلاً فلنقل إن العائلات الميسورة في الجزائر كانت قد حظيت بهذا النوع من التواصل الاجتماعي الافتراضي حسبما علمته من بعض هذه العائلات والمؤسسات (مؤسسة بريد الجزائر)، بين سنتي 2008-2009، ليكتسح الفيسبوك بقية طبقات المجتمع ويشيع على أوسع نطاق في 2010 حيث صار استعماله رائجاً بين كل فئات المجتمع. وهذه هي إحداثيات التاريخ المرجعي الذي تستند عليه رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، فكيف تعامل هذا النص مع مرجعه التاريخي هذا؟

في مستهل الرواية يكتب فادي (فاوست) حبيب البطلة (الراوية) ياما وزميلها السابق في فرقة (ديبو جاز) الموسيقية في رسالة فيسبوكية: [ستنتهي سنوات الخوف والعزلة، سأحبك أنا أيضاً لدرجة الهبل] (ص 56)، وهذا أول مؤشر زمني على أن الحرب الأهلية لم تنته بعد؟ وحسب هذا التعبير أن التواصل الفيسبوكي كان منتشراً ومتداولاً بين فئآت الشباب آنذاك، وهنا يمكن أن نطرح كقراء تساؤلاً جرّنا إليه هذا المقطع: هل دخل الفيسبوك بيوت الجزائريين أثناء الحرب الأهلية التي أطلق عليها إعلامياً (العشرية السوداء)؟ أم أن هذه الوسيلة السيبرانية قد حلت بعد العشرية السوداء بعشرية أخرى؟ واعتماداً على معيار شيوع الفيسبوك بين عامة الفئات الاجتماعية للشعب الجزائري بداية من العشرية الثانية من الألفينيات، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذا التاريخ ليتم التواصل بين شخصيات الرواية في رسالة فيسبوكية تعلن أن سنوات الخوف والحرب لم تنتهِ بعد؟

تقول البطلة ياما لحبيبها فادي في مقطع آخر: “أنا لا أملك الأسلحة الجبارة التي أقاوم بها خوفي ووحدتي إلا هذه المملكة الزرقاء التي تسمى الفيسبوك، قلت لحبيبي.. لي فقط وردة من يديك، وقبلة مسروقة في غفلة من القتلة.. قبل أن يداهمني الموت في مدينة أصبحت توفره بسخاء”، (الرواية ص: 24-25). وفي موضع آخر يرد عليها حبيبها فادي (فاوست) في رسالة فيسبوكية: “من قال إن هذه الحرب انتهت مادام الموت حاضراً وربما أكثر مما كان عليه على مدى عشر سنوات حارقة” (الرواية ص 53). تتم هذه المحادثة في رسائل فيسبوكية بين شابين جزائريين، وتشير بوضوح إلى أن الأمن لم يستتب والمدن لازالت توفر الموت بسخاء، وهذا يعني أن الحرب الأهلية ما تزال قائمة حسب الوصف الذي قدمته البطلة القاطنة في الجزائر لصديقها المهاجر! بينما منطق زمن الفيسبوك لم يكن ليتكرس لدى الجزائري قبل (2008-2010- أي تقريباً مع نهاية العشرية الأولى وبداية العشرية الثانية من الألفينيات)، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذه الفترة ؟ ويضيف فادي (فاوست) في رسالة أخرى: [أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم] (ص68).

إن هذا المقطع لوحده -فضلاً عن بقية المقاطع السالفة، وغيره من المقاطع التي تمتلئ بها الرواية- كفيل بأن يربك زمن القص ويفسد منطق السرد وتلقي القارئ معاً، حينما عبث بإحداثيات زمن القص المقصود في الرواية، كأن يجد القارئ نصه يشير إلى زمن رواج الفيسبوك (2008-2010) بين شخصياته تدردش في رسائل إلكترونية في هذا الزمن الذي تدعي شخصيات الرواية أن الحرب الأهلية فيه لما تتوقف بعد، بل نجدها في النص قد اشتدت أكثر مما كانت عليه!؟ ثم لا يلبث البطل أن يقول في الصفحة نفسها بعد أن أكد على اشتداد الحرب أكثر مما كانت عليه: [لقد انتهت الحرب منذ عشرة سنوات] (الرواية ص 53) علماً أن البطل هنا يتكلم عن لحظته الحاضرة، أي إنه يقول بوضوح: إن العشرية التي يقصدها تقع قبل لحظة كلامه هذا وهي منطقياً السنتين الأولتين بعد الألفين (2002)، التي انتهت بها العشرية السوداء، فهل كان هذا زمن للفيسبوك؟ هذا ما تقره الرواية بكل غرابة. ولو كانت الرواية غرائبية لا ترتبط بحدث تاريخي ولا تشتغل على مؤشرات الزمن والتاريخ كمرجعية لها لكان هذا الأمر عاديا ومبررا فنياً.

فعن أية عشرية يتحدث البطل؟ عن عشرية التسعينيات (الدموية)؟ أم العشرية الثانية من الألفينيات التي راج فيها الفيسبوك في الجزائر؟ أم عن كليهما.. في آن معاً؟ ونظراً لهذا الارتباك الذي تداخلت فيه أزمنة غير متكافئة في سياقاتها الحضارية والثقافية وخصوصياتها التاريخية المرجعية، فقد تضاربت خطابات الشخصيات مع مقتضيات المنطق الزمني الواقعي الذي تتمرجع به أحداث الرواية. حيث يبدو للعيان العجز الفادح في تثبيت إحداثيات زمن القص، التي بدت تائهة، تمتد فيها عشرية الأزمة من 1991، إلى ما بعد 2008. زمن رواج الفيسبوك في الجزائر، والذي تصفه شخصيات الرواية تارة بقولها: [أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم] وتارة أخرى: [الموت حاضر أكثر مما كان عليه على مدى سنوات]؟ وهو ما يتنافى مع منطق الحياة الثقافية والسياسية والحضارية لهذه الفترة من التاريخ التي تتواصل فيها شخصيات الرواية إلكترونياً عبر وسائط التواصل الاجتماعي. وبهذا المنطق السردي المرتبك بقيت العشرية التي يتحدث عنها الروائي عائمة ومتضاربة، على مدى عشريتين من الزمن دون أي تحديد؛ وهذا ما يصعب هضمه لدى القارئ.

وإذ ينسب الروائي تقنية أو سمة حضارية لمرحلة سابقة لم تتهيأ لها، ويجتلب أحداث مرحلة دامية لحقبة جديدة من تاريخ الجزائر لا تحتملها، فإن في ذلك مساس بالحقيقة التاريخية التي يتأسس عليها زمن القص في الرواية، والتي لا يمكن استيعاب تشويهها مهما صب فيها الروائي من تخييل، إذ لا يجب أن يكون التخييل الروائي وأبطاله المبتدعين في السرد غطاءً لانتهاك الحقيقة التاريخية وخيانتها كما قال جورج لوكاتش(5). وهذه هي الحدود الفنية التي تتيح للروائي أن يتخيل كما يشاء لكن دون المساس بالحقائق التاريخية المعروفة التي يتمرجع بها النص.

ثانياً- زمن الخطاب:

المقصود بزمن الخطاب في السرد هو كيفية حكي وتزمين زمن القص المرجعي “وفق منظور خطابي متميز يفرضه النوع”(6)، حيث يقوم الروائي بتخييل منطق سردي خاص متعلق بأحداث وشخصيات النص المعين دون غيره. أي الطريقة التي يروي بها السارد القصة وفق إنتاجية ذاتية يشد أفعالها رباط زمني ومنطقي(7) يستمد طاقته الإقناعية من الواقع محاكاة وانسجاماً. حيث يكون المعني الأول بهذا الزمن الخطابي هو الشخصيات المتخيلة التي تتأطر به وتحيا فيه، غير أننا حينما نطل على زمن الخطاب التخييلي في رواية مملكة الفراشة نجده أكثر تفككاً واضطراباً من الزمن الأول (زمن القص). مما يضع علامات استفهام كبرى حول قيمتها الفنية كرواية، وكذا مسألة تتويجها كأفضل رواية عربية لسنة 2015 حسب مؤسسة كتارا؟

في فضاء زمن الخطاب هذا يعلن فادي (فوست حبيب البطلة ياما) في الصفحة 26، عن مدة منفاه التي ناهزت العشرة سنوات قائلاً: [ماذا أقول عن منفاي الذي قارب عشر سنوات] (الرواية ص 26)، غير أن البطلة ياما تفاجئنا في مستهل الفصل 2، وبالضبط في الصفحة 34، عن تحديد مختلف لغيبة حبيبها فادي فتقول: [لا أحتمل غيابه الذي استمر ثلاثة سنوات وشهرين وخمسة أيام وثلاث ساعات وعشر دقائق وسبع ثواني بالضبط (…) فاوست لا يدري أن امرأة تحب رجلاً…] (الرواية ص34-35 ). وحتى إن حاولنا توجيه كلام ياما إلى صديقها [ديف] الذي تحدثت عنه في الفصل الأول، فإننا لن نستطيع ذلك بالتأكيد، لأن كلامها هنا افتتحت به فصلاً جديداً، وأول شخصية تذكرها بعد ذلك التحديد الزمني هي [فادي الملقب بـ: فاوست] وهذا ما يحدثنا به المقطع السابق بكل وضوح. وفي الصفحة 57، وعبر رسالة فيسبوكية .. يرد فادي على حبيبته ياما قائلاً [حبيبتي.. تبدين متعبة تخيلي رجلاً لم ير أرضه عشر سنوات ظل ممتلئاً بها]. (الرواية ص57).

وهكذا يعيد فادي خلط الإحداثيات من جديد ويصرح أنه غاب عشر سنوات بعد أن أخبرتنا حبيبته البطلة (الراوية) ياما أن مدة غيابه استغرقت فقط ثلاث سنوات، فمع من سيسير القارئ؟ مع زمن ياما أم مع زمن فادي في زمن الخطاب أم مع زمن الحرب الأهلية في عشرية التسعينيات، أم مع زمن الثورة المعلوماتية في نهاية عشرية الألفينيات في زمن القص؟

– مساءلات قارئ:

وسط هذه الفوضى الزمنية العارمة التي يغيب فيها البطل تارة عشر سنوات وتارة أخرى ثلاثة سنوات في زمن الخطاب الذي يشهد منطقه تضارباً فظيعاً بين الشخصيات، وتتقلص العشرية السوداء في (زمن القص) في مرحلة التسعينيات، ثم تتمدد في تارة أخرى لتبلغ حدود العشرية الثانية من الألفينيات.. شعرت مثل كثير من القراء أن الروائي يكتب أي شيء، وكما اتفق، دون أن يأبه لتشكل منطق السرد، ولا زمن القص المرجعي، ولا زمن الخطاب التخييلي، الذي يفترض أن يكون في حده الأدنى اتفاقياً بين الشخصيات على الأقل، ولم يكن هناك اعتبار حتى للسيرورة الزمنية ومنطقها السردي الذي تلاشى في النص قبل أن يتلاشى لدى القارئ .. وقد تنبه طلبة السنة الثانية ليسانس في جامعتي لهذه التناقضات في المنطق الزمني للرواية من أول قراءة وبعضهم كانت هذه أول رواية يقرأها، فتوقفوا مستغربين من هذا التضارب بين الأزمنة التي لم يعرفوا لها منطقاً بين الشخصيات، فكيف يغيب هذا الخلل عن لجنة تحكيم دولية يفترض أن لها باعا طويلا في قراءة مئات الروايات قبل هذا النص؟

من هنا يشرع لنا التساؤل حول تتويج عمل يتناول فترة تاريخية مرجعية، ويعاني كل هذا الاضطراب على مستوى بنية الزمن التي تعد العمود الفقري في مثل هذه الروايات. ومعلوم أن البنية الزمنية هي عماد كافة البنيات الأخرى في النص، وأن باختلالها أو هدمها يتقوض أساس المعمار السردي، من فضاء مكاني (والمكان يتأسس على جدل بنيوي مع الإطار الزمني) وشخصيات (وهي التي تحيا ضمن فضاء الزمن ويحيا الزمن في ذاكرتها وخطابها)، وأحداث (وهي الوقائع التي تتم داخل الزمن فتسمه بميسمها وبخاصة في رواية تشتغل على التاريخ كمملكة الفراشة).

– ملاحظات:

فهل يمكن أن نسمي عملاً ما رواية إن تم تفكيك فضاءه الزمني الذي يشد سائر بنيات العمل الروائي؟ وهل يعقل أن لجنة تحكيم متكونة من مختصين وأكاديميين ذوي باع طويل في النقد الروائي لا ينتبه فيها أحد لهذه الاختلالات الجسيمة، علماً أن تناقض منطق الزمن واضطرابه هنا أوضح من أن يخفى على أي قارئ مهما كان مستواه.

وهذا يعني أحد أمرين: إما أن لجنة التحكيم قد انتبهت للخلل الواضح للعيان، وهذا بديهي إن هي قرأت النص مرة واحدة، ومع ذلك لم تشأ الإشارة إليه، أو أغفلته تحت ذرائع في نفس يعقوب. والاحتمال الثاني وهو الذي لا أريد شخصيا الإيمان بوجوده حتى في الخيال، وهو أن اللجنة لم تقرأ النص، على اعتبار أن عنصر الزمن المهلهل في الرواية كان أول ما سيستوقفها، فتخرج الرواية منطقيا من السباق.

وفي الاحتمالين يبدو على الأرجح أن المستهدف من التتويج بهذه الجائزة الفتية في طبعتها الأولى 2015، كان شخص الكاتب الذائع الصيت، وليس عمله الذي يعاني عديد الاضطرابات البنيوية الواضحة للعيان، وقد استوقفنا اختلالات منطقه الزمني بشقيه القصصي (المرجعي) والخطابي (التخييلي). والأدهى أنه نص يستوحي فترات تاريخية متعاقبة ثم يداخل بينها ويبعثر منطقها أمام القارئ بشكل لا يمكن هضمه.

ب- النموذج الثاني : شعلة المايدة لمحمد مفلاح – وغنائم التاريخ المنسي:

يمكن أن نصف محمد مفلاح بأنه من بين أذكى كتاب الرواية التاريخية في أسلوبه الذي يمتنع فيه (وأعتقد بأنه موقف سردي) عن مواجهة الشخصيات المشهورة لدى العام والخاص، وينحو إلى الكتابة عن الحدث التاريخي، وفي لفتة ذكية أيضاً فإن هذا الروائي لا يكتب بتاتاً عن التاريخ الحوادثي الرسمي (وأعتقد بأنه موقف سردي أيضاً وتوجه استراتيجي في الكتابة)، بل ينحو إلى استجلاب التاريخ الهامشي، والمنسي والمسكوت عنه، الذي لا تعرفه العامة ولا الخاصة، سوى قلة قليلة ممن بحثوا فيه بطرق خفية .. ومن هنا عمد الروائي إلى ابتكار شخصيات تخييلية يمكنه التصرف في حياتها ومغامراتها وخطابها كيف شاء دون أن يحاسبه أو يراقبه أحد .. مهما بلغ اطلاعه بالتاريخ .. ولا يملك القارئ من هنا سوى تتبع مسارات التخييل التي ترسمها الشخصية المخيالية المبتكرة في صورة البطل راشد في رواية “شعلة المايدة” ذلك البطل المسكون بالتاريخ، والذي عايش حيثيات ومؤامرات وتقلبات حدث إشكالي تضارب فيه التاريخين الرسمي والشعبي، وهو تحرير مدينة وهران من الاستعمار الإسباني.

وهي نفس الاستراتيجية التي بنى بها شخصية تخييلية لاحقة هي محمد شعبان بطل رواية شبح الكليدوني، ذلك البطل المسكون بتاريخ أجداده العلماء المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة، وهو موضوع شائك وغائر الجراح في ذاكرة التاريخين الرسمي والشعبي. وقد سار في هذا الدرب (كتابة التاريخ الحوادثي بشخصيات مخيالية) روائيون من الجيل الجديد أبرزهم محمد بن جبار في رواية “أربعمئة متر فوق مستوى الوعي”، التي يتبع فيها الأحداث التاريخية من دواخل شخصيات مخيالية، وهي تقنية يمكن أن نسميها التاريخ النفسي أو الباطني التي لم نشهدها سوى عند روائيين عالميين من أمثال ديستوفسكي في عمله الروائي الضخم “الإخوة كارامازوف”.

وليس خفياً أن من اختار التاريخ الهامشي على التاريخ الرسمي المعروف يكون أكثر تحرراً في التخييل، ومن اختار رواية الحدث يكون أكثر حرية وتخييلاً في تصوير عالمه الروائي ممن اختار الشخصيات الجاهزة المعروفة والمشهورة عالمياً التي قد لا يجد ما يضيفه إليها من جديد سوى في تفاصيل هامشية ضئيلة قد يؤدي تخييلها إلى المساس بالحقيقة التاريخية المعروفة على أوسع نطاق، وهذا الفريق الأخير في اعتقادي هو من أعجزته الصنعة فارتكب أفدح الأخطاء الفنية أثناء تخييله للتاريخ أو تشكيله للرواية التاريخية. وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن ما أبديته هنا من انتقادات لعديد السقطات الفنية والموضوعية التي اعتورت بعض النماذج النصية المدروسة ليس تقليلاً من قيمة أصحاب هذه الأعمال وهم قامات إبداعية محترمة في مجال الرواية محلياً وعربياً، غير أنه لا وجود لأعمال فوق النقد، أو ممنوعة منه، ومن الطبيعي في حياة الكاتب أن تخونه لحظة الإبداع فيصدر أعمالاً دون المستوى فيتلقى النقد كما الانتقاد في صورة النصوص التي نقدناها. كما قد تحالفهم لحظة والإبداع وتواتيهم الصنعة فيكتبون أعمالاً مشهودة، تعزز صرح الساحة الروائية في صورة ما كتبه واسيني: نوار اللوز وسيدة المقام والمخطوطة الشرقية، وهي أعمال يمكن عدها من عيون النصوص الروائية العربية، أو رواية نورس باشا لهاجر قويدري التي قدمتها للجمهور كقلم روائي صاعد، وبالنهاية ما ثار نقاش أو جدل نقدي حول عمل ما إلا وكان في مصلحته خاصة ومصلحة الحراك الثقافي والإبداعي في الحياة الثقافية للأمم عامة.

______________

هوامش:

(1) جورج لوكاتش تر، صالح جواد الكاظم، دار الثقافة والإعلام، بغداد ط2، 1986، ص 215.

(2) جورج لوكاتش: المرجع نفسه، ص 213.

(3) كل الاستشهادات من رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، مأخوذة عن طبعتها الأولى المرفقة بمجلة دبي الثقافية، عدد85، يونيو 2013.

(4) محمد القاضي وآخرون: معجم السرديات، دار محمد على للنشر، تونس، ط1،2010، ص230-231.

(5) ينظر جورج لوكاتش : الرواية التاريخية مرجع سابق، ص 215.

(6) سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط4، ص: 89.

(7) محمد بوعزة، تحليل النص السردي، تقنيات ومفاهيم، منشورات الاختلاف/ ناشرون، ط1، 2010، ص71.

نقلا عن موقع مجلة “الكلمة”

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا