دراسة لمسرحية “الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر”

0
أحمد سراج
كاتب وشاعر مصري

يمثل الحادي عشر من أيلول / سبتمبر عام “ألفين وواحد” علامة فارقة -أو إن شئنا الدقة- فإنه يمثل بداية تقويم جديد ( مثلما كان القدماء في العصور السابقة يفعلون؛ فنرى من يؤرخ لميلاد “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه – مثلًا – بأنه ولد بعد حرب “الفجار” بأربع سنوات، بل إن تقويمنا الحالي قائم على ميلاد المسيح عليه السلام، هذا مع تجاوز ما يثار من أن ميلاد “المسيح” لم يولد في هذا العام طبقًا لدراسات عديدة، إضافة إلى أن تقويمنا العربي قائم على الهجرة النبوية المباركة، مع تجاوز أن الهجرة كما يؤكد المؤرخون حدثت في شهر “ربيع الأول” لا في “المحرم”) ما يهمنا في هذا السياق أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قسمت العالم زمنيًا إلى قسمين؛ ماقبلها ، وما بعدها، ومن هنا جرت في النهر مياه جديدة بل دماء جديدة كان أغلبها إسلاميا غير مذنبٍ بالطبع و بالضرورة، ضحية على الأرجح؛ هذا التقسيم – الأكثر شبهًا بما حدث للأرض في العصور الجيولوجية السحيقة وأدى إلى انقسام القمر عنها- تفرعت عنه كأذرع الأخطبوط تقسيماتٌ أخرى حتى ليبدو الأمر للمدقق أن سرطانًا يتمدد في جسد مستسلم لا يملك إلا أن يطلق بين الحين والحين آهة ألم ضعيفة أو رجفة حين تشتد وطأة الكرب.

“فاوست” بلا توبة

حين ظهر بهيئته التي تعود بك إلى مايربو على ألف عام؛ اللحية، الزي، طريقة الجلوس، التف العالم حول شاشات التلفاز: منهم من يرى فيه المخلص لهم من هذه الشرور المتفشية في العالم، ومنهم من يراه رصاصة انطلقت من القرن السادس الميلادي لتستقر في القرن الحادي والعشرين – التعبير مأخوذ من “هيكل” في حديثه عن الخوميني- فالأمة الإسلامية ستتوحد على يديه وستعود “فلسطين” إلى أحضانها وستلقى “إسرائيل” في النار، وكيف لا؟ أليس هو قاهر الشيوعيين الكفار المرقة بفئة قليلة من جند الله الصابرين المحتسبين من كل بلاد الإسلام؟! وحين تحدث الفارس الشيخ عن جنده وقوتهم وظهر بصحبة حديثه تدريبات قتالية اشترك هو فيها زاد الناس تعلقًا به، ثم كان أن قسم العالم – هو أيضًا- إلى معسكر الإيمان ومعسكر الشيطان وفي أوج حماسته أعلن مسئوليته هو وشهداؤه – باعتبار ماكان وما سيكون- عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ وبينما كان المقهورون في الأرض – أعني الشعوب العربية وأمثالها- تردد في أعماقها أناشيد الفرحة بهذا الفارس الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورا، ويمنون أنفسهم بما وعد الصابرون دون جهد أو عناء؛ فالمنقذ سيتولى كل شيء دون أن يدفعوا قرشًا ولا درهمًا ولاريالًا، أقول بينما هؤلاء يجوبون الشوارع مظهرين البهجة والسرور، وبينما حكامهم يستعدون لتنازلات إضافية؛ كانت ابتسامة صانع القرار الأمريكي تزداد، فلقد هيأ له بن لادن/صنيعته كل مايريد؛ ذهب، نفط، ياقوت،…؛ وتمنى لو يسلمه نوطًا استثنائيًا على كل ما فعل، وربما يأتي اليوم الذي يحدث فيه هذا.

نسيت شعوبنا إذًا تلك العلاقة الوطيدة بين “بن لادن” ومن على شاكلته وبين “العم سام”، وتوهم البعض أن “العم سام” صنع من “بن لادن” عفريتًا ليقوم له ببعض المهام بالوكالة وأمده بكل ما يحتاج إليه من مال وعتاد وتدريب من أجل قهر الروس أو على غرار ما قرأنا عن “فاوست” الذي باع نفسه للشيطان ثم تاب، ولكن السحر انقلب على الساحر وتمرد العفريت/ “بن لادن”/ “فرانكشتين”/ “فاوست” على صانعه، وبينما انطلقت أمريكا في تجميد الأرصدة العربية، والضغط على كل الدول لتسديد فاتورة الحرب على الإرهاب؛ كانت الطائرات تدك جبال “أفغانستان” و”المارينز” وغيرهم يمشطونها دون أن يعثر على العدو اللدود – إلى الآن- بالرغم من الحملات الموسعة والتمشيط الدقيق والجهد المخابراتي رفيع المستوى، وكأن “بن لادن” ورجاله يمتلكون وسيلة مبتكرة للاختفاء تفوق ما يملك رئيس دولة كصدام حسين، وما يعرف مناضل عتيد كـ “شي جيفارا”؛ أجل هو وهم فـ “بن لادن” وغيره تروس في ماكينة تلك الحرب، علموا ذلك أم دبر لهم الأمر كدراما إغريقية يسير فيها الجميع إلى أقدارهم دون قدرة على العلم بما سيجري وإن علموا فإنه القدر الذي لا يقاوم.

خط الدفاع الأول

ولم يكن أدبنا العربي/ خط الدفاع الأول، غافلًا عما يجري، أو ما يدبر من دراما متقنة الصنع فما إن يبدأ طرف الخيط حتى يتحرك الأمر كله دون القدرة على إيقافه، إما إعجابًا – وهي ليست حالة العرب بالطبع فهم أشبه بأولئك الآلاف الذين نراهم في الأفلام الأمريكية وهم يدمرون في لحظة واحدة دون أن يهتم بهم أحد، بينما تبحث عيوننا بلهفة عن ذلك البطل الأمريكي الخارق وهو يخرج من وسط كل هذا حيًّا ليطارد الأشرار وينقذ العالم؛ وإما ألمًا وانخداعًا وعجزًا – وكلنا هذا الرجل بامتياز-، ومن النصوص الأدبية التي تناولت أحداث الحادي عشر وأصولها وفصولها المتتالية؛ مسرحية “الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر” للكاتب ” محمد أبو العلا السلاموني”، التي صدرت ضمن الجزء الرابع من الأعمال الكاملة عن الهيئة العامة للكتاب عام 2006 م، وأعيد نشرها عن المجلس الأعلى للثقافة بداية سبتمبر 2007م وأثيرت لدى رفض المسرح القومي لعرضها على خشبته – بحجة كونها أقرب للمنشور السياسي – ضجة كبرى لم تهدأ.

حكاية مقاتل

والمؤلف من مواليد يناير1941 وخريج الآداب عام 1968، وهو أحد رموز الكتابة المسرحية المصرية والعربية نظرًا لما تميزت به كتاباته من تناول للقضايا التي تواجه الناس ومنها قضية مقاومة المحتل بكل الصور والأشكال، وقضية الفلاح في فترة الإقطاع، ثم قضية الديمقراطية واشتباكها مع البيروقراطية والتخلف الاجتماعي، والقضية الوطنية في أعقاب نكسة السابع والستين، على أن اهم القضايا التي واجهها الكاتب والتي أظن أن فيها خلاصة مشروعه الفكري والمسرحي هي قضية الإرهاب والتطرف الديني الذي أطل علينا بأكثر من شكل فمنها؛ ذلك الجناح النظري الذي يعطي لسامعه تذكرة بلا عودة لمختارات بعينها، أسيء فهمها على الأكثر، وتم إعادة تأويلها بما يوافق رؤية ما؛ وذلك بغية إنتاج قطيع من الناس لا تفعل إلا ما تؤمر به، وإلا فالتكفير والنار هما العقاب الأمثل، ونلمح ذلك في مسرحية “السحرة”، ومن أشكال الإرهاب؛ الشكل الاقتصادي الذي ظهر في مسرحية : “المليم بأربعة” وفيها نموذج لشركة توظيف أموال يرأسها لاعب قمار محترف يهرب ثم يعود ثريًا إلى المولد فيجمع أفراده ليكونوا أعضاء شركته/ عصابته/ جماعته، ويأتي الشكل الثالث للإرهاب؛ وهو الجناح العسكري المنظم كما رأينا في مصر في العقدين الأخيرين للقرن المنصرم وذلك ما تعالجه مسرحية “الحشاشين” ؛ ثم تأتي المسرحية موضوع العرض لتتحدث عن الإرهاب العالمي والعلاقات الكبرى بين مختلف الجماعات ثم عن التاريخ المشبوه للدول الخارجية.

أصل الحكاية

تتناول المسرحية حياة الدكتور ” أبو الفرج الشرقاوي” الأستاذ بجامعة نيويورك والمتزوج من الأمريكية “ليزا” وله منها ولدان “مروان” و”مروة”، أي أنه يعيش حياة أمريكية كاملة – إن جاز التعبير- فعلاوة على ما سبق فإنه يكتشف بمحض الصدفة – لاحظ – أن ابنته حامل من صديقها الخاص “وليام” وأن أمها تعلم ذلك، وبعد أن يثور متسائلًا كيف؟! تخبره زوجته أنه لم تأت مناسبة لتخبره وأن الأمر عادي تمامًا! بل وتحت السيطرة فصديقها سيتزوجها وقد نطق الشهادة وغير اسمه إلى “وليد”.

إلا أن أحداث سبتمبر تقلب حياة ” أبي الفرج” تمامًا فيتم ضرب ولديه في الجامعة ويتراجع “وليام” عن فكرة الزواج لأن والديه يريان أن “مروة” إرهابية ككل جنسها ، ويحدث نفس الأمر مع “مروان” وصديقته، لكن الكارثة الكبرى تتمثل في موقف “جونسون” وهو حمو الدكتور “أبو الفرج” وعضو الحزب الديمقراطي، والذي يصر على أن تطلق ابنته وعندما يرفض “أبو الفرج” ويحاول إقناعه بعكس ذلك، يخبره “جونسون” بأنه أبلغ عنه مكتب التحقيقات، وتتطور الأحداث فيتم اعتقال “أبو الفرج” وحرق فيلته، ثم يتم الإفراج عنه و طرده من أمريكا مع السماح له بأخذ زوجته وأولاده بشرط أن يبلغ مكتب التحقيقات عن إجابة هذا السؤال:« ليه الكراهية البشعة دي؟».

يعود “أبو الفرج ” وأسرته إلى بيت العيلة في قريته في مصر، ليعيش مع زوجتي أخويه المسافرين، واللتين تحيلان الحياة إلى جحيم، ويعمل “أبو الفرج ” في غير تخصصه –كالعادة في مصر- ولا يحصل على حقه المعنوي أو المادي – كالعادة في مصر- وتتزوج “مروة” –كعادتها- شابًا “عبد الودود” ترى فيه بديلًا عن الصديق الخاص ولكنه في هذه المرة أحد أفراد الجماعات، ويصبح “مروان” عضوًا في إحدى الجماعات، ثم يتزوج من سيدة صغيرة مخمرة “شفاكات” طليقة الأمير، ثم يسافر إلى “أفغانستان” بأمر من أميره، على أن ذروة الكارثة عندما تصر الزوجتان على إجراء عملية الختان لـ”ليزا” و”مروة”، وتنجحان في فعل ذلك لـ”مروة”، ثم يتم عمل غسيل مخ كامل لها.

يعود “أبو الفتوح” و”أبو الحسن” أخوا “أبو الفرج ” من أفغانستان ليكشفا لأخيهما عن سر عدائهما “لأمريكا” وأخواتها برغم الخدمات الكبرى، كما يكشفان له العديد من الأسرار الأخرى التي تتعلق بالتمويل والتدريب وتجارة المخدرات. ويسرع “أبو الفرج ” بإرسال خطاب إلى “جونسون” بكل ماقاله أخواه: إن أمريكا أخذت كل ما أرادت من مال وسلطة وتحطيم خصوم، بينما لم تعط لهم شيئًا كما وعدتهم؛ إذ وعدتهم بحكم مليار ونصف لا بمجموعة من المخابئ، كما أضاف “أبو الفرج” قول أخيه “أبو الفتوح”: «أنتم اللي خرجتم العفريت من القمقم، وما عرفتوش تصرفوه..».

يتعهد الأخوان بإعادة “مروان” إلى أبيه كما كان، وبالفعل يعود لكنهما يُقتلان في إحدى الغارات الأمريكية، فتطالبه زوجتاهما بالزواج منهما طبقًا للأعراف التي صارت شريعة، وتطالبانه بأخذ الثار من أمريكا متمثلة في “ليزا” التي تنهار فيسرع بها إلى مستشفى ثم إلى مصحة نفسية، ويسكن في فندق متواضع، وبعد ذلك يلجأ لطبيب نفسي باسم مستعار هو “أسامة بن لادن” كي يحاول أن يخرجه من هذه الأزمة ويحكي له القصة كاملة ثم تتجمع عند الطبيب أسرة “أبو الفرج “.

بناء المسرحية

قسمت المسرحية إلى فصلين يبدأ الأول بلجوء “أبو الفرج ” إلى عيادة طبيب نفسي مصري ليخلصه من عقدة كراهية أمريكا نظرًا لما جرى له، والتي تحكمت فيه إلى أن اختار اسمًا مستعارًا مرعبًا “أسامة بن لادن” وينتهي باعتقال “أبو الفرج ” بعد رفضه تطليق زوجته.

بينما يبدأ الفصل الثاني بحوار بين الطبيب و”أبو الفرج ” يكشف فيه عن اعتقاله وصفقة عودته إلى مسرح على أن تأتي أسرته بعده بأسبوع، ثم استقرارهم في قريته، وما حدث لهم وينتهي بعزم “أبو الفرج ” على المقاومة الشرعية لأمريكا وتوضيح دور المنظمات والهيئات والأفراد العاديين.

اعتمد الكاتب على الارتداد كتقنية لعرض نصه؛ فهو يبدأ من لقطة تالية زمنيًا وهي ثابتة تقريبًا فكلها داخل عيادة الطبيب ثم يعود إلى لقطة سابقة وهي لقطة الحدث الأصلي معتمدًا في هذه المراوحة المستمرة على مقتضيات النص؛ بينما ينتهي النص باستدعاء من يريد لهم الكاتب البقاء ليرى ما فعلت بهم التجربة، وكيف سيواجهونها فأسرة “أبو الفرج” تجتمع كلها في عيادة الطبيب لتبحث عن حل لما حدث بعد أن صقلتهم التجربة المريرة وأنارت لهم بلهيبها طريقهم.

وبالرغم من تقسيم الكاتب المسرحية إلى فصلين فقط فإنه استطاع من خلال تقنية مسرح داخل المسرح أن ينوع اللقطات ويمزج بينها دون أن يجعلها مشاهد متباعدة تفقد المتلقي تركيزه، وتخل من وحدة البناء المرادة.

من شخصيات النص

“أبو الفرج الشرقاوي”

أستاذ الأدب العربي بجامعة نيويورك، الذي يرى أن “أمريكا” فيها كل ما يحتاجه الإنسان لكنها لاتقدمه له بدون ثمن، فهي تغريه بما لديه حتى تحصل على مالديه، ولهذا فهو يتعامل معها بمنطق الصفقة فيقول لزوجته: « فشر .. أنا أكره أمريكا .. ده أنا سبت أهلي ووطني في عز شبابي عشان أهاجر أمريكا وأحقق الحلم الأمريكي…» ويقول: «كل اللي يهاجر أمريكا لازم يحب أمريكا يا حبيبتي ..أمريكا دي هي الإغواء .. هي الإغراء ..الفردوس الموعود اللي بيوفره الشيطان للإنسان …. تفتكري احنا محرومين من حاجة في أمريكا..» لذلك فإنه يشعر أنه رابح تمامًا في هذه الصفقة :«أنا شخصيًّا حققت كل حاجة نفسي فيها.. زوجة جميلة..أولاد حلوين.. مركز اجتماعي هايل حديقة مدهشة.. رصيد في البنك موش بطال… هي دي الجنة يا ليزا» وهو يعلم أن الناس تكره أمريكا ويعرف ما هو أهم, وهو لماذا يكره الناس “أمريكا” فيقول: «أمريكا عاوزه تشتري الناس بفلوسها.. عشان تحقق مصالحها.. عمرها ما عملت حاجة لوجه الله..» كما أنه لايستطيع كتمان مشاعر الشماتة والفرح فيقول:«سيبيني يا ليزا أفضفض وأقول اللي جوايا دول ياما هزأونا في سبعة وستين وقالوا إن احنا اتهزمنا في ست أيام.. آدي أمريكا بجلالة قدرها اتهزمت في ست دقائق..» ومع ذلك فهو يؤمن بقوة أمريكا وبطشها ويراهن عليه : «بكره تشوفي أمريكا حتعمل إيه.. إن ماكانت تمشي العالم على العجين ما يلخبطه..» إلا أنه يخطىء حين يظن أنه وأولاده خارج مسألة الانتقام وأن أمريكا بلد ديمقراطي ” والذي منه” فيقول لأولاده بعد أن يعرف أنهما أكلا علقة ساخنة :«ركزوا بس معايا وخليكوا في المهم .. انتم إزاي تسيبوهم يضربوكم وانتم في بلد أمريكية .. انتم أمريكان زيكم زيهم مافيش حد أحسن من حد..» إلا أنه يكتشف الفاجعة من خلال ما يعرف وما يسمع وما يتذكر فيقول: « والله ما انتم عارفين حاجة .. دا احنا في حوسه ما يعلم بيها إلا ربنا..» وعندما يجد أولاده فخورين بما حدث، يحاول توضيح الصورة فيقول لابنه:« أيوه يا بني مايغركش الصوت العالي.. احنا بتوع كلام وبس..» ويقول لابنته: «يابنتي اعقلي .. بتصدقي الكلام ده.. مسلمين مين اللي بيهددوا أمريكا..» وتتحكم خلفيته الثقافية فيما يعرفه عن أمريكا وكيفية استفادتها من هذه المواقف لأقصى درجة فيقول: « عاوز أقول العملية اللي حصلت دي وصحت المارد الأمريكي اللي وجد فرصة عشان يضربنا .. وأهي البوادر ظهرت ..أولادنا انضربوا رغم انهم أمريكان .. فما بالك حايعملوا إيه في المسلمين..» ويعرف جيدًا ان أمريكا تدرك براءة المسلمين من هذه التهم، لكنها تريد السيطرة على العالم، وقد جاءتها الفرصة على طبق من ذهب :« المصيبة إنها عارفة ده كويس.. لكن للأسف.. أمريكا عاوزه تسيطر على العالم كله .. والمسلمين جزء كبير من العالم وفيه أكبر المصالح الأمريكية..» لذلك فإنه ينتظر دوره :« من غير ما نعمل يا ليزا.. احنا متهمين لمجرد إن إحنا عرب ومسلمين..» وحين تريد زوجته طمأنته يوضح لها الأمر:« خلاص يا ليزا .. أمريكا ظهرت على حقيقتها .. قلبت على الوش التاني .. الوجه القبيح..».

وعلى الرغم من قناعة “أبو الفرج ” بأن الأسوأ لم يات بعد وبأنه آت لا ريب فإنه يحاول أن يقاوم وأن يدافع عن العرب والمسلمين لا بوصفهم عربًا ومسلمين بل لأنه صار محسوبًا عليهم فيقول:« طبعًا ماهي دي الهوجة بتاع اليومين دول.. أي حد ينتمي للعرب والمسلمين لازم تتهموه بالإرهاب..» وعندما لايجد لديه مربعًا للتراجع فإنه يقررالمقاومة حتى آخر نفس فيقول :« لا..موش حا اطلق.. موش حا اطلق..وأعلى ما في خيلكم اركبوه يا بتوع الإف آي بي ..» لذلك يُسجن “أبو الفرج ” بدون تهمة ولا محامٍ ولا قاضٍ مما يدفعه لترسيخ فكرة الخيانة والغدر والتي ستتسع فيما بعد فتدفعه للإيمان بنظرية المؤامرة الشهيرة :« كلنا في الهم شرقاوي.. نفس الموال الحزين.. سواء الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر.. واللا الحادثة اللي جرت على سبع شرقاوي.. موال الغدر والخيانة..» وعندما يقابله المفتش بعد سجنه بفترة يخبره بأن كل شيء تحطم ولم يعد له إلا العودة إلا مصر والبحث عما يريده الأمريكان وهو عين مايريده”أبو الفرج ” لذلك فإنه يسارع بالقبول:« أوكي… وأنا قبلت المهمة..».

في مصر أم العجائب والمدهشات، يعمل أستاذ الأدب العربي أستاذًا للأدب الإنجليزي بمرتب معيد وينساق “أبو الفرج ” لقانون العشوائيات الخفي والسائد، منتظرًا الفرج الذي لا يجيء :«قلت موش مهم أدب عربي أدب إنجليزي.. أهو كله أدب..» لكن المهمة لم تكن سهلة كما توقع، ولم يأت الأخوان كي يعرف منهما ما تريد أمريكا، وإنما عاش مع زوجتي أخويه في جحيم لا يطاق فهو لا يعرف من يخاطب لأنهما منقبتان، وهما دائمتا التدخل في حياته، مما يدفعه إلى الثورة فيقول:« يا ولية حرام عليك دا مرتكب الكبيرة موش كافر… تقومي تكفريني عشان كشف الشعر ..حسبي الله ونعم الوكيل فيكم..» ولا يستطيع “أبو الفرج ” الإجابة على أحد الأسئلة التي كانت تؤرقه؛ وهو كيف يقتل إنسان نفسه؟! إلا حين يجد ابنه يفعل كل ما يأمره به أميره حتى ولوكان قتل أبيه:« لا سمح الله يا بني أنا أقدر أغلط في الأمير بتاعك… هو أنا مستغني عن نفسي… دلوقت بس أنا وصلت لإجابة سؤال مهم من الأسئلة الصعبة في هذا العالم ..لو الأمير طلب من ابنك يركب طيارة بوينج وأمره بضرب مركز التجارة العالمي..حا يروح يضربه بدون تردد..» وتجيء اللحظة التي انتظرها “أبو الفرج “؛ إذ يأتي أخواه من الخارج متنكرين وبأسماء مستعارة وبجوازات سفر مزورة ولا يجد “أبو الفرج” إلا إعلان العجز أمام أخويه اللذين يعتذران له عما حدث ، ويخبرانه أن طريقه غير طريقهما فهو مثقف ومفكر ومؤمن بمبادئ العقل والتنوير والديمقراطية كما أنهما شاءا أن يبعداه عن الشر، كما سيبعدان ابنه لأنه مازال صغيرًا ويستطيع العودة، أما هما فقد تورطا حتى النخاع، ولكن “أبو الفرج ” الدكتور المستنير الذي رأى في “أمريكا” كل ما حلم به يهاجم وبقسوة وعاين بعينه الكابوس الكبير:« شوهتوا صورتنا وشنعتوا علينا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش لحد ما أصبحت كلمة المسلم معناها إرهابي.. موش ده نتيجة عمايلكم يا مجاهدين يابتوع الدين..» وعندما يتحدث معه الأخوان حديث الصراحة والوداع يكتشف الوجه المرعب والحقيقي للأمر فـ”أمريكا” أرادت الجماعات الإسلامية للقضاء على الشيوعية والنظم الوطنية التي ترفع شعار الاشتراكية وتعادي الغول الأمريكي، وأوهمت هذه الجماعات أنها سترجع نظام الخلافة للعالم الإسلامي، وستجعلهم هم الخلفاء في الأرض؛ وعندما أخذت أمريكا ما تريد من هذه الجماعات لم تعطها ما وعدت؛ فانفجرت هذه الجماعات فيها بما يدفع “أبو الفرج ” إلى تحذير أخويه :« موش انا اللي باقول أمريكا اللي صنعتكم ونفخت فيكم وضخمتكم وقالت عليكم مجاهدين .. هي دلوقتي اللي بتقول عليكم إرهابيين ومطلوبين للعقاب..» وعندما يرسل “أبو الفرج ” إلى “جونسون” بما حدث وبالتهديدات التي سمعها منهما يرد عليه “جونسون” بأن أمريكا قادرة على صرف العفريت/ الإرهاب وقتما تشاء، وكيفما تشاء مما يبلور نظرية “أبو الفرج ” التي اكتسبها من لظى التجربة ومرارتها :« الإرهاب ده اللي خلقته أمريكا عشان تستثمره موش عشان تقضي عليه… الحقيقة هو صراع أصوليات .. ودي لعبة أمريكا المفضلة .. الصراع مع إسرائيل حولته لصراع بين الإسلام والسامية.. أمريكا بتستخدم أدنأ الوسائل..» وتكون القناعة الكاملة عند “أبو الفرج “؛ إن أمريكا حرضت والجماعات نفذت وكلاهما مخطئ، أما هو وعائلته ومن مثلهم فلهم أن يعيشوا في سلام ومحبة، وعليهم أن يتجمعوا للحصول على حقوقهم لمحاسبة أمريكا/الشيطان :« هي دي لعبة الشيطان .. لعبة الانجذاب والانشطار .. اللعبة اللي صنعتها أمريكا وبتعاقبنا عليها.. مع إنها هي اللي تستاهل الحساب والعقاب..» وهو يرى أن هذا الحساب ممكن إذا تضافرت الجهود الإنسانية :« كل واحد فينا يرفع قضية موش حا تكلفه حاجة.. يبعتها بالبريد .. في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والانترنت ..وبكده نقدر ندافع عن نفسنا ونحاكم اللي صنعوا المشكلة قبل ما ياخدونا بالصوت ويحاكمونا ويلبسونا تهمة بالباطل وياخدونافي الرجلين وغرقونا في الطوفان .. كده ولا أنا غلطان..».

“جونسون الأمريكي”

عضو نشط في المجلس المحلي في الولاية عن منطقة مانهاتن التي وقع فيها حادث سبتمبر، وهو أحد الأعضاء النشطين في الدفاع عن العرب في فلسطين، لكنه بعد سبتمبر تتغير وجهة نظره تمامًا ليتبنى نظرية صراع الحضارات، ويجعل الكتاب الذي يحمل ذات الاسم هو الكتاب المقدس للتعامل مع العرب :« أنا ماكنتش قريت كتاب هنتنجتون لأني كنت بأرفض نظرية صراع الحضارات بتاعته.. لكن لما قريته بعد حداشر سبتمبر أدركت قد إيه الارهاب مكون رئيسي من مكونات المجتمعات العربية والاسلامية ..» ولذلك فهو يرى في العرب عدوًا يجب القضاء عليه، أو البعد عنه، ويندم على سماحه لابنته بالزواج من عربي، حتى لو لم يظهر منه خطر :« أنا فقت وعرفت الحقيقة المرة وباندم إني جوزتك بنتي الوحيدة ليزا..» لذلك فإنه يرى أن الحل الوحيد هو أن يطلق “أبو الفرج ” ابنته “ليزا”.

وهذه الشخصية تحمل عدة أبعاد مهمة هي في الأساس – في رأيي- من مقومات الشخصية الأمريكية منها: الميكافيلية، فهو يصحب مفتشًا من الإف بي آي لإجبار “أبو الفرج ” على التطليق، بل يتعدى الأمر ذلك حين يهدد المفتش ذاته بتصعيد الموضوع، بعدٌ ثانٍ: الإفادة من كل الظروف للوصول إلى مايريد، فهو يدافع عن العرب في فلسطين عن حقوق الإنسان؛ من أجل أصوات الناخبين، لكنه يغير اتجاهه بالكامل عندما يرى مصلحته في اتجاه مضاد :« عاوزني أدافع عن الفلسطينين اللي بيعملوا العمليات الإرهابية الانتحارية ضد إسرائيل بنفس الطريقة اللي اتعملت معانا في مركز التجارة العالمي..» ، بعدٌ ثالث: قراءة ثقافة الغير قراءة نفعية، فحين يتعجب “أبو الفرج ” من تراجع “جونسون” عن قناعته بخيرية العرب و مسالمتهم، يرد عليه”جونسون” بمثال من الثقافة العربية :« توفيق الحكيم بتاعك اللي انت معجب بيه وخلليتني اقراه، كتب عودة الوعي بعد أكثر من عشرين سنة تأييده للثورة وقال إنه فاق ورجع للحقيقة.. أنا كمان فقت و رجعت للحقيقة زيه..» بعد رابع يجسده “جونسون”؛ وهو الابتزاز وانتهاز الفرص، فلا بد من أحد يدفع الفاتورة، ولا أحد أقدر على ذلك من العرب :« أنا متأكد إن اللي حصل وراه مخطط ارهابي بتموله دول زي دول الخليج..» وبمرور الأحداث يتبين أن ” جونسون” أمريكي بامتياز فحين ينقل “أبو الفرج” ما قاله أخواه وتهديدهما يرد ” جونسون” في خطابه ردًا صريحًا :« احنا اللي خرجنا العفريت، ونقدر نصرفه .. بس مش عايزين..».

نظرة طائر

قدم النص رؤية شاملة لعالم الإرهاب، مبينًا جذوره الفكرية، وطرق تمويله، ونوعية أعضائه، وأهدافه، وعلاقاته المشبوهة بالدول الخارجية، بل إن ما يحسب للنص أنه بالرغم من قدرته على رسم الإرهاب وكشف أذرعه المتعددة في العالم والتي تضرب الآمنين في كل مكان؛ أقول يحسب له القدرة على وضع يده على تعليق الجرس، أعني على صناع الإرهاب بوضوح فيقول

“أبو الفرج” :« فاكره نظرية الشيطان اللي قلت لك عليها .. الشيطان دايمًا بيحرض على الشر .. والأشرار هما اللي بينفذوه.. ..» كما يستطيع النص تقسيم العالم إلى قسمين؛ مذنبين وأبرياء ولهؤلاء الأبرياء الحق ليس فقط في البراءة وعدم الملاحقة، بل وفي البحث عن حقوقهم كضحايا :« احنا ضحية الطرفين.. ضحية الشيطان وضحية اللي باعوا نفسهم للشيطان..» ولكي تكتمل رؤية العالم بالنسبة للنص فإنه يحاول فتح طاقة ضوء في الجدار المعتم، إذ أنه يجمع شمل الأسرة وقد اكتسبت وقاية خاصة ومعرفة قوية بالحقيقة (فمن ذاق عرف ، ومن اكتوى التوى) يقول الطبيب:« انت يا دكتور أبو الفرج ومراتك بصبركم وثباتكم على مبادئكم حققتوا المثل الأعلى والقدوة الحسنة قدام ولادكم اللي تاهوا في الطريق ووجدوا فيكم شط الأمان..»، ويطرح الكاتب فكرة تخليص العالم من شروره وذلك من خلال السعي بشتى الطرق لمحاسبة المسئولين، رعاة الإرهاب في أمريكا وغيرها من الدول فيقول “أبو الفرج” :« كل دول ببساطة يقدروا يرفعوا دعوة قضائية ضد المسئولين الأمريكان في السي آي إيه والبنتاجون.. يطلبوا تقديمهم للمحاكمة لتهمة تشجيع الإرهاب وتربية كوادر تنظيم القاعدة…».

وفق النص إذًا في التعامل مع هذه القضية الكونية المتشعبة المتشابكة، وفي القدرة على الإحاطة بكل أطرافها وبالرغم من طول الحوار في بعض المناطق مثل حوار الإخوة فإن هذا الطول لم يدفع إلى الملل بل زاد من درجة التوتر في النص ليس من خلال مضمونه فحسب، وإنما في إيقاع الحوار المتأرجح كبندول الساعة دون رتابة البندول.

الثقافة هي الحل

كما أن النص قدم طريقة الوقاية من التورط الفكري في الإرهاب، فحين يتساءل “أبو الفرج” عن سر عدم قيام إخوته بجذبه معهم في هذا الوحل، يجيبان عليه بأن طريقه غير طريقهما، فهو رجل ذو فكر وثقافة ومبادئ ومثل عليا، وحين يتعجب الطبيب من سهولة سقوط “مروة” بنت “أبو الفرج” فيما دبر لها برغم ثقافتها، يصحح له “أبو الفرج” الوضع قائلًا: إن ابنته متعلمة وليست مثقفة.

كلمة أخيرة

لا أملك في النهاية إلا أن أعبر عن عميق شكري لهذا النص الذي قدر على صياغة دراما كونية متقنة الصنع، يحاول فيها الأبرياء الضحايا الدفاع عن أنفسهم، وعن عالمهم الذي شوهه الجناة القضاة الذين يحاولون أن يكونوا قدرًا لا فكاك منه؛ وأن أسأل كاتبه إذا كنا طلبنا من “طه حسين” أن يكتب ما بعد “الأيام” وإذا كنا قد طلبنا من توفيق الحكيم أن يكتب ما بعد عودة الوعي، فنحن نطلب منك لنا أن تكمل لنا ما بعد “الحادثة اللي جرت في شهر سبتمبر”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا