هلوسات الواقع في “حافة الكوثر”

0
نبهان رمضان
قاص مصري

في البداية خدعني عنوان الرواية كما خدع الجميع، تخيلت أننا سنجد رواية من الفانتازيا وعالمًا خياليًّا له إسقاطات على الواقع، وكأن المقصود بكلمة “الكوثر” هو ذلك النهر الذي منحه الله سبحانه وتعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. عندما بدأت في القراءة وجدت المقصود بكلمة الكوثر تلك المصحة النفسية التي يتردد عليها المرضى النفسيون للعلاج، وعندما توغلت أكثر في القراءة لمع في ذهني تلك المقولة الشعبية التي اتخذها إسماعيل ياسين عنوانًا لأحد أفلامه “المجانين في نعيم”، ربما لأنهم يرون الحقائق التي لا يراها الأصحاء، أو يتعامون عنها، أو يحاولون اجتنابها.

ينطلق الكاتب (علي عطا) في رواية حافة الكوثر (الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية) من منطقة وسطى بين (الوعى واللا وعي) أو (الحقيقة واللا حقيقة) لا شيء يقيني تمامًا، كل حدث في الواقع يحتمل تفسيرًا ما ونقيضه، من أول ذلك الشهيد في حرب أكتوبر الذي لقي حتفه جراء حادث سيارة نقل جنود قبل أن يشتبك مع الأعداء، حتى موقف محمد منير المطرب في نهاية الرواية، ليضع لنا الكاتب مفارقة ملحوظة للجميع عنما تغنى بثورة يناير ثم 30 يونيو.

يعتمد الكاتب على تكنيك الكتابة أو المراسلة لصديق يمكن أن يكون وهميًّا أو غائبًا عن واقع الرواية، بحيث لا يستطيع أن يُكوِّن رأيًا مؤثرًا في الأحداث. هذا التكنيك يُعد أحد أساليب الكتابة النفسية، تمامًا مثل تكنيك (المقعد والأريكة) الذي يُتيح خاصية التفاعل مع الكلام الشفهي، ومن خلال هذا التفاعل تنطلق الأحاسيس والانفعالات، لكن في رواية (حافة الكوثر) يستبدل الكاتب الحكي والتكلم بالكتابة، يمنح أحيانًا لبعض الشخصيات أن تتحدث عن ذاتها، ربما لذاتية مشكلاتها وعدم عموميتها، على سبيل المثال مجدي وعمته.

هلوسات الواقع خصوصًا بعد ثورة يناير التي بدأت معاناة الشخصية الرئيسية في الرواية بعد انطلاقها مع ظهور الضبابية في المشهد العام للوطن تحتدم الحياة الشخصية للبطل الرئيسي، تصر عشيقته على الزواج وإعلانه، والمشكلات التي نشبت بين ابنته حنان وخطيبها، تأتي الرمزية واضحة في الرواية، حيث جاءت في عبارة صريحة داخل متن الرواية جعلت مصحة الكوثر كأنها وطن بديل لنزلائها، وأيضًا مهددة بالهدم وإعادة بنائه بشكل جديد كأحد الطوابق في إحدى العمارات. “هل يمكن يا الله أن يصبح الكوثر وطنًا بديلاً لناسه الوافدين إليه رغمًا عنهم من كل صوب وحدب” (ص 13).

في مستوى آخر من الرمزية استخدمت الزوجة القدرية والعشيقة التي تصر على الزواج وإعلانه مع بداية ثورة يناير، كأن الكاتب جسّد المرأة كوطن مصر القديمة القدرية التي لم تتشكل على يد الشعب والعشيقة التي تضاجع الجميع قبل الزواج وتريد الطلاق والهجر بعد 30 يونيو.

حافة الكوثر ما هي إلا محاولة لكشف الموقف الضبابي لوطن ضائع أصبح ساكنوه يعانون من اكتئاب حاد يستلزم العلاج قبل الانتحار، لكن الكاتب لم يتبنَّ رأيًا معينًا، وظل محايدًا حتى نهاية الرواية.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا