د. محمد عبدالمطلب: البنيوية حوّلت النص الأدبي إلى نص لقيط

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

هو الذي قال عنه الناقد السوري البارز الدكتور كمال أبو ديب: “مشكلة محمد عبدالمطلب في نقده، أن اسمه محمد عبدالمطلب، لو أن اسمه جون أو أوستين لكان أحد نقاد العالم”.

الدكتور محمد عبدالمطلب يمتلك حضورًا خاصًّا وإنتاجًا مميزًا حرص فيه على تجلية المناهج الحداثية الغربية للقارئ العربي مع تضفيرها بجذورها في التراث.

وقد تطرق حوارنا معه إلى العديد من قضايا النقد والإبداع والتعليم واللسان العربي والهوية، كما كشف عن أسرارٍ وخبايا لم يتم الكشف عنها من قبل.

– سألناه: كيف كان وقْع خبر حصولك على جائزة الملك فيصل العالمية (2016)؟ وهل ترى أن تقديرك والحفاوة بك خارج مصر كانت أكبر من الحفاوة بك في داخلها؟.

في الحقيقة، كان الاحتفاء من الداخل والخارج، لكن احتفاء الجائزة نفسه كان احتفاء خاصًّا، فقد أدخل الأمين العام لجائزة الملك فيصل الدكتور عبدالعزيز السبيّل عليها تعديلا مدهشًا، وهو أن الجائزة لم يعد يُحتفى بها فقط عند تسلم الجائزة في الاحتفال الأصلي بالرياض الذي كان مبهرًا في ظل حضور الملك سلمان وحضور كوكبة من مثقفي العالم العربي والعالم كله؛ بل امتد -وذلك للمرة الأولى- ليصبح ثلاثة تكريمات بخلاف هذا التكريم الأصلي. التكريم الأول لي أقاموه في القاهرة بالمجلس الأعلى للثقافة، وحضره الأمين العام للجائزة، وأعتقد أن المؤسسة تكفلت بكل نفقات الاحتفال. أما التكريم الثاني فأقيم في الأردن بالاتفاق مع مؤسسة “شومان”، وكان احتفالا مبهرًا أيضًا، حضره أئمة الثقافة في الأردن. ثم جاء التكريم الثالث في إمارة الشارقة منذ أيام قليلة، باتفاق مؤسسة الجائزة مع شخص أسميه “أمير الثقافة العربية” وهو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لأنه يُنفق ماله على الثقافة العربية عمومًا، والشعر العربي خصوصًا، وقد حصلتُ على الجائزة في الشعر، وهذا الرجل ينشئ الآن في العالم العربي ألف بيت للشعر على نفقته الخاصة، فكانت سعادتي بهذا الاحتفاء كبيرة، لأن الجائزة جاءتني في جهود نقد الشعر، واحتفى بي أمير يرعى الشعر الآن.

فهذا التطوير الذي حدث للجائزة، جعل الاحتفال بها احتفالا ممتدًّا، ولا أدري لربما تكون هناك تكريمات أخرى لم يبلغوني بها.

أيضًا سعادتي بالجائزة كانت لعدة أسباب؛ أولا لأنها جاءت من الأرض المقدسة، والأرض المقدسة لها مكانة خاصة عندي. وثانيًا لأنها تحمل اسم (الملك فيصل)، وهو رجل من أعظم رجالات الأمة العربية. وثالثًا لأنها جاءتني في الشعر الذي صرفت نصف عمري في محبته وفي الحديث عنه. لقد كنت أتمنى أن أكون شاعرًا، لكني لا أمتلك موهبة الشعر، واستعضت عن ذلك بدراسة الشعر، فلي ثلاثة عشر كتابًا في دراسة الشعر العربي، وكانت من الأسباب التي مُنِحْتُ عنها الجائزة. ذكروا لي أن هناك كتابين هما سبب هذا المنح؛ الأول “قراءة ثانية في شعر امرئ القيس”، والثاني كتاب ” شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة”، وأكدوا “كأنك تابعت الشعر العربي منذ نشأته إلى منتهاه”.

لكل هذه الأسباب كانت للجائزة في نفسي مكانة خاصة، وسعدت بها سعادة خاصة. وللعلم فقد حصلت من قبل على عدة جوائز عربية وفرنسية، لكن جائزة الملك فيصل كان لها وقع خاص.

أيضًا أظن أنني في أعماقي كنت أتمنى الحصول على هذه الجائزة، لأن قسم اللغة العربية بآداب عين شمس كان له السبق في هذه الجائزة، فقد حصل عليها من قبل شيخنا الدكتور عبدالقادر القط، وحصل عليها الناقد الإنسان الدكتور عز الدين إسماعيل، وحصل عليها الناقد العظيم مصطفى ناصف، فكنت أنا رابعهم. وهذه ظاهرة لم تحدث في أي قسم من أقسام اللغة العربية في العالم العربي، حيث أربعة أعضاء من قسم واحد يحصلون على هذه الجائزة العالمية.

تشكيل فكر الناقد.. البدايات والعلامات

– لنعد الآن إلى البدايات المبكرة.. في حياة كل مثقف ومفكر وأديب بدايات بلورت فكره وشكّلت ثقافته.. ما العوامل والقراءات التي شكلت فكر الشاب محمد عبدالمطلب ثم الناقد الكبير فيما بعد؟

الإجابة ستكون غريبةً بعض الشيء. بداياتي لم تكن في الأدب ولا في النقد، بل كانت مع فن الرسم والتربية الرياضية وذلك في مدينتي المنصورة التي نشأت فيها. كنت ألعب كرة السلة، وعضوًا في نادي مدينة المنصورة (أكبر وأشهر نادٍ وقتها)، وقد واصلتْ هذه اللعبة معي إلى الجامعة. لكني تركت الفن –فن الرسم- بعد أن غادرت المنصورة، وكان الذي يرعاني في هذا المجال الفنان الكبير بهجت عثمان، أشهر فنان في “روز اليوسف” وقتها في الكاريكاتير. فبعد أن رحلت إلى القاهرة للدراسة بالجامعة لم أُمارس هذا الفن.

بعد أن دخلت دار العلوم، وبدأت علاقتي بالثقافة العربية القديمة والحديثة، أخذت أعدل مسار حياتي. نعم ظلت الرياضة موجودة وأنا في الجامعة، وبدأ الرسم ينقرض، لكنه ظل معي بدرجة لم تَحُلْ بيني وبين العلم والثقافة.

وأنا في الكلية دخلت مسابقتين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وفزت فيهما. المسابقة الأولى كانت حول صلح الحديبية، وقدمت فيها بحثًا، وفاز بالجائزة الأولى، وبالمناسبة كانت قيمة الجائزة في ذلك الوقت (سنة 1962م) خمسين جنيهًا، وهذا المبلغ كان أشبه بالثروة في ذلك الزمن. وفي العام التالي، اشتركت في المسابقة أيضًا، وكان الموضوع هو النظام الاقتصادي في الإسلام، وفزت بالجائزة أيضًا، وكانت خمسين جنيهًا كذلك. بحث “صلح الحديبية” لم يُطبع، لكن “النظام الاقتصادي في الإسلام” طبع في كتيب صغير. فكانت هذه هي البداية التي جعلتني أتجه إلى القراءة.

في كلية دار العلوم أيضًا كان هناك الدكتور حفني شرف، رحمه الله، وكانت بيني وبينه صداقة عميقة جدًّا، وحرضني على الالتحاق بالدراسات العليا في البلاغة العربية التي أحببتها، وفعلا سجلت معه الماجستير في البلاغة العربية، لكن توفاه الله، فأكمل الإشراف عليَّ أستاذي الدكتور محمود الربيعي، وكان مِن مناقشيّ الدكتور إبراهيم عبدالرحمن، وكان رئيس قسم اللغة العربية بآداب عين شمس، فناقشني في الماجستير، وبعد ذلك نصحني بأن أبدأ تسجيل الدكتوراه معه حتى أجمع بين الثقافة العربية الأصيلة والدراسات الحديثة، وأخذني معه إلى آداب عين شمس، وسجلت الدكتوراه، ثم حصلت عليها، ثم عُينت في آداب عين شمس (سنة 1978م).

ثم بدأ لقائي مع شخصية عظيمة جدًّا، الدكتور عز الدين إسماعيل، رحمه الله، ولا أنسى أنه قال لي بعد أن حصلت على الدكتوراه في البلاغة والنقد القديم: هل ستظل في الكلية تُدرِّس الاستعارة والتشبيه والكناية، فقلت له: نعم.. هذا تخصصي، فرد عليّ: هناك علوم جديدة وانفتاح جديد على البلاغة الجديدة، إذا أردت أن تكون صاحب مكانة علمية فانفتح على هذه القراءات. ثم نصحني بالانفتاح على علم الأسلوبية، وأعطاني كتاب الدكتور عبدالسلام المسدّي. فقلت له: هذا العلم نبهنا إليه أستاذنا الدكتور محمد محمد غنيمي هلال، رحمه الله، ونحن في السنة الثالثة بالكلية، وقال لنا: هناك علم جديد عليكم أن تتنبهوا له، وأن تأخذوا طريقكم إليه، وهو الأسلوبية.

وفعلا انفتحتُ على الدرس الحديث، لكن ظل التراث عندي صاحب المكانة الأولى، وكان همي أن أُثبتَ أن في التراث ما يصلح لمواجهة التحولات الجديدة في الأدب والنقد. وبالفعل قدمت كتابًا من أوائل كتبي وهو “جدلية الإفراد والتركيب في النقد العربي القديم”، هذا الكتاب حاولت فيه أن أقدم التراث العربي مقرونًا ببعض الدراسات الحديثة عن الأسلوبية وعن النقد الحديث. لكن البلاغة كانت شاغلي أيضًا، وكانت هناك مقولة ترددت عن أن “البلاغة علم قد احترق”، أي لم تعد له صلاحية. وبعد أن قرأت الأسلوبيات والبنيويات والسيميائيات، ونظريات ومناهج الحداثة كلها؛ اكتشفت أنها هي البلاغة مع تغيير المصطلحات، فقدمت كتابي “بناء الأسلوب في شعر الحداثة”، وطبقت علم البديع الذي يقولون إنه علم متخلف على الشعر العربي الحديث كله، وحللته من خلال التقابل والمفارقة وكل أشكال البديع من تصريع وتجنيس وما إلى ذلك. وبالمناسبة، هو أحد الكتب التي كانت من أسباب فوزي بجائزة الملك فيصل، وأثبتُّ بهذا الكتاب أن البلاغة فيها ما يصلح لتناول النص الحديث، بل أثبتُّ أن كثيرًا من مصطلحات الحداثة ليست إلا تعديلا للمصطلح العربي القديم.

إذن كان طريقي إلى البلاغة هو الطريق الأول الذي قادني إلى الانفتاح على الحداثة، لكن كان أملي أن أكون شاعرًا، وأن أقول الشعر، فالشعر هو ديوان العرب، كما أكد ذلك ابن عباس. وكانت تُعقد في دار العلوم -في زماننا- ندوة شعرية كل خميس للطلبة ولبعض الضيوف، وكانت أشبه بحلبات الإبداع في الزمن الجاهلي كعكاظ وغيرها. أذكر أنه كان يحضر الأمسية الشعرية ما لا يقل عن ألف طالب وطالبة في المدرج الكبير بالمبنى القديم لكلية دار العلوم بحيّ المنيرة. أذكر أيضًا أن من أهم الطلبة الذين عُرفوا وقتها الدكتور محمد فتوح أحمد، كان نجم الشعر ونحن طلبة في الكلية، ولا أدري لم توقف عن قول الشعر. وكنت أحضر الأمسية، وأغار، ولما عجزت عن قول الشعر، اتجهت إلى دراسة الشعر، ودرسته في أصوله التراثية وفي تحولاته الجديدة، حتى إنني قدمت فيه أول كتاب في الثقافة العربية عن قصيدة النثر وعنوانه “النص المُشْكِل”، فما قُدِّم قبلي عنها كان مجرد ترجمات لسوزان بيرنار وغيرها. أذكر أن الناقد السوري كمال أبو ديب بعد أن قرأ الكتاب كتب في إحدى المجلات مقالا كبيرًا قال فيه نصًّا: “مشكلة محمد عبدالمطلب في نقده، أن اسمه محمد عبدالمطلب!، لو أن اسمه جون أو أوستين لكان أحد نقاد العالم”. فهذا الكتاب -حقيقة- أصَّل لقصيدة النثر، وأصَّل لتحولاتها، وتابعها في معظم شعرائها العرب والمصريين.

حول قصيدة النثر:

أشير هنا إلى أنني في الندوة التي أُقيمت في الشارقة لتكريمي، وكان موضوعها عن (سلطة الشعر)، سألني الشيخ القاسمي بعد نهاية المحاضرة وفَتْح باب الأسئلة، قائلا: وما موقفك من قصيدة النثر؟ فقلت له: في رأيي أن الناقد –أي ناقد- له ذوقان: ذوق خاص ملكه هو شخصيًّا، فأنا بذوقي الخاص -لو سألتني- يطربني المتنبي، ويشجيني البحتري، ويسحرني امرؤ القيس، هذا ذوقي الخاص. أما الذوق العام، فمهمة الناقد أن يقرأ كل ما يصدر من إبداع، وأن يوضحه، ويحلله، ويكشفه للقارئ، والقارئ هو الذي من حقه أن يقبل أو يرفض، فمهمتي أن أساعد القارئ في إصدار هذا القرار. فابتسم الشيخ القاسمي، وضحك، وقال: هذا نوع من الهروب من الإجابة، فقلت له: هذه هي حقيقتي، فأنا لي ذوقي الذي يجعلني أطرب للمتنبي، لكن مهمتي كناقد أن أتابع كل ما يصدر في العالم العربي، وأحلله.

وأنا من النقاد الذين لا يُصدرون أحكامًا. فلو اطلعت على كل كتبي النقدية فلن تجد أنني أصدر حُكمًا بالقيمة. إنما أساعد القارئ على أن يقول هذا نص جيد أو رديء. في رأيي أن أحكام القيمة تحول الناقد إلى شرطي أو قاضٍ، يحمل صك البراءة أو الاتهام. مهمتي أن أقود القارئ فحسب.

وقد قلت هذا الكلام للشيخ القاسمي، فابتسم.

لذا فإن موقفي من قصيدة النثر معروف، ومن كل التيارات. لقد تابعت الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر، والآن ظهر في الواقع الثقافي نوع جديد هو القصيدة الرقمية، ولعلي أكون أول من قدم عنها دراسة نُشرت في مجلة “دبي” الثقافية قبل أن تُغلق. وهذا النموذج نموذج جديد، فيه جزء مكتوب، وجزء من لوحات، وجزء بصوت الشاعر، وجزء بأرقام وليس بحروف، وتسمى القصيدة الرقمية، ولها مواقع تهتم بها على الإنترنت.

حتى هذا تابعته وكتبت عنه أيضًا، لأن الشعر –كما قلت- هو حبي الأول والأخير.

القراءة الثقافية ومسار النقد الأدبي:

– من خلال متابعة عنوانات الكتب التي ألفتها، ألاحظ شيئًا شديد الأهمية، هو مواكبتك للتيارات النقدية الحديثة، إذ لا يكاد يوجد تيار نقدي لم تضرب فيه بسهم، حتى النقد الثقافي قريب العهد في البيئة النقدية العربية لك فيه كتاب عنوانه “القراءة الثقافية”.. فكيف تتأتى لك هذه المتابعة، وكيف يتأتى لك الجمع بين التراث والحداثة في نقدك؟

أشرت في بداية الحوار إلى مرحلتين من مراحلي العلمية؛ الأولى هي مرحلة البلاغة العربية التي قدمت فيها ما يُثبت صلاحية البلاغة. ولي كتاب مهم أيضًا هو “البلاغة العربية.. قراءة أخرى”، وقد أثبتُّ في جهود هذه المرحلة صلاحيتها، ورددت فيها على التهم التي وُجِّهت إليها بأنها بلاغة جزئية، وبأنها بلاغة لا تعرف إلا إصدار القيمة، وبأنها بلاغة التقسيمات والتفريعات.. إلخ، كل هذا ناقشته، وأثبتُّ أن ما في البلاغة العربية هو في البلاغة الحديثة.

أما المسار الثالث فهو مسار النقد الأدبي، وقد تابعته منذ بداياته في الجاهلية إلى آخر تحولاته في “بعد ما بعد الحداثة”. فقد مر النقد الأدبي بمرحلة ما قبل الحداثة (وهي: الكلاسيكية، والرومانسية، والواقعية)، ثم مرحلة الحداثة (البنيوية، والأسلوبية)، ثم مرحلة ما بعد الحداثة (التفكيكية، والسيميولوجية)، ثم هناك الآن مرحلة جديدة ظهرت في أمريكا منذ ثلاثين عامًا تقريبًا وهي “بعد ما بعد الحداثة”، وأنا أول من كتب عنها بمجلة “الأزهر” في مقالي الشهري بها، وفيه كشفت أسباب اهتمامي بهذا الاتجاه الجديد. فإذا كانت “الحداثة” قامت على أساس القطيعة مع التراث، ثم جاءت “ما بعد الحداثة” لتقول بالخلاص من التراث، وأقوال النقاد في هذا السبيل موجودة ومطروحة وناقشتها؛ فإن “بعد ما بعد الحداثة” تقول بـ”الانعكاس”، وهو أمر مدهش، فكل جديد هو انعكاس للقديم حتى وإن كان مضادًّا له، فالجديد امتداد للقديم وإن كان مغايرًا له. وكانت أول محاضرة لي بعد حصولي على جائزة الملك فيصل عن موقف الحداثة من التراث، وفيها تابعت منجزات الحداثة واحدةً واحدةً، بدءًا من الأسلوبية والبنيوية والسيميولوجية والتفكيكية ونظرية التلقي والتداولية وعلم لغة النص ثم النقد الثقافي، وكشفت أن لها وجودًا في الثقافة العربية القديمة، ليس الوجود الموازي للحداثة، لكنه الوجود المناسب لزمنها.

من أهميات النقد عندي أن أناقش الأمر في ضوء شرطه التاريخي، لأن معظم مقولات النقد الجديد -بكل أسف- تُغفل هذا الشرط، ويتصورون أن النقاد القدامى يجب أن يقولوا ما يقولونه هم الآن. الأسلوبية عند الجُرجاني أدق من الأسلوبية الوافدة، والبنيوية التي افتخروا بها ماتت في العالم كله سنة 1968م لأنها حولت النص الأدبي إلى نص لقيط بلا آباء وبلا أبناء، وبكل أسف لا تزال الجامعات عندنا تتكلم عن البنيوية، ويحللون النص بها. البنيوية ماتت في مهدها، وأول من كتب في ثقافتنا عن البنيوية الدكتور زكريا إبراهيم، ومن بعده الدكتور صلاح فضل، والدكتور كمال أبو ديب، في نهاية السبعينيات تقريبًا، مع أنها ماتت في نهاية الستينيات. وهذه ظاهرة مؤسفة، أننا نبدأ مراحل النقد عندنا بعد موت النظريات في مهدها، الكلاسيكية ماتت في الغرب في القرن التاسع عشر لكنها ماتت عندنا في القرن العشرين، والرومانسية كذلك، وإن كان هناك اختلاف نوعي في التسميات. فالكلاسيكية العربية غير الكلاسيكية الأوروبية، الكلاسيكية الأوروبية هي منهج العقل الصارم، أما الكلاسيكية العربية فالعاطفة فيها موجودة، لو تقرأ لشوقي:

خدعوها بقولهم حسناء

والغواني يغرهن الثناء

وقوله:

ويا وطني لقيتك بعد يأس

كأني قد لقيت بك الشبابا

فالكلاسيكية العربية بدأت بشكل مختلف. حتى الرومانسية في الغرب ظهرت كرد فعل للثورة الصناعية، أما لدينا فقد ظهرت تقليدًا، والواقعية كذلك، والمذاهب النقدية الأخرى جاءت إلينا نقلا.

فالمرحلة الثالثة -إذن- هي مرحلة النقد التي حاولتُ أن أقدم فيها الجهد النقدي الحداثي بلغة مفهومة، بلغة يمكن لأي قارئ أن يستوعبها. التفكيكية التي أقاموا الدنيا من أجلها لم يستطع أحد أن يقدم تحليلا بها، لأنها نظرية فلسفية وليست نقدية.

في المرحلة الرابعة، بعد التزامي بالنقد الأسلوبي إلى بداية التسعينيات تقريبًا، بدا في الأفق انفتاح النص بعد أن أغلقته البنيوية، فبدأت أتجه إلى النقد الثقافي، لأني وجدت أن أسس النقد الثقافي موجودة في التراث العربي بكل فخر، فإن أول من قال كلمة “الثقافة” في عالم الإبداع هو ابن سلام الجمحي في كتابه “طبقات فحول الشعراء”، قال صراحةً: “والشعر صناعة وثقافة، يعرفها أهل العلم كسائر الصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان”، وهذا كلام تقريبًا في القرن الثاني الهجري، ويعني أن الشعر ثقافة عقلية ونظرية وعملية، ولا يُفهم إلا عن هذا الطريق. ثم يأتي ابن طباطبا العلوي في القرن الثالث الهجري ليقول جملة تكاد تكون هي دستور الثقافة، يقول: “إذا وردت عليك صورة لم تفهمها، ومعنى لم تستوعبه، فنقِّر خلفه، قد تجد خبيئة تفسره لك”، فهذا كلام قيل في القرن الثالث الهجري، فإذا نقَرت خلف تعبير “فلان كثير الرماد” فستعرف أن العرب كانوا يطبخون بالحطب، ويتخلف عن الحطب الرماد، فإذا كثر الرماد دل هذا على كثرة الطبخ. فالتنقير خلف الصورة وخلف التعبير يوصل إلى ما يفسرها.

كل هذا جعلني أُقْدِمُ على قراءة النقد الثقافي. لكن الخطورة في هذا النقد، أنه يحتاج إلى إصدار القيمة، فحينما أحلل النص ثقافيًّا وأحكم عليه، فهو حكم على الثقافة نفسها، فإذا قلت إن هذا نص رديء فقد حكمت على الثقافة بأنها رديئة، وقد وقع في هذا بعض من كتبوا في النقد الثقافي، ولذلك عدلت المصطلح من “النقد الثقافي” إلى “القراءة الثقافية”، فالقراءة لا تحتاج إلى إصدار الحكم، بل لها مستويان، جمالي وثقافي، فالجمالي يحتاج إلى معرفة لغوية جيدة، والثقافي يحتاج إلى خلفية ثقافية كبيرة جدًّا. ومع ذلك كشفت عن سلبيات النقد الثقافي، وكيف نواجهها، لأن مشكلة النقد الثقافي أنك تحلل نصًّا ثقافيًّا في مصر قد لا يكون متفقًا مع باريس أو لندن، أما الجمالي فيتفق عليه الجميع.

– لقد وضعت يدك على مكمن خطير في الثقافة العربية، وهو أننا نلوك ما يقوله الغرب، ولا نأخذ ما يصلح لنا ولثقافتنا، أعتقد أن في منهجية كتابك عن “القراءة الثقافية” صلاحية واستفادة لنا، لكنّ كثيرًا من الكتابات الأخرى كالبنيوية إنما هي نوع من الرطانات، فكثيرًا ما ندخل إلى الكتب العربية المكتوبة عن هذه النظريات ونخرج منها كما دخلنا صفر اليدين بلا استفادة.

بكل أسف، فكثير مما هو مكتوب عن هذه التيارات والنظريات عبارة عن ترجمات. أنا كثيرًا ما أقرأ هذه الترجمات ولا أفهمها نهائيًّا.

أُعِدُّ الآن كتابًا عنوانه “المسيرة البينية للنقد العربي” أتابعه من مبدئه إلى منتهاه، كاشفًا عن دور الثقافة العربية في كل هذا. حتى التداولية التي قننها أوستن وسيرل، فقد تكلم أوستن عن التداولية وعن أفعال الكلام، ومعروف أن أفعال الكلام ثلاثية (ملفوظ، ومعقول، والتنفيذ). والله كنت أقرأ في كتاب الدسوقي، المتوفى عام 1230هـ، في شرح التلخيص للتفتازاني، وأكاد أقول إن ما قاله أوستن هو كلام الدسوقي حرفيًّا، طبعًا لا أستطيع القول إن أوستن أخذ هذا الكلام من الدسوقي، لأن كلامه لم يُترجم ولم يشع بين الناس. الثقافة العربية -إذن- فيها كثير من هذا، وقد ذكرت هذا في كتابي الجديد، حيث تابعت المناهج الحديثة والحداثية (علم لغة النص، والتداولية، وأفعال الكلام، والسيميائية، ونظرية التلقي)، وقدمت معها المشاركة العربية في هذا. أتمنى أن أفرغ من هذا الكتاب قريبًا، ولعله يكون آخر كتبي. ولهذا الكتاب بذرة أولى في كتابي “ذاكرة النقد الأدبي” الذي تابعتُ فيه الموضوع بشكل موجز وملخص، أما الكتاب الجديد فيطرح هذه الاتجاهات ثم يضيف إليها الجهد العربي في هذا المجال. أنا مؤمن بأن الثقافة العربية لها دور مهم في حضارة العالم كله، انتقلت من الأندلس إلى العالم، وكثيرون ممن قرءوا عبدالقاهر قالوا إن الأسلوبية هي فكر عبدالقاهر الجرجاني، لكن لم يستطع أحد أن يُثبت ذلك إلا الدكتور محمد حماسة عبداللطيف -رحمه الله- في بعض الأشياء، وبخاصة في كلامه عن النحو التوليدي، وعن تشومسكي، وكيف أن تشومسكي يهودي قرأ النحو العبري ومنه قرأ النحو العربي ومن ثمّ تأثر به. الوحيد الذي قال هذا الكلام هو محمد حماسة، رحمه الله.

حول اللغة العربية:

– لك إسهامات لغوية، ومنها مقالاتك المعنونة “صيد اللؤلؤ”.. شغفك واهتمامك واضحان بشأن اللغة العربية.

لست متخصصًا في اللغة لكنني عاشق للغة العربية. ولي مقالات في اللغة جُمعت في كتابين، كتاب صدر في الشارقة بعنوان “اللغة والهوية”، وكتاب آخر صدر عن دار المعارف بمصر بعنوان “قراءات في اللغة والأدب والثقافة”.

أعترف بأنني أعاني من انهيار اللغة العربية الآن، ومن العدوان المتعمَّد عليها، والإهانة لها. وقد ناديت في مقالاتي بأن يُعطَى مجمع اللغة العربية سلطة تنفيذية حتى لا نشاهد هذه الفوضى من اللافتات الأجنبية التي تملأ الشوارع، وكأننا في لندن لا في القاهرة. في إحدى زياراتي لباريس، وجدت لَوْحة باللغة الفرنسية وفيها خطأ، وعلمت أن صاحبها مُقدَّم للمحاكمة، وعرفت أن محله قد يُغلق نهائيًّا، وذلك بسبب كتابة كلمة بشكل غير صحيح. في ألمانيا تجد المواطن يعرف عددًا من اللغات، لكنه لا يكلمك إلا بالألمانية. أما اللغة الأجنبية لدينا فتحولت إلى قيمة اجتماعية واقتصادية، كلما تكلمت باللغة الأجنبية فأنت من بيئة ثرية محترمة رفيعة المستوى. وقد زرت إحدى المدارس الدولية الموجودة في مصر، وكانت مديرتها تلميذتي. حينما مررت بالمدرسة أحسست أنني في فندق 10 نجوم لا 7 أو 5، شيء مبهر. فسألتني المديرة: ما رأيك يا دكتور؟ فقلت لها: هذا أسوأ يوم في حياتي. فذهلت، وسألتني: هل لا تعجبك المدرسة؟ فقلت لها: نعم، لا تعجبني، من بين كل اللوحات والرسوم البيانية التي رأيتُها لم أشاهد على الحائط كلمة عربية واحدة في المدرسة كلها، لم أقرأ حرفًا عربيًّا واحدًا، هذه المدرسة في القاهرة أم في لندن؟ كيف لا أرى آية قرآنية واحدة أو حديثًا نبويًّا أو بيت شعر أو حكمة عربية؟ هل سنجد من بين هؤلاء الطلاب من سيفهم آية قرآنية بعد ذلك؟.

وللأسف، هناك أيضًا من يتباهون بالخطأ اللغوي الذي صار أكثر شيوعًا من الصواب! ومن ذلك شيوع بعض الكلمات التي تتردد على ألسنة المثقفين والمتخصصين مثل كلمة “تواجد” و”يتموقع” و”يتمفصل”، والنِّسبة للجمع لا للمفرد.

هناك قضية مهمة وخطيرة تتمثل في افتتاح كثير من المدارس الأجنبية، فهناك كلية تجارة بالفرنسية والإنجليزية، وكلية حقوق بالفرنسية والإنجليزية، وجامعات أمريكية وفرنسية وروسية وألمانية وكندية وغيرها. فهذا يساعد في تدمير اللغة تدميرًا كاملا عن وعي وعن قصد وعن تعمد.

– ما أعلمه أنك كنتَ تعمل في مدرسة الليسيه قبل حصولك على درجة الدكتوراه.. هل أفادتك هذه المرحلة في تشكيل قدراتك البحثية؟

كلية دار العلوم هي التي أثرت في تشكيل قدراتي البحثية، لأنها قدمت لي التراث وقدمت لي الحداثة. كان يُدرِّس لنا الدكاترة: غنيمي هلال، وإبراهيم أنيس، وأحمد الحوفي، وأحمد بدوي، وبدوي طبانة، عليهم رحمة الله، وقدموا لنا الثقافة العربية الأصيلة “التراث”، وكذلك الحداثة، فكانت ميزة دار العلوم على غيرها من الكليات -في زمنها- أنها تجمع بين الحسنيين. كانت الكليات الأخرى قد أغرقت في الحداثة وفي تقنياتها ومنجزاتها، وغيبت التراث. لذا كان أكبر مؤثر فيّ هو كلية دار العلوم.

أما مدرسة الليسيه فقد عملتُ فيها فترة طويلة جدًّا، وهي التي أفادتني في الانفتاح على الغرب، وعلى اللغة الفرنسية، وتقبل الآخر أيًّا كان. هذه المدرسة ربطتني بمحبات وصداقات مع أكبر الشخصيات في مصر وفي العالم العربي.

وممن أثروا في توجيهي أيضًا الدكتور عز الدين إسماعيل، رحمه الله، فهو الذي وجهني إلى الدرس النقدي الحديث، وأمدني ببعض المؤلفات التي قادتني إلى المصادر الفرنسية الأولى حيث اشتريتها من باريس، ثم بدأت أكتب في الأسلوبيات، وما إلى ذلك. وللعلم فإن أول كتاب في الأسلوبية باللغة العربية كان كتابي “البلاغة والأسلوبية” الذي صدر عام 1964م. نعم كان قبلي كتاب الدكتور المسدّي “الأسلوب والأسلوبية” لكنه كتاب أشبه ما يكون بالترجمة. ففي كتابي قاربت بين البلاغة العربية والأسلوبية، وأشرت إلى ما قدمته البلاغة وما قدمته الأسلوبية.

ثم بذلت جهدًا آخر في تقديم التراث العربي، حيث ركزت على قضايا الحداثة عند عبدالقاهر الجرجاني، وقدمت جهد هذا البلاغي فيما عُرف بعد ذلك بالأسلوبية ونظرية التلقي والكثير من المنجزات الحداثية.

لقد كنت دائمًا أحاول التوفيق -لا التلفيق- بين هذا وذاك؛ لأن معظم من كتبوا عن الحداثة إما ترجموا وادعوا أنه تأليف، أو تركوها رطانة وعُجمة، بلا معنى وبلا مضمون. أنا شخصيًّا حين أقرأ الشيء وأفهمه أكتب عنه، أما إذا لم أفهمه فلا أكتب عنه شيئًا.

حماسة.. وأبو همام.. وأدونيس

– نشر الدكتور محمد حماسة عبداللطيف مقالا ممتعًا بعنوان: “صديقي محمد عبدالمطلب كما أعرفه”.. ما رأيك فيه؟.

هل تتخيل أنني لم أقرأ هذا المقال في حياة صاحبه! ولم أتنبه إليه إلا بعد وفاته، رحمه الله. وهذا ما دفعني إلى كتابة مقالي “صديقي محمد حماسة كما عرفته”.

كان الدكتور حماسة من أقرب الناس إليّ، وكان يعجب عندما تواجهني مشكلة لغوية وألجأ إليه أسأله فيها، فيقول مندهشًا: محمد عبدالمطلب يسألني في اللغة؟!. وكنت أرد عليه بأنني مؤمن بالتخصص. ولإيماني بالتخصص كتبت مقالا في “الأهرام” عن أهل الصنعة والاختصاص، فمشكلة المجتمع الثقافي الآن أنه مجتمع الفوضى الثقافية، الكل يتحدث في كل شيء، والقاعدة العربية تقول: من يعرف كل شيء لا يعرف أي شيء. ولذلك كنت أعود إلى الدكتور حماسة في أي معضلة لغوية تواجهني فيقدم لي الرأي الصواب فورًا. أنا أعتبر أن أعظم من درس النحو العربي، وحوله من قواعد جامدة إلى دلالات جمالية، هو الدكتور محمد حماسة، وسيظل تلاميذه مدينين له بهذا الجهد العظيم جدًّا الذي قدمه. هناك جهود نحوية كثيرة جدًّا، لكن جهود حماسة لها مكانة خاصة.

– في هذا المقال إشارة إلى طريقتك الخاصة في تدوين الملاحظات..

منذ بداية اتجاهاتي النقدية كنت أنتهج نهج الأسلوبية الإحصائية، ذلك أن تردد مفردات معينة بمعنى معين قد يعكس ما يقصده الشاعر، ولكي أتعامل مع هذا كان لا بد من أن أتعامل بالخطوط والتلوينات، الأفعال أعطيها -مثلا- اللون الأصفر، والأسماء الجامدة اللون الأحمر، والأسماء المشتقة اللون الأخضر. ثم إنني لم أكن أكتب أو أتكلم عن ديوان إلا إذا عشت معه شهورًا وليس أيامًا، إلى أن أشعر أنني صرت كاتب الديوان من كثرة قراءتي له، واستخلاصي للحقائق الموجودة فيه.

وفي إحدى المرات، زارني الدكتور حماسة، وطلب ديوانًا معينًا لأبي سنة، فحين طالعه ذهل، وذكر أنه لا يستطيع القراءة من كثرة الخطوط والتلوين. وبسبب هذا الأمر أكاد أحفظ الكثير من دواوين الشعراء الذين قدمت قراءات لأعمالهم.

– إذا كنا قد عرجنا على الدكتور حماسة، رحمه الله، فما تقول عن علاقتك بأبي همام؟ لا سيما وأن علاقتك به كانت وطيدة، وقد كتبتَ عنه مقالا في “الأهرام” بعد رحيله، رحمه الله.

كان -رحمه الله- من أقرب المقربين إلى قلبي، وبرغم اختلافنا في التوجه النقدي من الشعر العربي إلا أنه كانت بيننا صداقة حميمة. وكان بيننا لقاء يومي عبر الهاتف، لا يمر يوم دون هذا اللقاء، وكان أول كلمة يلقيها عليّ: “أهلا يا مولانا”.

معروف أن أبا همام كان يرفض شعر التفعيلة، ومن باب أولى قصيدة النثر، وكنت أتقبلُ ذلك منه رغم اختلافي معه. إلا أن الدور الأكبر لأبي همام كان في الشعر العربي والحفاظ عليه وكذلك على اللغة، وهو دور لا يُنكر. كما أن جهوده في تقديم الأدب الأندلسي في الثقافة العربية جهود لا تنكر كذلك. فضلا عن أن دوره في الترجمة من الإسبانية إلى العربية كبير. كل ذلك في الحقيقة جهد مهم. وقد قدمت في كتابي “القراءة الثقافية” تحليلا ثقافيًّا لإحدى قصائده لأكشف كيف أن أبا همام جاء من القديم ليقدم لنا أحدث ما يمكن إنجازه في الشعر. كنت أشارك في كل رسائله العلمية، وهو يشارك في كل رسائلي العلمية أيضًا. الثقافة العربية عامة، والشعر خاصة، فَقَدَا رائدًا من أعظم الرواد، وناقدًا من أعظم النقاد، ومثقفًا من أعظم المثقفين. كان هو وحماسة وثالثهما فاروق شوشة من أقرب الناس إليّ، وقد رحلوا ثلاثتهم بعد أن خدموا الثقافة العربية والإسلامية خدمة رائعة.

– لك رأي في موقف أدونيس من الثقافة المصرية..

للأسف، دارت في الساحة حوارات طويلة جدًّا حول الشعر العربي وتطوره، وإنكار الجهد المصري في الشعر، وقد ناقشت هذا كثيرًا. هناك من حاولوا الانتقاص من أحمد شوقي ومن البارودي، مثل أدونيس، فقد قال في أحد كتبه: “ذهب أحمد شوقي إلى فرنسا وعاد ليضيف إلى القديم قديمًا”. كما قال: “إن البارودي بدل أن يسير بالشعر إلى الأمام رجع إلى الوراء”.

وقد جرت حوارات بيني وبينه في المغرب العربي، وهو ما سجلتُ بعضه في مقالاتي بمجلتي: “الدوحة”، و”دبي الثقافية”. وبرهنت له على أنه لولا ما قدمته الثقافة المصرية للشعر العربي لما كان هناك شعر عربي على الإطلاق. كان الشعر العربي في فترة البارودي قد انتهى تقريبًا بسبب انهيار العصرين المملوكي والعثماني، فجاء البارودي لينقذ الشعر. وهنا لفتة، أنت إن أردت أن تذهب إلى الهرم -مثلا- فلا بد من أن تحدد منطقة تبدأ منها الانطلاق نحو الهرم، وإلا سرت سيرًا عشوائيًّا، وهذا هو ما صنعه البارودي، أراد أن يبدأ النهضة من منطقة صالحة، فوجد أن أصلح منطقة شعرية في تاريخ الشعر العربي هي الفترة العباسية، فبدأ من العصر العباسي، ثم استقل بنفسه بعد ذلك. أما شوقي عندما ذهب إلى باريس، فكان حاله كحال القاهري الذي يذهب إلى باريس، لن يذهب إلى هناك ليشتري البطاطس أو البطيخ، فهما لديه في القاهرة، ولكنه سيشتري الأشياء التي يفتقدها، كجهاز حديث أو دواء جديد، أما المُفلسون فهم الذين يذهبون إلى باريس فيشترون كناسة الشوارع لأنها بأثمان رخيصة، في حين أن الرجل الثري الممتلئ لن يشتري إلا ما يحتاجه. وهكذا كان شوقي، حينما ذهب إلى فرنسا كان ثريًّا يمتلك 1400 سنة من الشعر، لم يذهب إليها مفلسًا، لذا كان من الطبيعي ألا يأتي منها إلا بما يفتقده في الشعر العربي، فجاء بشعر الأطفال وبالمسرح الشعري وبالشعر الملحمي، فهذا هو الرجل الثري، جاء من فرنسا بالشيء الذي يفتقده في الشعر العربي، فهل نلومه لأنه صنع ذلك.

وقد قال لي أدونيس في حواري معه: أنتم يا مصريون تتهمونني بأنني ضد الثقافة المصرية، ولم يقدم أحدكم -إطلاقًا- شاهدًا واحدًا يؤكد ذلك. وكان وزير خارجية المغرب -آنذاك- حاضرًا. فقلت لأدونيس: إن قدمتُ لك الدليل على ذلك فهل تصلحه؟ فرد: طبعًا. فقلت له: لك كتاب عنوانه “مقدمة للشعر العربي”، فرد: نعم، فقلت له: أنت كتبت فيه عن المدرسة المهجرية، ومدرسة الإحياء المصرية، ومدارس التفعيلة. فقال: نعم. فقلت له: كم صفحة قدمتها عن الشعر المهجري. فقال: لا أذكر. فقلت له: أذكرك أنا، ثلاث عشرة صفحة. ثم سألتُ: كم صفحة قدمتها عن مدرسة الإحياء المصرية؟. فقال: لا أذكر. فقلت له: أذكرك أنا، أربعة أسطر، لولا الباردوي ما كتب المهجريون كلمة واحدة في الشعر، وما قلتَ أنت كلمة واحدة في الشعر، ألا يعد هذا موقفًا ضد الثقافة المصرية، أربعة أسطر عن شوقي والبارودي وحافظ وكل رفاقهم من هذه المدرسة، والمهجريون ثلاث عشرة صفحة. فرد عليّ قائلا: وماذا أصنع؟. قلت له: الأمر بسيط، اكتب مقالا صوّب فيه الأمر. ولكنه لم يكتب.

التفات إلى السرديات:

– لم يمنعك انحيازك الطاغي لفن الشعر من أن تكون لك إسهامات في مجال السرد، وهو ما يتضح في كتبك “بلاغة السرد” و”قراءة السرد النسوي”، وغيرهما.. فهل كتبتَ عن السرد لتقديرك له، أم كرد فعل على تلك الكلمة التي وجهها لك أحد الحضور بمؤتمر الأردن، وهو ما أشرتَ إليه في مقال من مقالاتك؟.

كنا في مؤتمر بعمان، فإذا بأحد الحضور يتهمني بأنني نصف ناقد، فسألته: لماذا؟! فقال: لأنك لا تكتب إلا في الشعر. والحقيقة أن رأيه كان صوابًا إلى حدٍّ ما، وحين عدت بدأت في القراءة، علمًا أني كنت أقرأ روايات من غير أن أكتب عنها. هذه الكلمة أيقظتني، لكني –مع ذلك- طبقت المنهج الذي كنت أمارسه في قراءتي للشعر على السرد.

في دار المسعدي:

– في عام 1997م استقبلك الروائي والمفكر التونسي الكبير محمود المسعدي في داره بقرطاج.. فكيف كان اللقاء؟

دعتني الجامعة التونسية في منوبة للاشتراك في ندوة حول محمود المسعدي، وكان رفيقي فيها صديقي الكاتب الصحفي مصطفى عبدالله. وبعد انتهاء الندوة استقبلنا المسعدي في مقر إقامته بحي قرطاج. وقد أتاحت لنا المقابلة الاقتراب من عالم هذا الرجل، والتعرف على كثير من البواعث التي كانت وراء إبداعاته. وفي هذا الحوار، ذكر المسعدي موقفًا له مع طه حسين، قال: عندما زرت القاهرة وقابلت الدكتور طه حسين، وجدته قد استحضر مترجمًا ليترجم بيني وبينه، فلما وجدني أتكلم باللغة العربية الفصيحة، أشار إلى المترجم بالانصراف قائلا: “لم تعد لنا بك حاجة الآن”، إذ كان يسمع أن التونسيين لا يعرفون إلا الفرنسية فقط.

ذكر في هذا الحوار أيضًا أنه كان صديقًا للحبيب بورقيبة قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية، وفي إحدى مرات سيره على قدميه، مرّ الحبيب بورقيبة بسيارته فرآه، فتوقف وقال للمسعدي: أريد أن أعينك في منصب مهم بالدولة. فرد المسعدي: ليس هذا هو المكان المناسب لتحدثني في ذلك!

للمسعدي -حقيقةً- مواقف رائعة، حكى لنا طرفًا منها في لقائنا معه. ولن أنسى أنني رأيت مشهدًا مهيبًا لدى دخوله الندوة التي كنت مشاركًا فيها بكلية الآداب بمنوبة، فقد ذُهل الأساتذة والطلاب بمجرد أن أهلّ عليهم، إذ لم يكونوا شاهدوه من قبل، فقد كان يلازم بيته. كان دخوله جليلا، وحين تكلم صمت الجميع كأن على رؤوسهم الطير. لقد كان في تونس كما كان طه حسين والعقاد في مصر.

ليلى علوي.. مسؤوليتي

– اسمح لي بسؤال مشاغب.. سمعت أنك درّست للفنانة ليلى علوي وما زلت على تواصل معها..

كانت طالبة عندي حين كنت في “الليسيه”، وكذلك كاتبة السيناريو مريم ناعوم، ولاعب الكرة الشهير خالد الغندور. توفي والد ليلى مبكرًا، وكانت تعيش مع أمها وأختها. وقد أوصتني أمها بها، واعتبرتها مسئوليتي، لانشغالها في عملها بالإذاعة المصرية بالبرنامج الأوروبي. كنت أرعاها علميًّا إلى الثانوية العامة. في الحقيقة لدى هذه البنت وفاء غريب، حيث لا تُقام لي ندوة أو احتفال في المدرسة إلا وأراها تحضر. كما كنت أوجهها إلى بعض الأمور الفنية والأخلاقية أيضًا، إلى درجة أن من كان يريد أن يتزوجها كان يأتي إليّ ليخطبها مني شخصيًّا. كانوا يعتبرونني ولي أمرها تقريبًا. ولا تزال إلى اليوم تستشيرني في كثير من الأمور، كما لا نزال على تواصل. سألتني في إحدى المرات عن أحسن فيلم شاهدته لها، فقلت لها: أحسن فيلمين لكِ وأحبهما إليّ هما: “إعدام ميت” مع محمود عبدالعزيز لأنك كنتِ فيه ليلى علوي التلميذة التي أعرفها شكلا وموضوعًا، أما الفيلم الثاني فهو “آي آي” مع كمال الشناوي لأنك كنتِ فيه ليلى علوي التي لا أعرفها، المرأة المبتذلة كثيرة المشاكل، فهذه شخصية لا أعرفها. أُحب هذين الفيلمين لأن فيهما الشخصيتين المتناقضتين تمامًا.

آخر سؤال:

– ما نصيحتك للنقاد الشبان؟

كتبت مقالا بعنوان “من نقد الثقافة إلى إنتاجها”. في السبعينيات كنا مشغولين بنقل الثقافة الغربية إلى الحضارة العربية، وفي الثمانينيات بدأنا نطبق ما نقلناه، فوجدنا أن هناك عقبات، حيث النص العربي لا يتقبل أشياء من المنجز الغربي الوافد، فبدأنا ننتج ثقافة نقدية تتناسب وتتلاءم مع النص العربي، لكنها أيضًا مستفيدة من المنجز الغربي. جابر عصفور، وصلاح فضل، وكمال أبو ديب، وعبدالسلام المسدي، كلهم فعلوا هذا الشيء، وأنا عملت هذا. إلى التسعينيات كنا نفعل ذلك.

وعندما ظهر جيل النقاد الشبان إذا بهم يعودون إلى ما أنجزناه في السبعينيات، حيث نَقْل الثقافة الغربية. لا بد من المعرفة بأن هذه مرحلة انتهت، يقولون بارت وباختين. هذا كلام نقلناه وانتهينا منه. يجب أن يواصلوا ما أنجزناه لإنتاج ثقافة نقدية عربية تناسب النص العربي. المؤسف أن الجيل الجديد يبدأ كما بدأنا نحن في السبعينيات. بينما المفروض أن يكملوا ما بدأناه نحن لينتجوا ثقافة نقدية جديدة تفيد من الثقافة الغربية ومن التراث العربي معًا، وتلائم النص العربي في الوقت نفسه. هذا ما أطالب به جيل النقاد الشباب.

حين سألتِ المذيعة طه حسين في حوارها معه عن النصيحة التي يوجهها للشباب، قال: “أنصحهم بالقراءة”. وأنا أيضًا أنصح شباب الألفية الثالثة بالقراءة أولا والقراءة أخيرًا.

نُشر هذا الحوار في العدد (43) بمجلة “الجسرة الثقافية”

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا