أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [8] | ملائكة الرحمة في كوسوفو

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

في تلك المرة كنت أحمل رضيعًا لا يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، وصغيرًا لم يتجاوز الثالثة، حين غادرنا القاهرة معًا. لم يكن قلقي من السفر إلى منطقة ساخنة كتلك المنطقة مثلما كان على أمور صغاري الصحية، خاصة مواعيد تلك التحصينات الضرورية للمواليد، وخوفي من اختلاف الطقس الشديد وبرودته القارسة على الرضيع، وخوفي على أخيه الأكبر الذي كان يتأثر سلبًا لأي ارتفاع شديد في درجة حرارته.

وكان أول ما يعتلج في نفسي بعد الاستقرار هو ضرورة تعلم لغة السكان، للتواصل بها من أجل أمور الصغار.

وكان أول ما فعلته بعد القرار هو استخراج بطاقة متابعة مولود في مستشفى العاصمة ليتمكن “علاء الدين” من أخذ تحصيناته اللازمة.

كنت أخشى من تأثير الحرب سلبًا على أوضاع المشافي من أي ناحية، يصاحب ذلك علمي بجهلهم التام في تلك المنطقة باللغة الإنجليزية، نتيجة العزلة التي ضُربت عليهم إبان الحقبة الشيوعية.

وما إن وصلت إلى المدينة حتى ذهبت إلى مستشفى العاصمة برشتينا أستخرج للصغير بطاقة المتابعة، ففاجأتني الأوضاع في المستشفى وما حولها.

كان منهج التعامل في أقسام الأطفال كغيرها من الأقسام راقيًا جدًّا، فلا فرق في التعامل بين ألباني وعربي إلا برقم بطاقة الزائر وبياناته الصحية أو سن المولود وبطاقة متابعته، فضلا عن الاهتمام البالغ والعناية الباذخة.

وبعد التسجيل ذهبت لموعد الجرعة الأولى المقررة له، فأحالتني الممرضة المبتسمة إلى عيادة الأطفال، لإجراء فحص ما قبل إعطاء المصل. وكان ذلك إجراء حتميًّا في خدماتهم الطبية؛ حيث لو وجدت مع الفحص أية أعراض تحتاج أي علاج، تؤجَّل الجرعة حتى الشفاء وتلاشي العرض. وإن أُعطيت للمولود الجرعة تقوم الطبيبات والممرضات الحنونات بتوعية شاملة بكل ما يلزم بعدها، في حالة مليئة بالرحمة والشفقة تُثير العجب. كانت ابتساماتهن العريضات تتسع لتبتلع جميع الآلام والوخزات. وكانت صرخات الأطفال تتبعها الضحكات التي تغشى المكان بالسكينة، كانت نبرات أصواتهن الحانية محفزة لنا لنتعلم اللغة، حين كنت أتوق لفهم ما يقلن حتى تكتمل لي متعة التواصل معهن كلمة بكلمة وحديثًا بحديث، وليس فقط بابتسامتي العاجزة. كنت أرى جمالا في لغتهن، على يقين أنها ليست أبين اللغات ولا أعذبها، لكني كنت أرى مناغاة بين كلماتهن وابتساماتهن مدهشة.

كثيرًا ما قلت لنفسي: هل هذه حالة جديدة ينبغي أن تدرسها البلاغة؟ وهي قدرة اللغة على الإبانة حين يتناغم معها القلب، وتصاحبها ضحكة وابتسامة، وإن لم تكن فصيحة وصحيحة؟!. خرجت من أول زيارة أذاكر لغتهن تلك، على شوق لهن وللجرعة التالية.

خرجت من القسم إلى زوجي أحكي له عن جمال الممرضات، وحنانهن بي وبصغيري. كنت حين أعود إليهن كأني ذاهبة لزيارة جدتي الحنون التي تُمطرني بصادق دعائها!.

تعلمت الحديث بتلك اللغة الغريبة غير السليمة لأستمتع بذلك التناغم والتواصل، وكلما فهمت كلماتهن الحانيات ازددت سرورًا. ذات مرة في طريقي لعيادة الأطفال، مررت بعنبر المواليد، فهالني عدد النسوة الآتيات يتجولن في الممرات تبدو عليهن علامات نهاية شهور حملهن. سألت عن سبب وجود هذا العدد الكبير منهن في وقت واحد، فعلمت أنه تقليد معمول به في الجمهورية كلها، فما إن تتم إحداهن شهرها الثامن حتى يجب عليها حزم حقيبتها ووداع أسرتها إلى مستشفى العاصمة، فلا تعود إلا بعد أن تضع حملها بسلام. وعلمت أنهن يقضين شهرهن التاسع كله تحت رعاية طبية شاملة؛ حرصًا من الجميع على سلامتهن وسلامة المواليد، مع تعاون إدارة المستشفى التي تقدم لهن كل شيء ربما تعجز عن تقديمه لهن عائلاتهن.

حين سمعت بالخبر جلست على أحد المقاعد أراقب هؤلاء النسوة الآتيات يتبخترن في مشيتهن يقتلن الوقت بأطراف أرجلهن، ويتجاذبن أطراف الأحاديث والأسمار في دلال وسكينة.

لم أستطع أن أخفض رأسي وأغض طرفي عن متابعة حالة السلام التي تعم المكان من حولي، لكن كان لزامًا عليَّ أن أطرق قليلا لأتذكر غيرهن فيما وراء البحرين الأبيض والأسود في بلاد الشقاء والكد، حين تظل المرأة تعمل حتى آخر لحظات شهور الوهن على وهن، كي لا تفوتها مكابدة لحظة من لحظات الكد والكدح. مرت أمام ناظري عشرات القصص التي سمعتها أذني ورأتها عيني تغاير تلك الصورة تمامًا، بل وتبتعد عنها بُعد المشرقين.

منهن من تذهبن لوظائفهن حتى آخر أوقات الحمل، ومنهن من تعمل أعمالا مهنية شاقة، مع خدمة الزوج والعيال والأهل، وغيرها من قصص شاقة لا تُحصى ولا تعد.

انتبهت إلى حركة قريبة مني فرفعت رأسي، فكانت إحداهن تستعد للمغادرة بوليدها، فعلمت أن عمر الوليد يقترب أيضًا من نصف شهر، وعلمت أيضًا أنه لم يكلف أهله في سبيل قدومه في هذه المستشفى سنتًا واحدًا.

لم تكن جمهورية كوسوفو تصطف بين دول أوروبا الغربية المتقدمة اقتصاديًّا حتى تقدم تلك الخدمة الرائعة لمواطنيها بالمجان، بل كانت خارجة لتوها من أتون حرب عرقية مدمرة. ولم تكن كليات الطب فيها في مصاف كليات الطب العالمية، ولا جامعاتها تقع ضمن التصنيف العالمي للجامعات المتقدمة، ولم تكن دراسة الطب متاحة للجميع، حيث كان التمييز المجتمعي ضد المرأة والزواج المبكر يمنعانها غالبًا من الالتحاق بكليات الطب، لكنها مع ذلك حصّلت حقوقًا لم تُحصِّلها غيرها من النسوة اللاتي التحقن بالتعليم الجامعي وأتممن الدراسات العليا قبلهن بعشرات السنين كما يحدث في بلادنا. وقد كان هذا مشكلا عجزت عن فهمه، وما زلت أعجز عن تفسيره حتى هذه اللحظة.

في تلك الجمهورية، مثلا، لم يكن هناك غير سيدة واحدة درست القانون وعملت بالمحاماة، وذلك في عام 2000، في الوقت الذي كانت فيه بلادنا العربية تتخرج في جامعاتها آلاف الفتيات الدارسات للقانون، وآلاف العاملات بالمحاماة. ومع هذا وجدت النساء في تلك البلاد -على جهل الكثيرات منهن- قد حصلن على كثير من حقوقهن الإنسانية هنا.

كنت أتذكر مقولة “العلم في الراس لا في الكراس” وأرددها لتصمت عشرات الأسئلة في رأسي وتستكِين!

كانت المرافق في المستشفى رائعة التصميم، وأماكن الاستراحات وما يزينها من ورود تذكرني بقصص قديمة قرأتها عن “قصر العيني” في القاهرة عندما أوقفته الأميرة المحسنة ليكون راحة للمرضى المترددين عليه، وكيف انتهى به الحال بعدها، وقد كنت زرته أيام الجامعة.

لا أنسى يومًا ذهبت فيه لعيادة الأسنان فوجدت الطبيب يسألني هناك عشرات الأسئلة عن حالتي الصحية قبل الفحص، والتي لا علاقة لها بآلام ضرس العقل التي كانت تهاجمني على فترات وأنا في السادسة والعشرين من عمري حينها.

كان هذا منهجًا متبعًا في خدماتهم الطبية كافة، فالطبيب هنا أيًّا كان تخصصه لا يشخص حالة ولا يصرف دواءً إلا بعد فحص شامل متكامل. لم يكن الحال هناك كعلاج التجزئة في بلادنا الذي شبهته بعدها بمن يجفف الماء المتساقط من الجدار ويترك ماسورة المياه مشروخة بداخله.

إن ذهبت لتكشف عن آلام في معدتك طلبوا منك صورة للدم، وتصويرًا كاملا للجسم لمعرفة حقيقة ومصدر الألم، وإن ذهبت لتفحص عينيك طلب منك الطبيب تقريرًا من أستاذ الباطنية والمخ والأعصاب، وهكذا في كل فحص، وكانت النتيجة اختفاء حالات اكتشاف العلل متأخرًا بعد ضياع الوقت، كما يحدث في بلادنا!

كانت أعمار الناس تتجاوز الثمانين غالبًا وتقترب من التسعين كثيرًا، وكثيرًا ما سألت نفسي: إن كانت سلامة الشعوب وطول أعمارها دليلا على التقدم والحضارة، فمن أين اكتسبوا تلك الثقافة الصحية المتميزة وهم لم يَدرسُوها أو يُدَرِّسوها في جامعاتهم؟ وهل هم في أوروبا الشرقية هنا والتي تعرف باسم “منطقة البلقان” مهمّشُون إعلاميًّا ومغبونون عالميًّا بسبب توجهاتهم الدينية حين اتخذوا الإسلام دينًا وخالفوا غرب أوروبا المتقدمة مخالفة لم يثنهم عنها الحديد ولا النار ولا التهجير ولا التطهير، كانت هذه بعض تساؤلات تدور في رأسي كغيرها.

كنت أتساءل عن أسماء أساتذة أطباء لديهم برعوا في تخصصاتهم ووصلوا للعالمية مثلما أعرف في بلادنا، فلا أجد! ولا حتى في مجالات البحوث التي تخدم الطب كالكيمياء وغيرها، كما برعوا في بلادنا فلا أجد، أو حاصلين على جوائز عالمية أو مبتكرات بحثية كما حدث في بلادنا فلا أجد. فأين موضع الخلل لدينا وما السر لديهم؟.

كان الناس هنا لا يحملون هم دخول المشافي المتقدمة، إذ لم تكن ثمة فروق في تقديم الخدمات الطبية فيما بينها.

كان الاستثمار المادي وروح المتاجرة بعيدة كل البعد عن أرواح المواطنين وعقولهم، فأبعدوا الاستثمار المادي عن مجالات الصحة والتعليم بشكل نهائي.

كنت أرى المساواة فيما بينهم فأتحسر، وأرى مساواتي بهن فلا أهنأ! إنها الحالة التي لازمتني طوال رحلتي حيث عشتُ منقسمة الشعور كالعادة وأنا بينهن!

انتهيت من جلستي وخرجت أتذكر جارة لنا وضعت ابنها في السيارة وأخرى في الطريق، وغيرها عشرات القصص، ولم أكن يومها قبل خمسة عشر عامًا أو يزيد أتصور أنه سيأتي اليوم الذي أرى فيه الناس في بلادنا يعجزون عن دخول المشافي اللائقة بهم، أو يطردون منها، أو يلقون في الشوارع، وأرى عجز بلادهم عن المساواة الشاملة بين غنيهم وفقيرهم.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا