كُتُبٌ مَمْسُوسة

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

كثيرة هي الكتب التي أثارت –ولا تزال- جدلا ونقاشًا حولها، أو تلك التي يُرصد قارئوها ومستعيروها في المكتبات العامة، ولو عن طريق تسجيل أسمائهم، ومنها كتاب “كفاحي” لهتلر الذي تُسجل أسماء قارئيه في الغرب، فضلا عن كتب السحر والشعوذة والطقوس العقائدية الغريبة.

غير أن اللافت هو تلك الكتب التي تصيب المهتمين بها، أو المحققين لها، والمتوفرين عليها، بشيء من النحس الذي يُشبه “اللعنة”. فهل هناك -حقًّا- كتب من هذا النوع؟.

لعنة (مروج الذهب):

في حديث خاص مع الدكتورة زينب العسال، قصّت عليّ تجربة غريبة حدثت لها مع كتاب (مروج الذهب) للمسعودي، قالت: “كُلِّفتُ منذ فترة من قِبل الهيئة العامة للكتاب بعمل تلخيص لكتاب المسعودي (مروج الذهب). فقرأت الكتاب، وبدأت في مرحلة الإعداد، ومن ثمّ الكتابة على الكمبيوتر. والحقيقة أن مشاكل غريبة بدأت تواجهني حين شرعتُ في كتابة التلخيص. فحين كنت أكتب جزءًا منه ثم أحاول استكماله في اليوم التالي لا أعثر على ما كتبته. ثم بدأت من جديد مرة ثانية، وإذا بي حين أفتح الملف لاستكمال العمل أجد الكتابة قد تحولت إلى رموز وطلاسم حاسوبية، مع تأكدي التام من حفظي لما كتبته سابقًا، إلى درجة أن بعض أصدقائي ممن كانوا يزورونني يستغربون الأمر، وقد يكونون شهودًا على ما مررت به. وفي المرة الثالثة حين بدأت من جديد وجدت الكلام بعد حفظه على الملف يتحول إلى مربعات. وفي مرة أخرى كنت أكتب فإذا بالكهرباء تنقطع. كما انتابتني عدة وعكات صحية أثناء عملي في هذا التلخيص. وفي خلال عملي وقعت عيناي على عبارة للمسعودي تشتمل على لعن لكل من يحاول أخذ جزء من الكتاب، أو يقوم بتلخيصه، أو العبث به. وقد بقي هذا الموضوع معي ما يزيد على الشهرين تقريبًا وأنا أحاول طرد عبارة المسعودي عن رأسي. وفي النهاية ذهبت إلى الشخص الذي كلفني بالقيام بهذا التلخيص، واعتذرت له عن عدم قيامي بذلك، وأخبرته بما حصل معي. لست مؤمنة بوجود شيء خرافي حول الكتاب، ولكني شعرت بأن هناك شيئًا ما. ومع هذا كنت دائمًا ما أُرجع السبب إلى خطأ ما قد فعلته”.. انتهى.

وقد رجعتُ -بدوري- إلى كتاب (مروج الذهب) فوجدت مقولة المسعودي التي أشارت إليها الدكتورة زينب، يقول قاصدًا كتابه: “فمن حرّف شيئًا من معناه، أو أزال رُكنًا من مبناه، أو طمس واضحةً من معالمه، أو لبَّس شاهدة من تراجمه، أو غيَّره، أو بدَّله، أو أشأنه، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب الله، وسرعة نِقَمِهِ، وفوادحِ بلاياه، ما يَعْجَزُ عنه صبرُه، ويَحَار له فِكرُه، وجعله الله مُثْلَةً للعالمين، وعبرةً للمعتبرين، وآية للمتوسِّمين، وسلبه الله ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه من قوة ونعمة مبدعُ السماوات والأرض، من أي الملل كان والآراء، إنه على كل شيء قدير(1)“.

النحس.. و(ديوان ابن الرومي):

أشار الدكتور أبو همام عبداللطيف عبدالحليم في مقال له(2) إلى اشتهار ابن الرومي بالنحس الذي كان ملازمًا له، حيًّا وراحلا، وهو ما كان من الأسباب التي أدت إلى العزوف عن الاهتمام بشعر هذا الشاعر. والغريب في الأمر أن الشاعر نفسه كان يميل إلى تصديق ما أُشيع عنه من نحس، نتيجة الفقر الذي لم يفارقه.

وقد امتد هذا النحس إلى العصر الحديث، فما يكاد أحد يقترب من شعر الشاعر، أو يحاول إخراجه وإذاعته؛ إلا وأُصيب بحادثة معينة.

اهتم بديوانه جعفر والي باشا (وكيل نظارة الحقانية) فأُقيل من منصبه. كما نشر الشيخ محمد شريف سليم بك (عميد مدرسة دار العلوم) شيئًا من شعر الشاعر فلحق به شيء من الأذى. وأصدر كامل كيلاني مختاراته في ثلاثة مجلدات، فلحقته خسارة شديدة، ويُقال إن مدير المطبعة “سيد بك” مات بعدها. أما المازني فقد توفر على مخطوط الديوان بدار الكتب المصرية، وكتب عنه عددًا من المقالات، فكُسرت ساقه لسبب تافه، وظل ذا عَرَجٍ إلى أن لقي ربه. وكتب العقاد كتابه “ابن الرومي.. حياته من شعره” فسُجن تسعة أشهر بتهمة “العيب في الذات الملكية”. كما توفر على قراءة الديوان والاختيار منه الدكتور علي الجندي (الشاعر)، فبقي بدون ترقية في وظيفته 18 عامًا، في حين ترقى زملاؤه.

وعلى الرغم من كل ما قيل عن نحس ابن الرومي، فإن الدكتور حسين نصار –أطال الله في عمره- أخرج الديوان مع طائفة من تلاميذه في ستة مجلدات.

* * *

الحقّ أنني لست من دعاة التشاؤم، ولا المؤمنين بالنحس في الأشياء والناس، غير أن هناك أمورًا وتجارب تستحق تسطيرها ومن ثمّ تأملها، ومن ذلك تلك العلاقات الغريبة لبعض الكتب بالقريبين منها.

 _____________

(1) مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي، اعتنى به: كمال حسن مرعي، الطبعة الأولى، بيروت، المكتبة العصرية، 2005م، 1/15.

(2) انظر مقال: ديوان ابن الرومي، للدكتور عبداللطيف عبدالحليم، مجلة “الهلال”، ديسمبر 2001م، 116،

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا