ورثة عائلة المطعني

0
د. زينب العسال
أكاديمية وناقدة مصرية

“ورثة عائلة المطعني”.. عنوان ثري بدلالات عدة، خاصة حينما يدرك القارئ أنه أمام سيرةٍ وناس عاشوا فيها وصنعوا تاريخها.

من هم ورثة عائلة المطعني؟ وماذا فعلوا بهذا الإرث؟ وهل هم حقًّا الورثة الشرعيون له؟ أم أنهم تسلطوا عليه؟. أسئلة مُشرَعة على اتساعها لم تُحط الرواية بالإجابة عليها.

ولا يزال الروائي محمد جبريل يبحر في عوالمه الصوفية، فضلاً عن العوالم المعيشية واليومية، ويحلق في الخيال، ويستشرف المستقبل، متخذًا من الإسكندرية نقطة انطلاق، وهو في كل ذلك يجعل قارئه يعيش تجارب وفيوضات ورحلات من التأمل العميق لحاله / حالنا جميعًا.

في روايته الأخيرة “ورثة عائلة المطعني” يتناول جبريل، من خلال أوائل الأجيال، ما مرت به مصر من أحداث ووقائع عاشها الأجداد والأبناء والأحفاد، هي رحلة ميراث شرعي ورثته عائلة، ولكن ثمة من استولى عليه بدون وجه حق.

يلعب جبريل في منطقة يجيدها، وهي منطقة تكشف أن العالم الإنساني هو جزء لا يتجزأ من العالم الكوني، وأن المعرفة جزء من الحقيقة، وأن الحقيقة لا تدرك بالعين أو الحواس، ولا يمتلك الإنسان مهما امتلك من العلم الحقيقة، المعرفة القاطعة الناجزة، وأن للعالم وجوهًا تتعدد بتعدد الأهواء والمصالح والمشارب، وأن التاريخي لم يعد مقدسًا، بل هو قابل للبحث والفرز.

في رواية حافلة بهذا السياق تنهل منه وتضيف إليه حينما يلجأ جبريل إلى عالم السياسة والتاريخ لا يتقنع بقناع الإرث، ولكن الرواية تأخذ منحى آخر هو المواجهة والحوار بين القوى والآراء، فالرأي لا ينفي الرأي الآخر. من فرضوا أنفسهم ورثة على عائلة المطعني، لم يرثوا الأرض والدور فقط، بل ورثوا التاريخ، حاولوا تزييفه لصالح فئة بعينها.

إن المجتمع السكندري بما يمثله من أرض / يابسة وماء، هذا العالم المنبسط والمغموس بروحانيات الأولياء والمتصوفة، كان عليه أن يجابه هؤلاء الأشرار، لكن قوى عالم الشر تمتلك من الحجج والأسانيد التي قد تضعف إرادته وسيطرته.

إذا كانت الرواية تتخذ نقطة البداية من الأولياء، فإنها تعود لتؤكد أهمية أن الناس البسطاء لم يعودوا مهمشين، فهم الذين يخرجون إلى الساحات يعلنون رفضهم ويطالبون بحقهم.

لم تعد الفانتازيا هنا مسكنًا، لكنها صارت محفزًا للشخصيات حتى تواجه مصيرها وتعلن رفضها.

الفن هو ذاكرة الأمة، بغيره تفقد الذاكرة ماضيها وحاضرها، ولا ترنو إلى مستقبلها، هكذا يدرك جبريل طليعة الفن.

الرواية تتسم بالتناغم الشديد في إيقاعها السردي الذي يطرق الحاضر، ويعود مسرعًا إلى الماضي البعيد ليلتقي برمز من رموزه وشيخ أقرب إلى المتصوفة يرقب الأحداث، ويقدم المشورة، ويحث على الفعل. الذاكرة الجمعية التاريخية تتقاطع مع الأزمة الفردية، والعودة إلى العالم الواقعي بكل تمفصلاته، ليعلو الإيقاع وتتسارع الأحداث لتصل إلى مصر الثورة، وتدرك أن المقدمات كلها كانت تسير في اتجاه أن عوالم الرواية لا تنفصل، فلا قطيعة معرفية ولا هبوط في الهم، فقط ثمة تشويش في الرؤى، كان يلزم العودة إلى التاريخ ليعرف أين موقع قدميه؟.

إن رواية “ورثة عائلة المطعني” تبتعث من الذاكرة الجمعية لتضيف إليها رؤية المبدع أو السارد العليم.

رحلة الصوفي هنا ترقى إلى مقامات تلامس الواقع، بل تنغمس فيه رحلة معاكسة للمتصوف التقليدي الذي ينعزل عن العالم، فالمكاشفات تأتي من العودة للواقع والمشاركة فيه.

هل يحق لنا أن نصف رواية “ورثة عائلة المطعني” بأنها رواية ثورات المصريين ووصف معاناة شعبها.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا