ربّة النمل (قصة قصيرة)

0
محمد السيد أبو ريّان
قاص وروائي مصري

النملُ يحفُر في الأرواح. أخبرني عمٌ لي في صِغري عن دَجاجةٍ اقتحمَت مؤخرّتَها طوابيرُ النمل. ظلّت يومَين تصرُخ في لوعةٍ وجنونٍ لا تدري ما يجري بها، وفي الليل كانَ النملُ قد خرجَ أرتالاً من فتحَتي منخرها ومنقارها، كل نملةٍ تشدّ على قطعةٍ من روح الدجاجة بين أسنانها.

* * *

النملُ يأكلُ الزّمن. يشكو صديقي من ضياع الوقت. في البدء كانت الثواني تختفي، وتبقى تلك الفجوةُ في الزّمَن والوعي والذاكرة. حتى لمحَهم ذات مرّة، كتيبة نملٍ تتسرّب تحت غِطاءِ الضّوء، بطونها متخمةٌ بالثواني. مع تكرار الأمر كانت كتائب النمل تتمدّد، والفجوات تتّسِع. سقَط صديقي في إحدى الفجوات ولم يعُد. لكنّه لا زال يراسلني عبر جدارٍ يفصلُ بين فجوَتي وفجوته.

* * *

النملُ يتبرّز المَوتَ مائعًا مختلفًا ألوانُه. وأنا عالجتُ نفسي من عَمى الألوان، بسلبيَة الصُوَر. لكنّ النملَ لم يتغيّر لونُه، ولا زال يتعهّدني بالتذكير أنّه هنا، حولي في كل مكان ينتظرني. نملةٌ تقبّلني لاستدراجي، ونملٌ يخرجُ لي من الشاشة منبّهًا، ونملٌ يرسِم وشومًا على عدَستي عيني، ونملٌ ينحتُ من جِلدي نتوءاتٍ طوبوغرافية، وكتيبةُ الزّمن ترابطُ في عقلي الباطن، ونملةٌ أنيقةٌ تقفُ في اعتدادٍ على فم فجوةٍ مُظلِمة تدعوني لمِيتةٍ حمراء لا تُنسى. أميّز النملَ والموتَ، لكنّي لا أميّز الأحمر.

* * *

النملُ يجمَعني، يرمّم أجزائي، يقيمُني من رَمادي. “اِنهَض!” ربّة النّمل تتوعّدني. “حتّامَ تظلّ تهرب من حقيقتِك؟ ألا تفهمُ بعدُ كَم نحبّك ونريدُك بيننا، واحدًا منّا، ينتمي إلينا، وننتمي إليه؟”. أعيدوني إلى رمادي. “الفجوةُ لفَظَتكَ” ترتّل أرتال النمل خلف كهنتهم في رَتابة. عينايَ تتكوّران جحوظًا لأعلى، يتدبّب فمي، يغوصُ أنفي وينمسِح، أصرُخُ كدَجاجة، أرتجفُ في رتابةٍ كعقربِ ساعة، وأتبرّز روحي المائعة بألوانٍ مختلفة، والنمل يتجمّع حولي في بطء، يهنّئونني، ينحنون يلعقون روحي الذائبة، ويشكرونني “أهلاً بعودتك إلينا واحدًا منّا”.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا