أيام امرأة عربية في بلاد البلقان [9] | شموع ليالي برشتينا

0
فاطمة البربري
كاتبة مصرية

كانت الأيام حينها تمضي بنا وبمن حولنا في مجاهدة متواصلة لمكافحة آثار حرب التطهير التي شُنَّت على الإقليم، والتي ضاعت فيها آلاف الأرواح البريئة في صبيحة ليلة واحدة، قبل أن أصل إليهم بصغاري بعد عام واحد.

كان الكل بعد مرور هذا العام ما زالوا مشغولين بما آلت إليه الأوضاع والأحوال. كان الجميع من حولي إما يحاولون إعادة تجميل أو بناء بيوتهم، أو لملمة بقايا نفوسهم، أو صلة ما تبقى من أرحامهم وأهاليهم، بينما كنت أنا مشغولة برعاية الصغار، وتعلم لغة السكان، والتواصل مع الجيران، أو البحث عن الأطعمة الحلال، وغير ذلك الكثير مما تعج به ذاكرتي، وانقضت فيه أوقات كثيرة من صفحات أيامي هناك.

كانت مشكلة انقطاع المياه واستيراد الكهرباء من خارج الإقليم، واقعًا صعبًا كثيرًا ما أزعجني وأرهقني، كانت محطات توليد الكهرباء في المدينة قبل الحرب تعتمد كليًّا في تشغيلها على الغاز القادم استيرادًا من أوروبا بواسطة بلجراد العاصمة، والتي قطعت عن الإقليم -بعد دحرها عنه- كل إمداد كان يصل عن طريقها أثناء فترات سيطرتها الطويلة على المنطقة، ولم تكن طاقة استيراد الغاز من ألمانيا بعد الحرب تكفي لتسيير الوضع بكامل طاقاته، كما أن استخدام الفحم بديلا عن الغاز قدم شيئًا من التيسير لكنه لم يفِ بتمام الحاجات ولا الضرورات للإقليم؛ فكانت أولوية إمداد المشافي والمصالح الحكومية والمرافق تجعل حصة البيوت من التيار مجرد ساعات معدودات، كذلك حصة توصيل المياه التي كانت تُقطع عن البيوت مساء كل ليلة حتى الصباح.

وكانت حقيقة التأقلم مع الوضع بهذه الصورة عامين تامين، وإن على شدة وجهد، قد برهنت لي على قدرة المرء المخبوءة داخله على التكيف والتعامل بكافة الحيل مع كل الصعاب. حين نفتح صنابير المياه فلا تعطينا من رِيِّها شيئًا فنلجأ إلى القنينات الموزعة على مختلف الأدوار من الثامنة مساء إلى ما بعد أذان الفجر في الصباح. فهذه لمتطلبات المائدة، وتلك لغسل الصحون، وأخريات للوضوء، وتلك لقضاء حوائج الصغار، وهكذا كل ليلة حتى يطلع النهار.

وكانت ساعات ما قبل غياب المياه هي إحدى ساعات السباق مع الأوقات لتعبئة القِنينات، وما أكثرها تلك الأوقات التي سابقنا فيها الزمن في بلاد البلقان!

كنت في تلك الأحايين بعد أن عشت أجواء هذه السفرة دائمة التفكر في أحوال من سبقونا، وأخبارهم التي استمعنا إليها كثيرًا من الكبار، خاصة حكايات فرح الناس حين وصلت المياه والكهرباء إلى بيوتهم، وكثيرًا ما دعوت لهم بحسن الأجر على ذاك الذي لاقوه من جهد في العيش ومكابدة في ظروف الحياة. كما كنت أتعجب من أخبار تُفيد بأنه ما زالت هناك قرى وكُفُور في بلادنا لم تصل إليها المياه بعد، ثم أتساءل عن السبب الحقيقي وراء ذلك التأخير، فلا أصل.

كنت أتذكر صديقتي الدرعمية الهادئة التي كنت أراها تمسح غرفتها بالماء يوميًّا ونحن طالبات نسكن المدينة الجامعية معًا، كانت فرحتها بوجود المياه قريبًا منها تعكس حالة الشقاء التي تعيشها النسوة في مدينتهن “صان الحجر”. ولولا أنها حكت لنا عنها، ما تخيلت أنها موجودة في بلادنا إلى ذلك الوقت!

قصت علينا حكايات سيرِهن يوميًّا مسافات ليجلبن الماء على الرؤوس إلى البيوت التي لم تكن المياه قد وصلت إليها بعد، وذلك في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكيف أنها تتمنى استمرار الدراسة طوال العام كي لا تعود إلى جلب الماء.

كم كان لي في مثل هذه القصص وغيرها الكثير من العِبر من حيث لا أدري حين كنا نجتمع في أوقات السمر القليلة، أثناء دراستنا في الدار، وكانت أسعد أوقاتنا حين نلتقي معًا ساعة فراغ حين كنا نسابق الزمن أيام الطلب، تمامًا كما كان السباق مع الزمن على أشده في بلاد البلقان كانت أيضًا أوقات السمر لي هي أوقات وصول الكهرباء والمياه معًا إلى الدار حين يلتقيان في أجمل ساعات النهار، فأُسرع لأضغط مفاتيح تشغيل غسالة الملابس، ومكنسة السجاد، وسخان المياه، والتدفئة، وموقد إعداد الطعام، وما أدراكم ما إعداد الطعام في بلاد البلقان، حيث كان الغاز في تلك الأيام أندر من الكبريت الأحمر كما يُقال.

كانت مواقد الغاز لا تعمل إلا بالكهرباء، وكانت تجربة إعداد الطعام جديدة عليّ بكاملها، فكيف بها على موقد كهربائي شديد الحرارة يحتاج إلى يدٍ خبيرة في الطبخ لا في تشغيله فحسب. عشرات الأيام وأنا أجرب لأتعلم، أحرق الطعام تارة، وأحرق يدي وأذرع الأواني تارة أخرى.

يبرد البيت حين تغيب الكهرباء تارة، ويسخن حين تعود تارة، حتى صرت أفضل أن تكون لدي مدفأة من الحطب تُغنيني عن تلك المواقد والمدافئ، حتى انتقلت بعدها بعام إلى بيت فيه مدفأة حطب، فكنت أجد النار في كل وقت تغيب فيه الكهرباء، فلا أُحرم من التدفئة، ولا من فنجان القهوة حينما كنت أشتهيه.

كان علينا قبل الثامنة أن نُخلي أحواضنا من الأطباق، ونجهز الشموع للإضاءة، ونلتف حولها كثيرًا أنا وصغاري ننتظر غالبًا عودة أبيهم من العمل.

كان أكثر شيء يتداوله الناس في أسواقهم يوميًّا (الشمع والكبريت). كانت أضواء الشموع تعكس معها ظلال الأشخاص على الجدران، وتضيء معها النجوم في السماء، ويعم الهدوء في المدينة فلا نجد إلا التأمل والحديث الهامس، في ظل هدوء السكان وعادات نومهم واستيقاظهم المبكر.

لم نكن في الساعات الأربع الأُوَل حين تُضاء الشموع نفتقد التواصل مع هواتفنا، حيث لم نكن ندري عنها شيئًا، ولا الشبكة العنكبوتية فلم تكن قد زارتنا حينها يومًا! بل كنا نفتقد الكتب، وما أدراكم بفقد من يحب الكتب. وإن أنس لا أنس حنيني وشوقي في تلك الأيام والليالي الطوال وأنا أراقب ظلال كل شيء حولي إلى كتب “الظلال” و”وحي القلم” وغيرها، حيث كان وجود الكتب العربية هناك منعدمًا.

جرت الأيام بطيئة على القلوب التي ليس بينها وبين أهلها سوى كلمات صوتية على فترات، وجرت الأيام على المكان وهو يسابق الزمن للعودة إلى أفضل مما كان. كان كل يوم يمر عليهم يزدادون فيه نهوضًا من كبوتهم، وقيامًا من عثرتهم. وكان كل يوم يمر عليّ وأنا بينهم يفسر لي سر الإرادة القوية والتشبث بالحياة على كل حالاتها لدى الإنسان.

كانت العلاقات القوية بين مصر ويوغوسلافيا أيام حكم عبدالناصر سمحت بالرحلات السياحية الموجهة فقط لصعيد مصر، على عكس العزلة التي ضُربت عليهم، فلم أكن أرى أحدًا من حولي قد زار مصر إلا بعض الأئمة الذين درسوا في الأزهر الشريف في القاهرة. ذات يوم قالت لي إحدى جاراتي، وكانت سيدة خمسينية مثقفة مترفة تعمل في إحدى مستشفيات المدينة وتسافر زيارات لأبنائها في أمريكا، وكنت أشعر بمراقبتها لي ولا أعرف أنها زارت بلدي: هل عندكم يا فاطيما مياه في منازلكم في مصر؟. فتعجبتُ من سؤالها، ثم حكت للجميع أنها شاهدت النسوة في مصر يغسلن الملابس والأواني ويملأن الجرار من النهر، وذلك خلال زيارتها السياحية الوحيدة لصعيد مصر!.

كانت هذه الواقعة بالنسبة لهن حكاية عجيبة تناقلتها النسوة في المدينة! أما بالنسبة لي أنا فقد بقيت شيئًا مخجلا في نفسي رغم أنها واقعه وردت على ذاكرتي قبلها بقليل حين تذكرت حكايا صديقتي “صفاء”!

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا