رحلة عبر الزمن (“الجودرية” لمحمد جبريل)

0
د. أسامة شمعون
باحث مصري

كان مشروع محمد جبريل الثقافى (مقاومة القهر بكل أشكاله، والبحث الدائم عن الحرية) هو ما دفعه للغوص في تراث أمته يسترجع منه الذكريات والمواقف الحاسمة في تاريخه ليعيد تشكيل الحاضر بما يتفق مع رؤيته لإصلاح المجتمع مما علق به من شوائب أخفت وجهه الحقيقى.

من هنا كانت روايته ” الجودرية عن تاريخ الجبرتي بتصرف ” رحلة داخل ذلك السفر العتيق ” عجائب الآثار في التراجم والأخبار” لمؤلفه ” عبدالرحمن الجبرتي “.

عجائب الآثار في التراجم والأخبار:

يستمد هذا الكتاب أهميته في أنه أرّخ لفترة شهدت أحداثاً ضخمة في مصر. فقد شهدت هذه الفترة ضعف النظام العثماني الذي قام في مصر منذ فتحها السلطان سليم الأول عام 1517م. ثم شهدت حكم الفرنسيين لها نحو ثلاث سنوات (1798-1801م)، ثم شهدت محاولة النظام العثماني العودة إلى مصر من جديد، ثم محاولة محمد علي الانفراد بمصر. ويعدّ الجبرتي في هذه الفترة الحافلة بالأحداث شاهد عيان، يرى ويسمع فيحلل ويكتب. فقد عاش الجبرتي بين عامي ” 1754-1825″(1) الموافق 1176-1240 هـ. فشهد بذلك النصف الثاني من القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وفي هذه الفترة كانت مصر على مفترق الطرق في اتجاهاتها السياسية. ويزيد من أهمية الكتاب أنه لم يكن كتاب تاريخ فحسب، بل كان كتاباً في تراجم الرجال أيضاً. فقد ترجم الجبرتي للآلاف من العلماء والشيوخ والأمراء والحكام والخطباء والشعراء والكتاب والأعيان والتجار، بل إن كتابه يشمل أخباراً طريفة كذلك عن أبناء الطبقات الدنيا من المجتمع المصري، حيث يورد أسماء كثيرين من الباعة وأهل البدع وبعض أصحاب الطرق والمجذوبين وغيرهم ممن يكثرون أيام الاحتفالات الدينية والمواسم. ويمكن القول: إن الجبرتي يقدم صورة كاملة للمجتمع المصري خلال العصر العثماني.

الجودرية:

وتدور أحداث رواية ” الجودرية “(2) في الفترة من ” يوم الاثنين 18 محرم 1213 هـ الموافق 13يوليو 1798 م “(3) وحتى ” الثامن عشر من أكتوبر عام 1801م”(4).

يناقش محمد جبريل في هذه الرواية المقاومة ضد المحتل والعمالة للأعداء، كتبها بعد ما رأى انسحاب الجيش الإسرائيلى من جنوب لبنان عام 2005 وما حدث لجيش ” لحد ” العميل(5)، فالأديب انعكاس لمجتمعه وزمانه فما حدث لزينب البكرية وأبيها، حدث مع جيش لحد.

ولا بد لنا ونحن بصدد التعرض لأقسام المصاحب النصي المفصحة عن صلة رواية “الجودرية” بتاريخ المنطقة ” مصر – الشام ” ومصر خاصة أن نشير إلى أن المؤلف توسل بها ليبرز موقفه من المقاومة ضد المحتل مهما تعددت أشكاله، وللتاريخ والزمن باعتبارهما يؤسسان الحاضر ليستمد منهما ما يعينه على مواجهة الحاضر والمستقبل “أهاجر إلى التاريخ لأكتب عن الواقع”(6).

وبهذا يتبين لنا أنه حدد زمان تأليفه لروايته ليحملنا على قراءتها في ضوء تلك الإشارة النصية المصاحبة.

هل الرواية تاريخية “معيدة للتاريخ” أم لا؟

الرواية تأسست على بنية تاريخية فقد ” استمدت مضمونها من التاريخ، وحاولت أن توهم بالواقع التاريخي للفترة التي تستحضرها”(7). ولكنها انطلقت منها في رحاب الفنية الروائية وبنت عالمها الروائي من شخصيات حقيقية تراثية وأخرى اصطنعها خيال الروائي وضفر هذه وتلك مع الأحداث التاريخية والمتخيلة أيضا ليخرج لنا عملا فذا أخذ من التاريخ قناعه وقام هو بتجسيد ذلك القناع.

ولا ينفى تصويرها لأحداث ماضية جرت من عام 1213هـ وحتى عام 1216هـ أنها تقطع صلتها بما يجرى في الحاضر أو بما سوف تأتى به الأيام، فما دام المحتل متربصا ببلادنا ستظل المقاومة سلاحا في أيدينا مسلطا على رقابهم هم وكل من عاونهم، وبات ذلك جليا في تصويره لشخصية مراد بك ” الحاكم العاجز، قصير النظر، مقتنى السلاح والمال للاعتزاز غير قادر على المقاومة، وأن أهل البلد هم المقاومون.. تتمثل الصورة أمامنا ملموسة وتدل على صراع لايزال مستمرا، تتغير أسماء الغزاة والجوهر واحد..”(8). من هنا كانت رواية ” شكل تاريخي “، حيث اعتمدت على ” قالب الكتابات التراثية التاريخية… الشكل الذي يستوحيه الكاتب من قالب الكتابات والمؤلفات التاريخية”(9)، فقد استوحت ” الجودرية ” شكل الكتابات التاريخية، ومنها كتاب الجبرتي، في الأسماء والوظائف والأماكن والمراسيم والمنشورات التي استبدلها الفرنسيون بالنداءات لتؤدي دورها ووظيفتها، ولم يكن هذا فحسب بل كان لملابس هذا العصر، وصناعاته وفئات الشعب المصري وجود حاضر في جنبات هذه الرواية.

واللافت للنظر في الجودرية أن البطل الفرد يغيب. ويحل بدلاً منه الجماعة. الجماعة هي التي تتعرض للظلم وهي التي تثور وتتحرك. وتواجه العقوبات القاسية أيضاً !

وإن كانت القصة تدور حول الشيخ خليل البكري وابنته زينب، ويتقاطع مع هذا الخط بطولة جماعية لشخصيات من عامة الشعب المصري وخاصته، تتخللها المقاومة والعمالة والحكم الفرنسى لمصر.

وتبرز قيمة رواية الجودرية أن مؤلفها لم يصطنع أشخاصه اصطناعاً. بل أخذهم بأسمائهم ومواطنهم ومهنهم من واقع الحياة… ولأنه عرف أيضاً- بالغريزة والسليقة – كيف يصب حادثة احتلال مصر من قبل الفرنسيس في قالب فيه من الفن القصصي أنفاسه.

وبما أن العتبة الهادية ” الجودرية – عن تاريخ الجبرتي بتصرف ” التي دلتنى على تعلق رواية “الجودرية ” بكتاب ” عجائب الآثار في التراجم والأخبار ” أكد صلة هذين الأثرين بابنة الشيخ البكري وأحداث الحملة الفرنسية على مصر، فإن الجزء الثالث من كتاب ” عجائب الآثار في التراجم والأخبار ” المتعلق بتلك الجوانب هو الذي يمثل النص الأساسى الذي استند إليه محمد جبريل لتأليف روايته ” الجودرية “.

الزمن:

الجودرية بين الحاضر والماضي:

الحاضر نعنى به زمن الكتابة، فـ ” زمن الكتابة هو المجسد للحاضر، إنه لحظة في غاية الأهمية لأنه يختزل بالضرورة القضايا الساخنة المتفاعلة الحية المؤثرة في وجدان الكاتب وفكره”(10)، وقد حاول جبريل الربط بين حاضره وماضي القاهرة من خلال تخفيه خلف قناع الجبرتي ليصل ما انقطع.

الماضي هو الزمن الذي هاجر إليه جبريل، زمن نزول الفرنسيين الأراضي المصرية، إلى أوان ارتحالهم عنها.

ولا نعنى صراعا بين الحاضر والماضي بقدر ما نعنى حوارا بين عصرين ” زمن الكتابة، وزمن الرواية” يمتاز الحاضر منهما بتقنياته وأنماط كتابته، والماضي بعاداته اللغوية ونظمه الفكرية، لخلق لغة مزيج من هذا وذاك، وهو ما نطلق عليه تداخل النصوص وهو ” ذلك المنهج النقدى الذي يهتم بالبحث والتنقيب، وإعادة إنتاجية التناص الموجود في النص، فهو قراءة توجه لتأويل هذا التناص”(11) فالجودرية كنص أدبي يحاور نص العجائب من أجل ” استلهام الماضي لغة وفكرا، ومن أجل تواصل ممكن بين الزمن الذي مضى والذى ظل حيا عبر لغته التي يجسدها (عجائب الآثار) وبين الحاضر الذي يخفى في داخله – رغم حداثته – بعضا من الحقب السالفة”(12).

من هنا كان تداخل النصوص حلقة وصل بين زمنين مختلفين وإن اتحدا في القصة بداية ونهاية، كل هذا من خلال التداخل النصى مع نص ” عجائب الآثار “، وانطلاقا من هذا كان لنص الجبرتي حضور قوي في رواية الجودرية، فنحن لا نستطيع أن نقرأها بمعزل عن نص الجبرتي.

هذا وقد قسم جبريل جودريته إلى أحد عشر بابا، وخمسة وسبعين فصلا، حدد منذ بدايتها شكلها التاريخي، فصدرها بقوله: “قدمت الأنباء على يد السعاة من ثغر الإسكندرية، بأن الفرنجة نزلوا الشواطئ الشمالية للبلاد يوم الاثنين الثامن عشر من المحرم سنة 1213 من الهجرة النبوية الشريفة، الموافق الثالث عشر من يوليو 1798 من الميلاد”(13)، هذا التحديد الهجري والميلادي للحدث الجلل، مع السرد في شكل الخبر الصحفي أبان عن طبيعة السرد وهو سرد تاريخي تسجيلي تتخلله الحبكة الروائية.

زمن الرواية يسير وفق طابع الترتيب الزمني التتابعي (الكرنولوجي) للوقائع بهدف تكوين “بنية كلية” لهذه الأحداث، تمتد خطياً لتربط هذه الأحداث مع بعضها بعض، على أساس تسلسل زمني مغلق بنقطتي بداية ونهاية. وهو الأمر الذي يؤثر في الناتج النهائي للتحليل، فبدأت بداية تاريخية، وانتهت بحادثة أيضا تاريخية، وبينهما أحداث تاريخية ومتخيلة ساعدته على ” تأثيث المكان واستعادة حرارة اللحظات الإنسانية، والأزمنة الراحلة لشخصياته الحقيقية والمتخيلة”(14)، ضفرها جبريل ببراعة ليصوغ لنا رائعته.

الزمن للأعمال الأدبية بمثابة عمودها الفقري الذي به تستقيم “فلا سرد دون زمن، فمن المتعذر أن نعثر على سرد خال من الزمن”(15). وإلى الزمن وطبيعته داخل البنية الروائية أشار “بحراوي” إلى حركتين أساسيتين تسهمان في الدفع بالسرد إلى الأمام، الأولى ” تتصل بموقع السرد من الصيرورة الزمنية التي تتحكم في النص وبنسق ترتيب الأحداث في القصة”(16). فالأحداث تتوالى على ذهن الروائي في تسلسل وترتيب، إلا أن الأحداث قد تقتضى منه الاسترجاع أو الاستباق، استرجاع استذكاري يتغلغل في أحضان الماضي، أو استباق واستشراف للمستقبل.

الثانية “ترتبط بوتيرة سرد الأحداث في الرواية من حيث درجة سرعتها أو

بطئها”(17)، وهذه الحركة تحتوى على تسريع السرد أو تبطيئه.

واستطاعت الجودرية المزج بين هذين النسقين، رابطة بهما بين الحاضر والماضي كل هذا من خلال هذه المحاور:

السرد الاسترجاعي:

تتميز بهذا النوع الروايات التي تميل إلى استدعاء الماضي، فتوظفه عن طريق استعمال الاسترجاع، الذي يجعل النص ينقطع عن زمن السرد الحاضر ويرتد إلى الماضي يحاوره.

وبالعودة إلى ” الجودرية ” نلمح هذا النوع حاضرا في كثير من فصول الرواية، ومن هذا قوله: ” درس كل ما يتصل بمصر في كتابات الرحالة الفرنسيين: الديانة التي تعتنقها، الشرق الذي تنتمى إليه، جغرافية المنطقة، العادات، التقاليد. قرأ كتاب دى مارينى ” تاريخ العرب ” بأجزائه الأربعة، وكتاب فولنى “الرحلة في مصر وسورية ” وكتاب سافارى “رسائل عن مصر”(18)، وقوله: “استبعد من خلافة أخيه في خلافة مشيخة البكرية، لاتهام بالرعونة، وارتكاب أمور غير لائقة، وأنه ليس أهلاً لمشيخة السجادة. حصل ابن عمه محمد على المنصب، بينما حصل عمر مكرم على قيادة نقابة الأشراف. لم يحصل هو على قيادة المشيخة إلا عند موت ابن عمه”(19)، “لاحظت الأم ـ في طفولة زينب ـ أنها تميل إلى الأفعال الغريبة التي ربما لا تتفق مع جنسها ولا سنها، ومحاكاة الأولاد في ألعابهم مثل المصارعة واللكم، وتميل إلى العراك مع الأولاد والبنات، تحتمى بخوفهم من مكانة أبيها. تضربهم بما تصل إليه يدها، وتصرخ إن حاولوا الدفاع عن أنفسهم. تحرص على أن تلفت الأنظار إليها. تركب الخيل، وتتسلق الأشجار، ربما أخذت ما بداخل الأعشاش من البيض، أو فراخ الطير. حتى النخلة العالية في بيت الأزبكية، كانت تصعد إليها مثل الأولاد، وتنط، وتقفز. تهمل نداءات أمها والأغا بأن تنزل من النخلة. تواصل التسلق حتى تبلغ أعلى النخلة، ثم تبدأ في الهبوط. تظل الأم تحت النخلة حتى تهبط زينب، فتربطها في النخلة نفسها كى لا تعود إلى ما فعلت. وكانت البنت تصر على أن تصحب أباها أو أمها أو أحد أخوتها، لا تطيق البقاء في البيت. وتلعب مع الخدم والعبيد نط الحبل والقفز والاستغماية، والحجلة. أهملت تخويف زمردة من سكان الأقبية ومخلوقات الليل والأعين الملتمعة بالشر والمتاهات وأفعال السحر”(20).

من هذه الأمثلة وغيرها، نلاحظ أن هذه الاسترجاعات – وغيرها كثير – جاءت مبينة لخلفيات ثلاثة من أهم شخصيات الرواية وهم نابليون، والشيخ خليل البكري، وزينب.

المثال الأول، جاء الاسترجاع الزمني هنا بين زمنين حاضرين، دخوله الإسكندرية، واستكمال حملته، ليبين مدى استعداده ذهنيا وعمليا للاستيلاء على أرض مصر، وما فعل جبريل هذا إلا ليضعنا أمام مقارنة بين نابليون القائد العسكرى الغربى، ومراد بك القائد العسكرى الشرقى ” لو أن مراد بك أنصت إلى نصيحة المسيو روزيتى قنصل النمسا !. أدرك الرجل أن احتلال مالطة هو أولى الخطوات نحو الإسكندرية.

قال:ـ مصر هي المقصودة بحملة الفرنسيين..

رفع مراد بك كتفيه، وأظهر السخرية: لا شىء يدعونا للخوف من الفرنسيين، خاصة إذا كانوا كهؤلاء التجار الموجودين عندنا. عندما يصل منهم مائة ألف، يكفى أن أرسل للقائهم التلاميذ المماليك الشبان، يقطعون رءوسهم بحد ركاب سروج جيادهم!”(21).

المثال الثاني، جاء هذا الاسترجاع الزمني ضمن ما أبلغه به تلاميذه – أو ما يحب أن يسمعه – من تصرفات لعمر مكرم نقيب الأشراف، وبين ما يجب أن يكونه بالرغم من استبعاده من خلافة أخيه في خلافة مشيخة البكرية، لاتهام بالرعونة، وهذ يفسر ارتماءه المتوالي في أحضان الفرنسيين، عله يصيب بهم ما لم يستطع بعلمه وفضله وأخلاقه.

المثال الثالث، أفاد الاسترجاع الزمني هنا إلقاء الضوء على طفولة زينب، وكان جبريل موفقا حينما أضاء بمصباحه الزمني هذه الفترة، حيث تمرد الفتاة، وحب الذات ” تحرص على أن تلفت الأنظار إليها “، فعلها كل ما هو مخالف لطبيعتها ” كانت تصعد إليه مثل الأولاد “، كل هذا أبان عن صفاتها (حب الذات ومحاولة لفت الأنظار إليها ولو بالفعل المنافى لـ “جنسها وسنها “ وإهمالها النصح والتوجيه) مما أنبأنا بتصرفاتها المستقبلية.

فكأن هذه المقتطفات من الماضي جاءت لتستشرف المستقبل وتجعله كالنتيجة لما سبق، وأن التاريخ يعيد نفسه، فهذا جيش لحد كالبكري وزينب، والمستعمر هو هو في كل زمان مستعد، واضع لخطط مستقبلية لما سيفعله في الأرض المحتلة.

السرد الاستباقي:

تمثل هذه التقنية ” تصويرا مستقبليا لحدث سردى، يأتى تفصيل القول فيه لاحقا، حيث تتناول أحداثا سابقة عن أوانها يمكن التنبؤ بحدوثها، وهذا ما يجعلها تضطلع بمهمة التمهيد والتوطئة لأحداث آتية يجرى الإعداد لسردها من طرف أحد شخوص النص”(22).

واستفاد جبريل من هذه التقنية، ووشى بها روايته ليحقق أهدافا روائية يكسر بها حدة السرد، وما جاءت هذه الاستباقات إلا في أحداث تاريخية حقيقية، مستخدما مهاراته الصحفية، ومن هذا قوله: ” هل المصادفة هي التي حددت موعد لقاء القائد العام والعلماء، أو أن بونابرت اختار يوم إعدام السيد محمد كريم للقائه بهم؟

أمر القائد العام بإبقاء السيد محمد كريم محافظاً للمدينة. حين عرف أن الرجل على صلة بالأهالي الذين يقاومون الفرنسيين، اتهمه بالخيانة، وإن تردد في إدانته بما يعرضه للعقاب. حدثه أعوانه عن حب الإسكندرية للرجل، وشهرته التي امتدت إلى القاهرة والمدن الأخرى. ثم تحدثت تبليغات الأرصاد عما يمتلكه الرجل من أموال هائلة لا يعرف موضعها سواه، فقرن العفو عنه بفدية تنجيه من الإعدام. طالبه بأن يدفع غرامة ثلاثمائة ألف فرنك، يسددها في اثنتي عشرة ساعة، أو تفصل رأسه.

لم يكن في حوزة المحافظ قيمة الغرامة، ولا أقل منها. تعددت التماساته إلى الأعيان والوجهاء: اشترونى يا مسلمين !. لم يبذل أحد من ماله لكى ينقذه، أو أنه لم يكن بحوزتهم ما يفتدونه به، فتركوه لمصيره. شفع فيه أصحاب العمامة، فلم تقبل لهم شفاعة. أعدم في الخامس من سبتمبر 1798، واحتزت رأسه. طاف جنود الفرنسيين بها شوارع المدينة ينادون: هذا جزاء الخائن!”(23).

فقوله: ” هل المصادفة……” استشراف لما سيحدث من إعدام محمد كريم، كموجز إخباري، ثم التفصيل بعد ذلك.

جاءت هذه الفقرة وصفا لجدول أعمال القائد العام، بين وعد بالأمان للمشايخ ” عاد – بالطمأنينة – كل من وصلت إليه كتب الأمان وشيخ السادات والشيخ الشرقاوى ومعظم الأهالى. صدعوا بأمر القائد العام، وأبرزوا الطاعة والانقياد. عادوا إلى الصلاة في المساجد… “، وبين استقباله لـ ” حملة العمامة والأقلام والوجهاء “، كل هذا ليبرز الوجه الحقيقى لنابليون (المستعمر) وعد بالأمان، ثم إعدام للخونة (الوطنيين)، ثم ملاطفة واستمالة. وليبين للمصريين رحمته وعذابه لمن يعصونه.

المثال الآخر على هذه التقنية، قوله:

” ظل أهل الإسكندرية ليلهم فوق الأسطح وخارج البيوت. يتابعون أصداء المعركة في خليج ” أبو قير” بين الفرنسيين والإنجليز. لم تهدأ أصوات دوى المدافع ولا الانفجارات إلا بعد ظهر اليوم التالي.

عندما لاح خليج ” أبو قير ” أمام الأسطول الإنجليزى، كان الأسطول الفرنسى راسياً بأكمله في الخليج، وكان نابليون بونابرت في القاهرة.

ارتفع دوى المدافع. حجب الدخان صفحة المساء ومرئيات البحر. تعالت النيران والصرخات والحشرجات. اختلطت السفن، فلم يفطن البحارة إن كان ما وجهت إليه مدافعهم من سفنهم أم من سفن الأعداء.

دمر أسطول الإنجليز كل ما كان يضمه أسطول الفرنسيين من سفن. غاص في أعماق البحر أربعة آلاف قتيل فرنسى، ودمر أسطول الحملة عن آخره. حتى السفن العشر التي سلمت من الغرق، رفعت الأعلام البيضاء مستسلمة. حتى الكنوز التي قدم بها الفرنسيون من مالطة، ابتلعتها المياه. وصل إلى الشاطئ أقل من ثلاثة آلاف بحار من أصل ثمانية آلاف. قتل الآخرون، أو أسروا”(23).

يوجز جبريل هنا معركة أبى قير البحرية، وتدمير الأسطول الفرنسى، كاشفا عن الوجه الخفي من هذه المعركة، وهو حالة أهل الإسكندرية أثناء المعركة ” من ترقب إلى خوف وقلق، وانتظار لما ستسفر عنه المعركة “، وجاءت هذه الاستباقة الزمنية، ثم تفصيلها ليبرر للحدث الروائي التالى، وهو استمرار نابليون في حملته، وعدم التفكير جديا في الرحيل: ” لم يعد لدينا أسطول؟… حسنا. فلنمت هنا، أو نخرج عظماء مثل السابقين. ما حدث سيدفعنا إلى فعل أشياء لم نعد أنفسنا لها!”.

بالسرد الاسترجاعي، والسرد الاستباقى، يجعل جبريل قارئه يبصر الأحداث مجتمعة، يعود به إلى الوراء ليستنتج النتائج، ويقفز به زمنيا ليمهد له ما سيأتى من أحداث تؤثر في سير العمل الروائي، فكأنه حين أتى بإعدام السيد محمد كريم بين وعد بالأمان وملاطفة لكبار رجال البلد، ليرسخ هذه الصورة أمام أعين المصريين، من أطاع فله الود والملاطفة، ومن عصى فله الإعدام: ” هذا جزاء الخائن “.

وقد يلجأ الروائي إلى تعطيل الزمن السردى وجعله يمشى بوتيرة بطيئة، وذلك من خلال ” تقنية الوقفة”(24).

الوقفة:

تعد الوقفة تقنية من تقنيات تعطيل السرد، تساعد في إدارة الأحداث وترابطها، من خلال بعض المقاطع الوصفية، للأشخاص أو للأماكن، ومن ذلك:

– ” في حوالى الخامسة والعشرين. يتنفس العافية. حلق شعر رأسه من الجانبين، ترك ما يشبه الخصلة تتدلى على جبهته. وجهه أسمر، تكسوه ابتسامة طفولية، وعيناه صاحيتان، وأسنانه مفلجة، وتنتهى ذقنه بلحية صغيرة مدببة، في ظهر يده أثر حرق، أو كى بالنار، يرتدى جلبابا أزرق بياقة مفتوحة، يبدو الصديرى المخطط من فتحة الجلباب. فك الأزرار الكثيرة المتقاربة، ففزت غابة الشعر الكثيف، يضع على كتفيه شالا مزين الأطراف”(25) في هذا المشهد الوصفى يتوقف جبريل قليلا ليعرفنا على بطل الرواية الممثل للشعب ومقاومته ضد المحتل، فيصفه بأوصاف جسمانية تنم على القوة والفتوة ” في حوالى الخامسة والعشرين. يتنفس العافية – وجهه أسمر – وعيناه صاحيتان “، وعلى تدينه ” وتنتهى ذقنه بلحية صغيرة مدببة ” ” قال الشيخ المقدسى: المصيبة أننا لم نقلد الفرنسيين إلا في حلق الذقون”(26)، كما جاءت أوصاف ملابسه البسيطة والتي اشتهرت بها الطبقة العاملة من أولاد البلد في مصر لتضيف إلى ما سبق دليلا آخر على مصريته الشديدة فلا عجب إذا أن يكون هو قائد المقاومة الشعبية، كما جاء هذا الوصف لمختار، يسبقه ذكر للشيخ بدر المقدسى ” من قادة المقاومة ” كل هذا ضمن الباب الثانى، يليه الباب الثالث ويفتتح بذكر الشيخ خليل البكري(27) ذكر فيه حياة وبذخ وترف المشايخ المفترض فيهم ظهور مبادئ الإسلام، والدفاع عن الشعب، فهم رؤسائه والمقدمون في كل الأمور، ولكن الدنيا استهوتهم! – رأس المتعاونين مع الفرنسيين، ليرسخ قاعدة أساسية وهى أن هذا الشعب أصيل أمين غير خائن وأما الخيانة والعمالة فمستحدثة عليه، تأتى من قلة تالية لإجماع على الوطنية.

– “السيدة بولين…

كانت في حوالى الخامسة والعشرين… أميل إلى السمنة. شعر كستنائى. عينان زرقاوان، تومضان بلمعة المكر، وترمقان ما حولهما بنظرات متوجسة. أنفها أقنى صغير. تتدلى من عنقها سلسلة ذهبية، تنتهى بصليب ذهبى صغير. ترتدى فستانا أبيض، طرزت حواشيه بالدانتيلا البيضاء، وأحاطت وسطه بحزام عريض، أخضر، وغطت كتفيها وصدرها بشال من القطيفة الزرقاء، فوق شفتيها شعرات صفراء، خفيفة، وفى صوتها لدغة واضحة. تثق في نفسها إلى حد الجرأة، وربما التعالى على الآخرين..” (28) أتى هنا بصفات بولين التي تنم على المكر والخديعة لتنير لنا الطريق إلى أول درجات سقوط زينب، فجاءت صفاتها متوافقة مع طبيعة عملها الحقيقى ألا وهو متعة ” السلطان الكبير”(29) من عينين زرقاوين، تومضان بلمعة المكر، واستعمل كلمة ” تومضان ” بدلا من تشتعلان أو تتدقدتان – مثلا – للمزيد من المكر والخداع في خلسة، ودون أن يشعر أحد، كما جاء الوصف الظاهرى لها متمما لمكرها وغربتها عن مصر.

– ” كان القصر حديث البناء. أنفق عليه الألفى أموالا طائلة. من حوله حديقة واسعة، تظللها أشجار السرو والبرتقال، وتتناثر فيها النافورات المنبثقة في تكوينات، السلالم رخامية، متداخلة بالمرمر والجرانيت الأسوانى، والأرضيات من الفسيفساء، والأسقف والجدران مزخرفة بالنقوش الإسلامية. ونافورة رائعة تتوسط قاعة الاستقبال، وفى القاعات والحجرات ينتظم فاخر الأثاث والرياش. والحمامات متناثرة في كل طابق كان الخلاء الترابى يمتد أمام القصر، وإلى يسار الواجهة شجرة جميز هائلة، لم يمنع القائد العام عامة المصريين مما ألفوه من الجلوس في ظلها”(30) وصف لمقر القائد العام، ينم على الثراء الفاحش الذي كان يحيا فيه المماليك، ثم ورثه الفرنسيون، وجبريل يرمى من وراء هذا الوصف إلى إبراز مدى تعالى وانعزال المماليك في قصورهم الفارهة، وابتعادهم عن المصريين وحياتهم، مما سبب تلك النكبة وهى احتلال مصر، كما توضح تلك الصورة مكر الفرنسيين وقائدهم العام ومحاولته التقرب من المصريين لكسب ودهم وإضفاء الشرعية على تواجده بينهم، فبات يتصرف كأنه مالك هذه الأرض وصاحبها، فــ ” لم يمنع القائد العام عامة المصريين مما ألفوه من الجلوس في ظلها “.

ونلاحظ هنا أن جبريل أكثر من الوقفات ” تعطيل السرد ” ليعمق ويزيد من حدة ارتداده إلى الماضي بكل مافيه من أماكن وأشخاص وملابس(31)، وليستنبط منه ما تشابه من مواقف وأحداث أثرت في حاضرنا، وما نستفيده منها لكى نأخذ العبرة والعظة للمستقبل.

وكأن رغبة العودة للماضي بكل ما فيه اشتدت بجبريل فعاد له، ومن هنا تحققت خصوصية الجودرية من حيث هي رواية تستند إلى التاريخ في الغوص في تخيل أحوال المجتمع المصري إبان الحملة الفرنسية، من خلال اتباعها لأسلوب ” التصوير الوثائقى أو التسجيلي“(32)، فتذكر النداءات، والفتاوى، والمنشورات، والبيانات، والملصلقات، والأذان. وسائل إعلام العصر.

النداءات:

استخدم جبريل النداءات للدعوة إلى المقاومة، مع عدم ذكر لهيئة المنادى، أو اسم مصدر القرار أو وظيفته، مع اقتضاب – في النداء – مقصود روائيا لأن الموقف أهم من هذا، ولازدحام النص بالأحداث: ” ترامت رائحة الفرنسيين إلى ناس القاهرة. تعالى النداء من فوق المآذن قبل صلاة الفجر أيها الناس، استيقظوا، سنقاتل الفرنسيين… نودى بالنفير العام.. خرج أهل القاهرة من طائفة العسكر والمدنيين – فيما عدا العجائز والنساء والأطفال – إلى المتاريس للجهاد في

سبيل الله”(33)، “نزل شيخ صغير السن من الأزهر. راح ينادى في الشوارع والعطوف والدروب المحيطة: كل مؤمن موحد بالله، عليه بجامع الأزهر، اليوم لابد لنا من أن نغازى مع الكفار !… طاف بالشوارع مجاور يكرر النداء: كل موحد بالله عليه بجامع الأزهر. اليوم نغازى في الكفار!”(34)، “خرج السيد من عزلته الاختيارية. لزم بيته منذ أعاده نابليون من يافا إلى القاهرة، غضب من تخاذل المماليك. لم يعد أمامه إلا أن ينادى المصريين ليدافعوا عن أنفسهم.

سار المنادون في المدينة، يذيعون في الناس ما ينبغى لكل واحد أن يقوم به، وما يجب على الجميع أن يتبعوه.

لبى الناس نداء عمر مكرم… تنازل الجميع عن معظم ما يملكون لشراء السلاح والذخيرة والخيام”(35).

نلاحظ هنا:

استخدام مفردات من المعجم الديني ” كل مؤمن موحد بالله – كل موحد بالله “.

بيان لدور الأزهر في المقاومة، نداء، وملجأ.

وارتباطا بهذا اللون كان الأذان في غير أوانه معلنا عن الجهاد ضد الفرنسيين، كما سبق ” طالب القائد العام بإبطال رفع الأذان في غير مواقيت الصلاة. الأذان في غير موعده، إشارة التنفيذ لعمليات ضد جنود الفرنسيين”(36). والتحاما أكثر بطبيعة الشعب المصري في ذلك الوقت، أو لنقل التصاقا أكثر بمفردات هذا العصر كان للسقا ” حميدة أبو قطة ” دورا مشابه لدور المنادى أو الإعلام ” السقا له دوره فيما يفعل. يتجول بالقربة المحمولة على ظهره في الشوارع التي لا تستطيع الجمال دخولها، أو السير فيها. ينقل الأخبار من جولاته في البيوت، ويوزع التعليمات على المتعاملين مع جماعة الرمادى. يخبره الرمادى بنص ما يردده في أذان الناس، يهمس به كأنه الدعاء، أو التمتمة. يمضى في داخل العطوف والدروب والشوارع الضيقة. تبطئ خطواته في المواضع التي يشتد فيها الزحام. يقترب من الناس، أو يقتربون منه. يتلقون منه الرسالة، ويعدون أنفسهم للحدث المرتقب. لم يكن ما يخطه بالطباشير على جدران البيوت ـ كما يبدو ـ بعدد المرات التي حمل فيها قرب الماء إلى كل بيت. كان يحدد ساعة اللقاء، أو موعد الخروج لعملية ما. ربما جعل من دابته علامة التهيؤ لما سيجرى. رنين جرس يضعه في عنق الدابة. يقترب الناس منه، أو ينادون عليه بما يبدو كأنه العفوية. يكتفون بملء الأزيار، ما يقتصر على الشبر الواحد، أو أقل، أو يتظاهرون بطلب الشرب في كوب أو كوز. يكتفى السقا بذكر مكان اللقاء المرتقب، وموعده ويمضى مخترقا الأسواق والشوارع والأزقة”(37).

لم يقتصر دوره على النداء والإعلام، بل تجاوز ذلك إلى نقل الأخبار، كل هذا تمشيا مع زمن الرواية، وتداخلا فيه.

________________________________________

الهوامش:

(1) تاريخ الفكر المصرى الحديث من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل . د لويس عوض . مكتبة مدبولى . الطبعة الرابعة . 1978 . صـ 178

(2) طبعت مرتين الأولى عام 2005 عن المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة ، والثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب – مكتبة الأسرة – سلسلة الآداب عام 2006.

(3) محمد جبريل . رواية الجودرية ص15.

(4) القاهرة تاريخها وآثارها (969 – 1825) من جوهر القائد إلى الجبرتى المؤرخ . د . عبد الرحمن زكى . الدار المصرية للتأليف والترجمة . 1966 م . صـ 266

(5) هذا ما ذكره لى أثناء حديث خاص جمعنى به.

(6) القاهرة – مكتب الشرق الأوسط – من الأمير أباظة – الشرق الأوسط – العدد3713 – الجمعة 27-1-1989

(7) محمد حسين أبو الحسن . الأشكال التراثية وتجلياتها فى الرواية المصرية فى النصف الثانى من القرن العشرين .رسالة ماجستير. كلية البنات . جامعة عين شمس . 2005 . صـ 217

(8) الجودرية لحمد جبريل .. التاريخ إن حكى . عبد المجيد زراقط . مقالة لم تنشر بعد استعرتها من مكتبة الأستاذ محمد جبريل .

(9) د. مراد عبد الرحمن مبروك . العناصر التراثية فى الرواية العربية فى مصر. دراسة نقدية (1914 – 1986) . دار المعارف . الطبعة الأولى . 1991 .237 .

(10) عبد السلام الككلى – الزمن الروائى (جدلية الماضى والحاضر عند جمال الغيطانى من خلال الزينى بركات وكتاب التجليات) . مكتبة مدبولى 1992.

(11) حسن محمد حماد . تداخل النصوص فى الرواية العربية . الهيئة المصرية العامة

للكتاب . 17 .

(12) محمد جبريل . الجودرية . 13 .

(13) السابق 15 .

(14) محمد حسين أبو الحسن . الأشكال التراثية وتجلياتها فى الرواية المصرية فى النصف الثانى من القرن العشرين .رسالة ماجستير. كلية البنات . جامعة عين شمس . 2005 . صـ 214 .

(15) بنية الشكل الروائى – حسن بحراوى – المركز الثقافى العربى – ط 1 – 1990-

صـ 117 .

(16) بنية الشكل الروائى – حسن بحراوى – المركز الثقافى العربى – ط 1 – 1990، ص 119 .

(17) السابق، نفسه.

(18) محمد جبريل . الجودرية 21 .

(19) السابق 64.

(20) محمد جبريل . الجودرية 72 / 73 .

(21) السابق 16 -17 .

(22) بهيجة مصاق . التصوف فى الرواية العربية الولى الطاهر يرفع يديه بالدعاء للطاهر وطار نموذجا . 42 .

(23) محمد جبريل . الجودرية. 39 -40.

(24) حسن بحراوى . بنية الشكل الروائى صـ 119

(25) محمد جبريل . الجودرية. 49 .

(26) السابق. 51 .

(27) السابق . 63 .

(28) محمد جبريل . الجودرية 78 .

(29) السابق . 133 .

(30) السابق. 39 . وانظر أيضا وصفه صـ 81 .

(31) كوصفه لملابس مختار الرمادى ونورين .

(32) عبد السلام الككلى – الزمن الروائى (جدلية الماضى والحاضر عند جمال الغيطانى من خلال الزينى بركات وكتاب التجليات) –مكتبة مدبولى 1992.

(33) محمد جبريل . الجودرية 32-33.

(34) السابق 144 – 145.

(35) السابق . 188.

(36) محمد جبريل . الجودرية 216 .

(37) السابق 102.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا