تقنية تحقيق النصوص في البنية السردية لرواية “حول البرزخ”

0
د. أسامة شمعون
باحث مصري

اعتمدت رواية ” حول البرزخ ” لمحمد حجاج على شكل تحقيق النصوص ليحدث من خلاله ليس فقط تداخلا للأنواع (رواية – تحقيق التراث)، ولكن أحدث تداخلا أكثر عمقا مما سبق وهو تداخل النص الروائي مع النص التاريخي، واستلهام روح تحقيق النصوص مستخدما آلياته المختلفة والتى من خلالها ” أصبح الشكل الفنى فيها شكلا تحقيقيا ” مما ساهم في إنتاج نص روائي ذى طابع تاريخي يحمل من ملامح الواقع المعاش – إبان كتابته – الكثير .

 ولكن هل رواية محمد حجاج ” حول البرزخ ” رواية تاريخية، ؟ أم رواية ” توثيقية …. متأثرة بالنزعة العلمية، ومعتمدة في ذلك على الوثائق ولغة المخطوطات”(1)؟

بداية الرواية تأسست على بنية تاريخية، استمدت من التاريخ أحداثه، وحاولت ربطه بواقعها عبر استدعاء شخصيات تاريخية تراثية حقيقية …. تشارك في صنع الحدث وتناميه على نحو ما كعلي مبارك، والخديوي اسماعيل، وغيرهما، كذا استدعاء أحداث تاريخية كمفاوضات حفر البرزخ والحركة العرابية، ولم يكن هذا فحسب بل كان لأماكن هذا العصر وفئات الشعب المصرى وجود حاضر في جنبات هذه الرواية عن طريق ” استخدام المسميات القديمة ومزجها بالسياق العام …. مدرسة أبي زعبل، مدرسة القصر العيني، معمل بولاق ….. (كذا ذكر) الكثير من المواقف والوقائع والأحداث ” وفي نهاية سنوات الدراسة الخمس تولي القائد سيف (سليمان باشا الفرنساوي) مهمة اختيار الطلبة النوابغ من خريجي المدارس العليا ليشكلوا أعضاء البعثة الدراسية الخامسة إلي فرنسا…”، إضافة إلى تفنن محمد حجاج في تقديم لوحات المكان التراثي التاريخي القائم آنذاك، وتشكيل مكوناتها …. ولا يكتفى بتصوير المكان القديم ذى البعد التاريخي بل يرسخ أبعاد المكان وسماته الخاصة في تصوير بيئته المحلية، ” كانت مدرسة قصر العيني في هذه الأثناء مدرسة تجهيزية (ثانوية) لإعداد التلاميذ للالتحاق بالمدارس الحربية والعالية … فراشهم لم يكن يزيد علي حصر مصنوعة من أوراق الحلفاء كما أن أغطيتهم كانت من الصوف الخشن الذي كان ينسج في معمل بولاق”(1)، إضافة إلى الإشارات الدالة للنصوص المصاحبة التي دلتنا إلى تعلق الرواية بذلك العصر وتداخلها نصيا مع وقائعه وأحداثه التاريخية ” في هذه الأثناء، كان العمر يتقدم بعاهل مصر ..فآلت سلطة الحكم في البلاد إلي نجله إبراهيم كنائب عن والده في إبريل سنة 1847م “(3).

اللغة: (4)

أقام حجاج معمار روايته اللغوى على فكرة الشكل التحقيقي، مستخدما تقنياته، موظفا إياه لخدمة سرده الروائي، بطريقة فنية محكمة فوفّر لروايته الكثير من عوامل التميز، فربط بواسطة التحقيق بين الشكل والمضمون، فـاستقصى الكثير من التقنيات التي يرتكز عليها الشكل التحقيقي في روايته، من خلال عدة محاور:

التصدير:

 استخدمه حجاج ليكسب الرواية شكل الكتب المحققة، وهو بيان المنهج المتبع أثناء الكتابة “وأود أن أوكد هذا مجددا على أن:

جميع الشخصيات، التي ورد ذكرها في هذه الرواية – مثلما كان في الروايتين السابقتين – شخصيات حقيقية، وليست مبتدعة، أي أنها عاشت وتحركت، علي سطح كوكبنا الأرضي .

كل الأقوال والأفعال والتحركات (كبيرها وصغيرها ودقيقها) وقعت في هذا العالم، ويمكن رصدها، في مرجع أو أكثر، من المراجع التي وردت، في هوامش الفصول أو في أخر الرواية”

 هل هى حيلة فنية توسل بها إلى عقل المتلقى ليؤثر فيه عبر إيهامه أنه التزم الحقيقة فيما ذكر

وروى ؟! أو أنه منهج محدد المعالم، مرسوم الخطى عليه سار في روايته، منح به روايته الصبغة العلمية، والروح التاريخية .

مما لاشك فيه أنه مشروع روائي تاريخي يلتزم بوقائع التاريخ .

وإمعانا منه في التماهى بين الرواية بفنيتها، و تحقيق النصوص بجموده العلمى، أضاف بعضا من حيله الفنية كالتداخل الزمني بين عصر ” ميليت ” العرافة الفرعونية، والعصر الحديث، ولكن ومن وجهة نظر عدد من الشخصيات التي تباينت رؤاها فمنهم الوطني خادم بلاده (علي مبارك) ومنهم الأجنبي الطامع (ديلسبس) ومنهم أصحاب البلاد (الخديوي اسماعيل ثم توفيق) ومنهم المحتل الأجنبي.

الهوامش:

استخدم محمد حجاج الهوامش ليس بصفتها التحقيقية فحسب، بل كانت صفتها التحقيقية وسيلة للاستخدام الفنى، عندما ” استغلها حجاج لوصف شخوصه ظاهريا ونفسيا معتمدا على الصدى التاريخي الحقيقى لأكثر الشخصيات”(5) فعند تفسيره لقصف البوارج الحربية الانجليزية لمدينة الإسكندرية ” كنا نسمع طوال النهار زئير المدافع، الذي يصم الآذان، فنشاهد انفجار القنابل ودخان المعارك …. ومن وقت لآخر فإن هذه القنابل كانت تمر من فوق قلعة من القلاع، وتمضي مندفعة إلي داخل المدينة”(6)يعلق علي هذه الحادثة فيقول ” كانت المسؤلية تحتم علي أحمد عرابي ورفاقه، أن يعدوا البلاد بصورة جدية للحرب، منذ أن كشف الحوار الذي دار بين عرابي وكوك سن في التاسع من سبتمبر سنة 1881 م أمام قصر عابدين عن نوايا الانجليز في التدخل المسلح في شئون مصر”(7) ففي هذا الهامش بعد توثيقه للموقف الذى وقعت فيه الأحداث، وتاريخها، أتبعه بتفسير لمدي التقصير الذي وقع فيه القائد العسكري والذي يوضحه أيضا بقوله ” أحمد عرابي الذي كان قد وفق إلي حد كبير في أن يلعب دورا سياسيا كزعيم لحركة الجيش ثم للحركة الوطنية بلغ ذروته في مظاهرة عابدين (9 سبتمبر 1881 م) ثم في افتتاح مجلس شوري النواب (ديسمبر 1881) لم يوفق في أن يكون قائدا عسكريا بنفس الدرجة ” ثم يتبع أسلوب المحققين والمحللين للأحداث ليخفي أكثر الحدود الفاصلة بين العمل الروائي والتحقيقي، فيفسر هذا الموقف بقوله ” وربما كان للرجل عذره في ذلك فهو لم يتلق تعليما عسكريا أكاديميا، وحظه من التعليم العام والخبرة لم يكن كافيا ….. فعرابي ولا جدال، كان يفتقر إلي القدرة علي التخطيط العسكري الدقيق”(8).

كما كان يقصد بتعليقاته تلك إلقاء الضوء علي مزيد من الأحداث التي تفسر طريقة تعامل الشخصيات مع الأحداث مما يرسم صورة توضيحية لها تتضح رؤاها فيما سيأتي من سرد للأحداث ” لم يكن الخديوي توفيق صريحا ولا مستقيما، في تعامله مع قادة حركة الجيش …. فهو وإن كان قد وافق علي عزل عثمان رفقي وتعيين محمود سامي البارودي بدلا منه في وزارة الحربية … إلا أنه سرعان ما انقلب علي هذه الحركة، بمجرد أن لاحت له فرصة مواتية”(9) انتهي النص الروائي إلي هنا، ولكن الكاتب أتبعه بهامش تفسيري يوضح من خلاله ما خفي علي القارئ من صفات ذلك الحاكم المتآمر علي شعبه وجيشه ” فانتهز توفيق فرصة حدوث تجاوز من بعض جنود الجيش في الإسكندرية، بسبب مقتل زميل لهم في 25 يوليو سنة 1881 م، فأقال محمود سامي من وزارة الحربية”(10) فهذا الهامش وما يمثله من التناقض في التعامل بين الوظيفة التي كان من المفترض أن يقوم بها حاكم مصر وبين خضوعه للمحتل وإقصاء ذوي الكفاءة من قيادة الجيش لهو تحويل عن وظيفته الأساسية ” الشرح والتفسير ” إلى استخدام فنى يستخدمه لتفسير نفسى وظاهرى لشخوص روايته .

ولعل الكاتب لجأ إلى هذه التعريفات في الهامش ليتفق الشكل الروائي مع الشكل التحقيقي بشتى أنماطه ومستوياته …… لكن ذلك يترك قصورا في بناء الرواية ما لم يؤد وظيفة فنية، ويصبح لازمة أساسية في البناء الروائي، أى يكون اللجوء إلى هذه الهوامش له ضرورة فنية يقتضيها بناء الرواية ويساير طبيعة الواقع الحاضر، ولكن أليس مجاراة الشكل التحقيقي وفق ما قرره في مقدمة روايته ” ها نحن أولاء .. نلتقي للمرة الثالثة مع ذلك النوع من الكتابة الأدبية الذي نلتزم فيه – جنبا إلي جنب – بما يلي: حرفية الفن الروائي ومنهج الكتابة التاريخية ” [1]توظيفا فنيا لآليات فن تحقيق النصوص، وتداخلا فنيا ودلاليا بين نصه الروائي ونمط تلك الكتابات، فهى تؤدى دورا تعريفيا لإكساب الرواية الصدق التاريخي، فيحقق بها حجاج الشكل الفنى الموشى بالحقيقة التاريخية، بحيث تغدو … لبنة من لبناته التي تشكله، وتسهم في تطويره وتفسيره، وتشارك في التعليق على أحداثه، والتعريف بأعلامه، فهى في مجملها وحدات سرد أساسية ذات إيماءات دلالية تتصل مباشرة بالمسار الروائي الصاعد، بحيث لو حذفنا تلك الهوامش لفقدت الرواية جزءا من الجانب التاريخي التحقيقي

كذا هنا توفره على كتب المحققين وسيره على نمطهم يعد من قبيل التوظيف الفنى لأسلوب وطريقة كتابة معينة وتداخله نصيا مع فنه الروائي مما يعطى للنص الروائي جدة وحيوية، وإكسابه التميز عما سواه، فيسافر بالمتلقى من حاضره إلى الماضى القديم فيسمع صرير أقلام الوراقين والنساخ، ويستشعر طريقة كتاباتهم، وحينما يعود إلى واقعه يقارن بين حالته أثناء القراءة، وحالته بعدها فيشعر بروعة رحلته التاريخية، وتتحقق له فائدة معرفة دهاليز السياسة والحرب في ذلك العصر.

البنية السردية:

تتعدد أشكال السرد بتعدد موضوع العمل الروائي، وبما أن رواية ” حول البرزخ ” تنحو منحى السيرة الغيرية فيكثر فيها السرد بضميرالغيبة، ففيه يعزو السارد السرد إلى شخصية خارجية تراقب الأحداث، وتصفها، وتعلق عليها، فاستخدمه حجاج لا لوصف شخوصه من وجهة نظره، بل ليتوارى خلفها، فيستطيع أن يمرر ما شاء من رؤيته السياسية و الاجتماعية عبر هذا الضمير، فعن طريقه استطاع أن يعرى الواقع، وما يحدث فيه من فساد الحاكم وبطانته .

كما كان استخدامه لضمير المتكلم الذي يعزو السارد السرد إلى نفسه، محاولا إذابته في زمنه، كما يكشف لنا ماخفى علينا من بواطن الشخصية .

ومن المواضع التي يكثر فيها استخدام ضمير المتكلم الحوار فيمثل الباب الذى عبره نلج إلى أسرار تلك الشخصية ويتضح هذا من خلال الحوار الذي يرتكز السرد عليه كبنية سردية وظفها حجاج ليستكنه بها أحوال شخوصه داخليا وخارجيا، محاولا سبر أغوارهم، ومعرفة كيف يتصرفون سياسيا فالحوارالتالي بين حاكم ” ذو شخصية غير متوازنة …ضعيف الإرادة، يميل إلي التردد، ويحسن الظن كثيرا بالأوربيين ” ومخادع يلجأ إلي ” استخدام المكر والحيلة، وقرر أن يحيل الورطة علي شخص آخر، ولم يكن ذلك الشخص إلا والي مصر ” محمد سعيد ” هذه الخلفية المعرفية لكلا الطرفين لم تتضح بصورة أكبر إلا من خلال هذا الحوار ” وبعد مرور عدد من الأيام التقي فردينان” محمد سعيد ” وطالبه بأن يصدر أمره بصرف الدفعة الأولي من حصته في الاكتتاب، فأجابه سعيد:

أية دفعة ؟

” دفعة من اكتتابكم … وقيمته 88 مليون فرنك

 من اكتتابي ؟!

 بالتأكيد أفندينا يعرف أنني اكتتبت لحسابه .. وقد ذكرت ذلك لكم من قبل .. بل كتبت في شأنه لسموكم.

ماذا كتبت ؟ .. وأين ؟ … ومتى؟ “

” علي الورقة التي توضح وتحلل لكم تفصيلات الاكتتاب “

وأمر سعيد بإحضار تلك الورقة، وقرأها.

ويأتي هنا دور الروائي المحقق الأحداث فيضيف تفسيرا لما خفي علي القارئ فيقول ” كان فردينان قد سجل عليها، حصيلة الاكتتاب في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وكانت هناك علي ضهر الورقة إشارة إلي 88 مليون فرنك، وإلي جوار الرقم ما يفيد بأنه اكتتاب باسم سعيد .

واعترض الأمير علي الورقة، وعلي أسلوب عرض البيانات الذي جاء فيها، ولكن فردينان واصل الحديث:

” لقد مضي الآن أكثر من خمسة عشر يوما، علي هذا التبليغ وسموكم صامت .. وذلك الصمت معناه الموافقة علي الاكتتاب …. وقد أبلغت ذلك لزملائي .. الذين يحملون لكم أرق المشاعر .. وقد حملوني مهمة تقديم تحياتهم إلي سموكم”.

انتهى هذا الحوار بما تضمنه من تفسير تداخل مع الحوار ليجعل المتلقى أكثر اقترابا من عالم الشخصية ومنظورها النفسي والاجتماعي والفكري، وأكثر تعلقًا بالعمل السردي والتصاقًا به.

________________________________________

الهوامش:

(1) د . عبد الحميد إبراهيم . الأعمال الكاملة . الوسطية العربية مذهب وتطبيق . الكتاب الرابع . نحو رواية عربية . دار المعارف . ط 1 . 1416 هـ ، 1995 م . 411 .

(2) محمد حجاج – حول البرزخ – مطبعة صلاح الدين 2016 – صـ 24

(3) محمد حجاج – حول البرزخ – صـ 32

(4) قصدت من تحليل اللغة وارتباطها بآليات تحقيق النصوص ، بيان ما حدث من تداخل ما بين الأنواع أولا ، ثم بيان أثر هذه الآليات على النص الروائى وكيف تداخلت معه.

(5) د . محمد نجيب التلاوى . الرغبة والتحقيق في أوراق أبى الطيب المتنبى . مجلة الجنوبى . ع . 1 . أكتوبر 1988

(6) محمد حجاج – حول البرزخ – صـ 178

(7) هامش ص 178

(8) محمد حجاج – حول البرزخ – صـ 182

(9) محمد حجاج – حول البرزخ – صـ 145

(10) هامش ص 150

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا