منامات بونوا | وكاد الشاعر أن يكون نبيًّا (3)

0
علي بونوا
مترجم وكاتب مغربي

في ليلة مقمرة أربع عشرية، كان مزاجها شعرًا، يغزو سكونها أريجٌ عبقي ينبع من ثنايا كتاب أدبي قديم كنت أطالعه. وأنا على شرفة النوم، حملتني باكورة أحلامي على بساط ريح ثنائي اللون تتوسطه لوحة سريالية لم أنتبه لتوقيع مُشَكِّلِها، فَأَسْرَتْ بي إلى مكان شديد الغرابة كأني بها حديقة عمومية محاطة بأسوار عالية شيدت بأكوام مكومة من أوراق روايات ألصق بعضها على بعض. إنها حديقة غريبة الأسوار لا يُدرَى من أين يولج إليها، أثارت فضولي فظللت أحوم حولها حتى لمحت علامة تشوير كتب عليها: “مسرى النوابل الهسبان”.

تراءى لي خلف اللافتة مدخل كأنه دفتا كتاب يكاد عنوانه لا يُقرأ إلا عن قرب. اقتربت وقرأت: “متاهة العزلة” وكلما توغلت وجدت بابا آخر كأنني في متاهة حقيقة لا متناهية البوابات والردهات. وها هو الآن باب جديد ينفتح أمامي من تلقاء نفسه كُتب عليه: “مائة عام من العزلة”. بعد خطوات قليلة أجدني أمام بوابتين يظهر أن طرازهما عصري حديث -عكس سابقاتهما- مع تفاوت في حداثتهما. بينما كنت أبحث عن عنوانيهما ظهر بينهما رجل ثمانيني تلمع في نحره قلادة نوبل.

سألني ماذا أختار: “الزوايا الخمس” أم “حرب نهاية العالم”؟ فقلت: لا داعي للإختيار فقد عرفتك يا رجل، ماريو ومن لا يقرأه. سيدي فارغاس، أرجوك أخبرني أين أنا وماذا أفعل هنا؟ أمسك بيدي كمن سيعبر الطريق بأعمى وفتح البابين فإذا بهما دفتان لبوابة واحدة وقال لي: (فلتقل أدبًا أو لتصمت. أنت لست في الجنة بعد، “الجنة في الزاوية الأخرى”).

ما إن ولجت إلى الداخل حتى سمعت صوت خوليو أبو إنريكي إغليسياس يغني أغنية “الحالمون الإسبان”:

عبر البحر / يذهبون في مراكب من زبد / هؤلاء المكتشفون / حالمون..

عبر البحر / يذهبون نحو أمريكا / ليمنحوها ربا ونورا واسما / حالمون..

أزرق بيكاسو / وأنوار الرسامين اللامتناهين / حالمون..

صوت دماء لوركا / ممزقةً إلى أشلاء / حالمون..

إيمان القديسة تيريسا / وإيمان الدون كيشوت / حالمون، حالمون..

في هاته الأثناء يمر بجانبي خوسيه كاميلو ثيلا مرفوقا بغارسيا ماركيز إذ يقول له فيما سمعت مما دار بينهما: ..وهل “بوب” أفضل من “خوليو” يا غابو؟ فيرد عليه ماركيز: كلا يا سيد كاميلو، الطرب في واد والأدب في واد، وهما واديان يصبان العبث في ستوكهولم. كل ما في الأمر أن السويديين يفقهون لسان شيكسبير أكثر من لسان ثيرفانتيس.

وجاء خوسيه إتشيغاراي يتبعه خاثينتو بينابنتي وهما يمشيان، في مشهد درامي، وراء ممثلين مسرحيين هزليين بثياب بالية على نمط شارلي شابلين، جل حديثهم عن الموت في جمل لا أفعال فيها من قبيل: الموت بعدم الاستيقاظ، في أحضان الموت، الموت في الشفاه، صمت الموت؛ ما وراء الموت.. ولما انتبهوا لوجودي بالحديقة بدأوا ينصرفون الواحد تلو الآخر.

وبقي إتشيغاراي لوحده فاقتربت منه وبادرته بالتحية وسألته: يا قيدوم النوابل الهسبان، إحدى عشرة ميدالية من ذهب نوبل، كانت أولاها من نصيبك وآخرها رأيتها لتوي على صدر ماريو فارغاس يوسا.. هل هذا كل ما يستحقه الأدب الهسباني في سباق الحروف العالمي؟ تأملني مليا ثم قال: ليس كل ما يلمع ذهبا وليس كل ما يقرأ أدبا.. تمنيت لو يمنحون نوبل للقراء بدل الكتاب، فهم أولى بها منا!

استدرت لأرى أينني من حديقة النوابل العجيبة هاته فلمحت رجلا لاتيني الملامح، أزتيكي السحنة، يلبس قبعة مكسيكية، على منوال المرياتشي، يتقدم نحوي ويبادرني بالسلام بلسان إسباني فصيح وقال: (أنا صاحب “متاهة العزلة” الذي كتب “لن يمروا”.. وإني أُمِرْتُ أن أدعك تمر وأدعوك للزاوية السرية من هذه الحديقة المتاهة. إنها واحة ظَلَّ يسقيها الشعراء النوابل الستة بفيض مشاعرهم منذ قرن ونيف وينثرون في بيدائها بذور الحياة حتى لا يموت الشعر في قفار زمان عجز أن يجود بمثلهم).

إنه أوكتافيو باث جاء يدلني بنفسه على المجلس السري لنوابل شعراء الهسبان داخل متاهة حدائق الأدب. كم أتوق لرؤيتهم ومجالستهم وسماع حديثهم! لكن أوكتافيو شرط عليَّ شرطا غريبا غرابة هذه الحديقة السرية نفسها.. قال أنني لا أستطيع أن أجمع بين أهل الشعر وبين أهل النثر في منامة واحدة حتى لو اجتمع الشعر والنثر في أنفسهم هم. وطلب مني أن أعود في مرة قادمة وسيرشدني بنفسه إلى هنا مجددا، خصوصا، أنه خبير متاهات.. قبلت الشرط دون تردد وهكذا ضُرب لي موعد قريب مع الشعر بلغة ثيرفانتيس في ست من أعلى قممه الشوامخ سأتسلق معراجها، لا محالة، في منامة آتية لا ريب فيها.

.. يتبع

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا