ابن الرومية (قصة قصيرة)

0

لا تنشر هذا على الناس، أخشى أن تظن بنا الظنون، يكفينا ما مررنا به من محن، وما عانيناه من آلام، نحن نتهرب من ذواتنا، نتخفى وراء جدار يحجبنا عن أعين المتطفلين، هذه الكلمات وأنا أستعيد ذكرياتي منقوشة في تلافيف عقلي، يحلو للمرء أن يسرد أحداث عمره بينما هو متكئ على وسادته، هذه واحدة أما الأخرى فأنا مصاب بتخمة لا مثيل لها من الحكايات التي مضى عليها زمن طويل، وجب التخلص من أكثرها فما عادت بي طاقة لحمل هذا التل، قرأت أن الوثائق السرية للدول العظمى تنشر بعد عقد أو عقدين، لا أستطيع إخفاء هذا كله، انتابتني حمى البوح، هذه امرأة كانت دميمة ووضعت الأصباغ فبدت في عين رجلها فاتنة، وتلك كانت ذات لسان طويل فأخفت زائدتها الدودية فرآها من أوقعه حظه العاثر في طريقها، هذا هين أما ما أوصتني به فوجب أن تعرفوه، أنا لست ابن هذا الرجل الذي يلي اسمي، ترونني أشقر الوجه، أصفر الشعر، كانت تصر أنني ولده، تعلل ذلك أن البطن قلاب، كنت أسخر من هذه المقولة، إخوتي ذوو ملامح متماثلة إلا أنا فهجين، بدأ الأطفال يطلقون علي “ابن الرومية”!

حين درست في المرحلة الثانوية بيت ابن الرومي: ولي وطن…..

ساعتها نما لدي شعور غريب بأنني أنتمي إليه، كنت أتتبع أخباره، الفتيات كن ينفرن مني ؛ أنا أشبه بهن!

ترى من أكون؟

بحثت في كل الوثائق التي وقعت تحت يدي، عدت إليها مجددًا، حاولت أن تتهرب من أسئلتي، اكتفيت بأن أجمع نتفًا مما يتساقط منها، أخيرًا عرفت من أكون؛ أنتمي لهذه البلاد التي تهرأت عقولها، ضمرت أحلامها، من طينة هذه الأرض، جيء بي إلى هنا حيث النهر الذي يروي العطشى، يعطي للإنسان وثيقة نسب يصعب محوها!

لم تعد بي حاجة لشهادة نسب، يكفي أنني درجت فوق هذه الرمال، إنه شعور يصعب وصفه، لكنهم هذه الأيام يبالغون في طرق إثبات الهوية، يطلبون منك أن تكون مهرجا فوق خشبة المسرح، غير معقول أن تنتهي بي مسيرتي لمثل هذا العته، آن لي أن ألوذ بركن بيت جدي، بالتأكيد انتهى زمن المعجزات، هنا يصبح للمكان أهمية تفوق كنوز الدنيا.

لكن من أكون؟

عدت لتلك الفجوة التي ترهق ذهني، سأكتفي بلقب ابن الرومية، إنه يجعلني أشعر بزهو لا مثيل له، حين يصدمك الآخرون عليك أن تحتمي بأية حيلة دفاعية!

أجدت اللغة، رسمت بحروفها لوحة بديعة، صرت ماهرا في التعبير، حاولوا معي بكل الطرق المعوجة لأثبت أنهم أجدر بالوجاهة، صعب علي أن تنتهي بي الحال لأن أكون بوقا، كانوا سيعطونني وثيقة انتماء، أصبت بالغثيان؛ فهل يعقل أن يكون الوطن مجرد ورقة حتى ولو كانت من ذهب، استعدت كلماتها، امتثلت لنصائحها، الآن أشعر بأنني تعافيت من متلازمة الهوية، المشكلة التي تؤرقني؛ بم أجيب صغاري حين يسألونني عن جدهم؟

يحلو لهم أن يستمعوا لنتف من سيرته، يتفاخر الأطفال بحكاية أجدادهم الذين قهروا الذئاب، أما أن يعلموا أن أباهم ابن رومية فهذا ما لا يمكن تصديقه.

هل تدل الوثائق المختزنة في دار المحفوظات صغاري على سلالتي المغرقة في تجاويف الكتب الصفراء؟

ليكن ذلك بعد حين.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا