منبت الأحرار (قصة قصيرة)

0
أحمد هيهات
كاتب مغربي

كانت آخر عبارة سمعها هي “لا يحصل على الوظيفة في بلدي إلا المدعوم بسند قوي أو الراشي اللبيب أو العضو في الحزب الحاكم وأقرباؤه” قبل أن يتغير طعم الشاي المعتاد فأصبح سمجا كمذاق السياسة في البلدان العربية ومذاق المهانة في الدول الديمقراطية، وذلك عندما تذكر حسن المدرسة التي كان يحبها كثيرا ولكنه كان يكرهها أكثر في الوقت نفسه، وفي دواخله يتعايش شعوران متناقضان متناكفان في انسجام وتنافر، فهو يحب المدرسة لأنها تخلصه من أعمال الحقل الصعبة والاهتمام ببهائم الحظيرة الصغيرة، ولأن المدرسة تمكنه من اقتناص لحظات من اللعب الممتع مع الأقران، كما تفتح له أبواب التعرف على أنواع جديدة من أكل الحاضرة، والذي لا يمكنه أن يراه ويتذوقه إلا في مطعم المدرسة.

وفي مقابل ذلك كان يكره المدرسة لأن بعض المدرسين يقهرونه ويهينونه، وبعض الأقران يسخرون من ملابسه القديمة المرقّعة المهترئة، ومن رائحتها غير الزكية التي تلسع الأنوف وتزكمها بقوتها، وتؤذي الأبصار بلون تكدّس الأوساخ على سترته الصيفية الشتوية يشبه مروحة بدائية معلقة في سقف غرفة مرتفع وقد تلطخت أذرعها الأربعة ببراز الذباب الداكن، وذلك لأنه يضطر يوميا إلى إمساك النعجات الثلاث قصد تثبيتها وإعاقة حركتها بشكل كامل حتى تستطيع أمه حلبها وجمع ما تجود به ضروعها الضامرة.

كان كلما صادف دخوله وجود حارس المدرسة المتكبر النافذ، طلب منه هذا الأخير أن يصعد إلى المصطبة-المنصة المنصوبة وسط ساحة المدرسة الفسيحة ويردد النشيد الوطني الذي لا يكاد يحفظ منه إلا منبت الأحرار مشرق الأنوار فغمغمة طويلة، ثم بشعار الله، الوطن، الملك، وقبل ذلك كان يطلب منه أن يقف وقفة الجندي ويلقي التحية العسكرية، فكانت حبات العرق تنضح من جسمه الصغير وكأنه يُعصر، ولكن حارس المدرسة المنتشي بنصره الدونكشوتي لا يتركه لحاله حتى يرضي غروره الذي يخبر عن قهر دفين، وضحك هستيري لا يكاد يملك معه أن ينتصب واقفا مما يحيل إلى خبث وتسلط ظاهر.

وحسن الولد المسكين يحاول عبثا طرد دمعة عصية متحجرة تسد مجرى باقي الدموع، محاولا التخلص من النظرات الساخرة للأقران الشامتين، واستعادة رباطة جأشه، ولكنه عبثا يحاول جمعها وكأنها لغز مهشم أو حلم هارب.

يدخل حسن بعد ذلك غرفة الدرس وروحه مبددة ضائعة بين حلم المدرسة الوردي البديل عن المنزل الكئيب وأعمال الحقل المرهقة، والحقيقة المرة الجارحة المتمثلة في سخرية الأقران وتجبر الكبار وطغيانهم، فيمضي مدة الحصة الطويلة متوقفا عن ممارسة الحياة خوفا من شوط جديد من المهانة والإذلال وامتهان الكرامة من قبل المدرس النيروني الذي ما إن دخل الفصل واستوى جالسا على كرسيه الخشبي المهترئ حتى طلب من حسن – على غير العادة – أن يقبل إلى السبورة، وبعد تردد وحوار داخليين قام حسن مثقل الخطى وكأن قدميه قد شُدَّتا بعروة وثقى إلى جبلي ثور وأبي قبيس.

لم يلبث الأستاذ المستعجل إلا قليلا حتى رشق التلميذ المتثاقل ببيضة من السلة التي يجمعها له التلميذان المجتهدان منذ الصباح الباكر كل أربعاء بثمن أرخص من المعتاد لأنها موجهة إلى الأستاذ، أصابت البيضة رأس المسكين حسن، وبدأ السائل اللزج ذي اللونين الأبيض والأصفر الداكنين ينزل ببطء شديد على أكتاف الولد، وعلق بشعيرات قليلة ملتصقة بخيط من العرق الأسود يلون حافة ياقة قميص حسن الذي تسمر كتمثال في مكانه منتظرا المفاجأة الموالية من الأستاذ المسن الذي شوه وجهه البرص، والذي اعتاد التدريس بهذه الغرفة المنعزلة التي تفوح منها رائحة السنين، وأطياف التلاميذ المهانين، وتحت ملامح حسن الجامدة احتشدت قشعريرة غضب حارق تحت جلده عكرت بشكل تدريجي صفو ملامحه واستقرارها.

فكر حسن للحظة أن يثور ويغضب ويعبر عن رفضه للظلم والقهر، ولكنه خاف الطرد من هذه الجنة التي يشوبها بعض العذاب المهين إلى نار جهنم الحامية التي لا ينقص من لهيبها إلا وجود الأم الحانية، فيكون كأبي ذر الذي تآكلت خلاياه بحلم لم يتحقق قاده إلى العقاب والمنفى إلى الربذة.

ومن أجل استئناف الفرجة والمتعة ارتأى المسن السادي تحرير حسن وانتخاب ضحية جديدة أكثر إمتاعا، فعاد حسن إلى مقعده وبدأت أساريره تصفو كما لو أن شمسا دافئة أشرقت على شاطئ القلب بعد أيام ماطرة باردة، ورغم أن الغضب واليأس قد أكلا كبده وامتلأ فمه بمرارة المذلة والهزيمة إلا أن هذا الشعور سرعان ما اختفى كخيط دخان يتصاعد إلى السماء البعيدة.

رغم هذا الماضي التعيس إلا أن للذكريات العتيقة غالبا رائحة عذبة كرائحة التراب الظامئ بلله المطر، ورغم أن نزيف القلب ليس كنزيف الحبر إلا أن حسن اليوم يعانق حياة رغيدة غزلانية القد ملساء الملمس حديثة العهد، كأن قمرا صيفيا انحنى أمامها ذات مساء حالم، وحسن يجلس الآن بمقهاه الذي امتلأ بأكواب القهوة الفارغة، وأقلام حربائية متلونة باعت كل شيء حتى نفسها، ولذلك كانت أمه تداوم على رشه بماء الورد وخلاصة الأزهار وبعض الأدعية المعتقة.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا