رسالة إلى عزيز

0
د. مروة مختار
ناقدة مصرية

إلى عزيزي طالب الدراسات العليا:

دعني أفتح معك حوارًا عبر هذه الرسالة، وأنا أثق مبدئيًّا في أن لدينا قدرة على التغيير والتطوير، لكنها تحتاج إلى من يقودها ويدعمها.

دعني أسألك عن هدفك من الالتحاق بالدراسات العليا، وعن رغبتك في الحصول على درجة علمية أعلى. دعني أفترض حسن نواياك، وهي الرغبة في التعلم والتطوير، فهلا سلكت الطرق المؤدية إلى ذلك وأنت تخطو خطواتك الأولى في هذا المضمار.

عزيزي الباحث، لا تفرح بكثرة من سبقوك إلى طرق موضوع بحثك مع قليل من التغيير في العنوان، فأنت “باحث” مهمتك علمية، والبحث في الأساس محاولة الإجابة عن سؤال شغلت به، على أن تتضمن إجابتك الجديد الذي يُضيف إلى من سبقك، وبناءً على هذا لا تكرر محاولته بتكرار خطته، ثم تنتظر نتائج مختلفة. تكرار الخطة لا علاقة له بولائك لمشرفك.

الخطة قابلة للتعديل والتغيير أثناء بحثك، لأنك بصدد حالات متوالية من الاكتشاف والاندهاش وعوالم جديدة تفتح أبوابها لك، ولست أمام قالب يصلح لكل شيء.

إن كررتَ مَنْ سبقوك فقد قتلتَ معنى البحث، وحذفت علامة الاستفهام من قاموسك، وشغلت بتكرار الإجابات السابقة في أثواب متباينة، فاستحلت بذلك من باحث إلى كشكول للمراجعة ليلة الامتحان.

البحث هو الجديد، هو الاكتشاف، لم يطلب منك أن تكون عربة في قطار يمشي على قضبان حديدية ثابتة، أنت أمام مشروع حي يحتاج إلى الماء والهواء والود والحوار -مثل الإنسان تمامًا- لينمو تدريجيًّا، فلا تتعجل. بحثك أنت وأنت بحثك، بحثك سيخلف العديد من الأسئلة التي تصلح لأن تكون مشاريع لمن يأتون بعدك، وسيترك بصمته عليك كما تركت عليه بصمتك.

وإن اخترت “تحليل النصوص” على اختلافها، فلا تخجل مبدئيًّا من الاعتراف بأنك في أغلب الأحوال لم تحلل نصًّا بيدك، أو لم تمارس التحليل بشكل مباشر مع النص؛ لأنك دَرَجْتَ في سنوات تعليمك الأولى على قبول تلك التهيئة النفسية التي توضع لك بداية تحت عنوان “الجو العام للنص”، لتحملك تأويلا ما يعيش داخلك، ويتواصل الأمر في أغلب سنوات التعليم الجامعي، لتقوم بحفظ النصوص المقررة عليك مع التحليل الذي قدمه لك من يقوم بتدريسها، وكلما كنت أكثر امتثالا لما حفظت حظيت بدرجات أعلى في أغلب الأحوال.

وعندما تقرر الالتحاق بالدراسات العليا تجد كل من حولك يطالبونك بالتفكير والتجديد حتى لا تكون نسخة مشوهة أو مكررة من غيرك، فتقف متعجبًا عاجزًا عن السؤال: أنا صنيعة مَنْ؟!

تنطلق بعدها دون تروٍّ لإصلاح الخلل، أو محاولة ترميمه بحثًا عن موضوع للتسجيل دون طرح أسئلة كافية على نفسك وعلى بحثك؛ لأن ثقافة السؤال وُئدت من الأساس عبر مراحل تعليمية متتالية، فتعمد إلى خطة جاهزة مع وضع بعض التغييرات الطفيفة، الهدف منها تمرير الموضوع من “السيمينار”، أو نيل موافقة القسم، لا انطلاقًا من النص المدروس، وتسجل وتبدأ العمل لتصبح مهمتك الأولى والأخيرة إخضاع النص المدروس لبنود الخطة المنقولة حرفيًّا من بحث آخر، أي إن مهمتك: “ليّ عنق النص”، والنص يريد الفرار منك لأنه يئن، يهمس لست أنا، أنا نص خاص، استمع إليّ وحاورني، اكتشفني، حلل خصوصيتي وتفردي، ثم أعد صياغة خطتك مرة ثانية انطلاقًا من كينونتي.

عزيزي باحث الدراسات العليا.. هل سألت نفسك لماذا اخترت هذا المنهج لتحليل النص؟ هل لأن المشرف قام بتوجيهك؟ هل لأنك أحسست بسهولته في التطبيق؟ هل بسبب كثرة الدراسات السابقة فيسهل الطريق؟.

عزيزي الباحث: هل لي أن أسألك بعض الأسئلة:

هل حاورت النص فترة كافية فاستدعي منهجًا بعينه؟ هل وضعت النتائج مسبقًا قبل التحليل بناء على ما توصلت إليه الدراسات السابقة فاخترت منهجًا يتسق مع ما جمعت؟ هل ستطبق الإجراءات نفسها التي طبقت من قبل على نصوص مختلفة وتلتزم حرفيًّا بها؟ أم أن حوارك الودود مع النص سيقودك إلى تطوير تلك الإجراءات انطلاقًا من خصوصية النص المدروس؟ هل آمنت بأن دراستك التطبيقية يجب أن تختلف عن الدراسات التي سبقتها وإن استخدمت المنهج نفسه؟ هل سألت نفسك إن استخدمت منهجًا آخر في التحليل هل كان سيؤثر على رؤيتك التحليلية للنص أم أن المناهج كلها ستؤدي للنتائج نفسها إن كنت أنت من يقوم بتطبيقها؟.

أما عنا فيجب أن نكف عن اللعنات التي نصبها عليك في أوقات كثيرة، لأنك صنيعة منظومة تعليمية تحتاج لتطوير شامل، وسنوات الجامعة ليست كافية لتحويل العقلية التي تم التعامل معها على أنها “كارت” ذاكرة إلكترونية إلى عقلية جدلية / ديالكتيكية.

وفي رأيي فإن الإصلاح على المستوى الكلي، إن وُجدت رغبة حقيقية وإرادة سياسية لذلك؛ سوف يستغرق عقدين على أقل تقدير لنجني ثمرته، أما الحلول العاجلة فأراها تتمثل في وضع خريطة علمية لأطروحات الماجستير والدكتوراه بالجامعات المصرية، بحيث تقوم على مشاريع علمية كبرى بين الجامعات المختلفة، أو بين كليات الجامعة الواحدة، أو بين أقسام الكلية الواحدة، يُختار أفرادها بعناية بالغة، وتتم المتابعة الدورية لها على مستويات مختلفة، وأظن أن ثمارها ستظهر في وقت أقصر مما نتخيل إذا توفر المناخ الملائم لها.

 والسلام ختام

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا