المقهى الأدبي.. عِنَاقُ النرجيلة والقهوة والقلم

0
محمد عبدالرحيم الخطيب
كاتب وباحث مصري

“المقاهي” في معظم المدن العربية ملمح حضاريٌّ لا يمكن إغفاله أو تجاوزه عند التأريخ لحيوات كثيرٍ من هذه المدن. وإذا صحت الرواية التي تقول إن مشروب “القهوة لم يدخل مصر إلا في القرن السادس عشر الميلادي”(1) وتحديدًا عام 1591م؛ فإن الراجح هو أن تسمية “المقاهي” لم تُعرف إلا في أُخريات ذلك القرن أو في بدايات القرن السابع عشر الميلادي، وصارت تُطلَق على تلك المجالس والأماكن التي كان العرب يتخذونها ويفيئون إليها طلبًا للراحة والهدوء والسمر، لا سيما في أماسيهم.

 وبعد ظهور التدخين في مصر، الذي يُقال إنه كان عام 1012هـ، بدأت عادة التدخين تتسلل إلى المقاهي، فصار من الخدمات التي تُقدَّم للزبائن.

ولا يعنينا الدخول في تفاصيل الخلاف حول حرمة شرب القهوة أو حلّها لدى ظهورها في اليمن والحجاز، ثم انتقالها إلى مصر، وكذا الخلاف حول حرمة التدخين من عدمها، أو اختلاف شكل المقاهي في بدايات ظهورها عما هي عليه الآن؛ فالذي يعنينا هو تلمُّس الدور الثقافي للمقاهي في المجتمعات العربية. فإذا كانت الوظيفة الأولى للمقاهي -ولا تزال- هي كونها مُلتَمَسًا للهدوء وصفاء الذهن، وملاذًا من ملاحقة المشاكل والضغوط اليومية؛ فإن لها دورًا ثقافيًّا بدأ يتشكل منذ القديم وإلى أن صار مكتمل الملامح مع بدايات القرن العشرين. فمع ازدياد المقاهي وانتشارها وتنافسها فيما بينها، صار بعضُ أصحابها يستقدمون رُواة القصص والسير الشعبية لقصِّ حكاياتهم على أسماع رواد هذا المقهى أو ذاك، وهو دور ثقافي صار للمقهى من غير إرادة أو تعمُّد. وبعض هؤلاء الرواة يُعرفون بـ”الهلالية” لتخصصهم في سيرة أبي زيد الهلالي، وبعضهم يُعرفون بـ”الظاهرية” نسبة إلى الظاهر بيبرس. وكانت القصص التي تُروى بالمقاهي كثيرة، وأهمها: “قصة سيف بن ذي يزن، وألف ليلة وليلة، وسيرة عنترة العبسي. وكان المنشدون يتخذون آلات الطرب كالربابة والعود، وقد قضى الراديو على هذه الطائفة قضاءً مُبرمًا”(2).

ويبدو أن الأمر في المقاهي لم يقف عند هؤلاء الرواة؛ بل تعداه إلى فنون أخرى، وفي ذلك يقول عبدالمنعم شميس: “وكانت هذه القهاوي لا تخلو من فن من الفنون السائدة في المدينة، وهي السير الشعبية التي يرويها شاعر الربابة، والرقص من العوالم، والغناء، وألعاب خيال الظل، أو فنون الأُدباتية التي يقدمها بعض أصحاب المواهب الأدبية من المهرجين بأسلوب زجلي مرتجل يتناول الحياة العامة بالسخرية والنقد والتجريح، في كثير من الأحيان. وكانت تبدأ بجملة مشهورة يقول فيها الأدباء عادة: “أنا الأديب الأُدباتي”، ثم يروي بعد ذلك حكايته على أنغام طبلة صغيرة يدق عليها بقطعة من الجلد. وكان عبدالله النديم أشهر أدباتي في مصر في الجيل الماضي… ومن الفنون القولية التي كانت معروفة في قهاوي القاهرة فن القافية، وهو فن مباراة كلامية بين شخصين يطلب أحدهما من صاحبه أن يدخل معه في قافية، وعندما يقول الأول كلامًا لاذعًا في وصف صاحبه يقول له الشخص الآخر كلمة (اشمعنى).. فيرد عليه الآخر ردًّا لاذعًا”(3).

وقد ذكر علماء الحلمة الفرنسية أن من فنون وآداب المقاهي في مصر: الأغنيات الملحنة، والعوالم والغوازي، والملاحم الشعبية الشعرية التي يؤديها رواة الربابة، والمدائح النبوية في المناسبات الدينية. كما عرفت بعض المقاهي فن “خيال الظل” و”الأراجوز” و”الحكواتي”، لا سيما في بلاد الشام التي انتشرت فيها مهنة “الحكواتي” وكانت لها تقاليدها المتبعة إلى وقت ليس ببعيد.

ومع بدايات القرن المنصرم، رأينا أن المقاهي صارت ملتقى للفنانين والمبدعين، وصار بعضهم يتخذها مكانًا لجلساتهم الثقافية والفكرية، فضلًا عن اتخاذها مكانًا للإبداع والتأليف من قبل بعض الكُتَّاب، كما صار المقهى -كذلك- مكانًا للنقاش حول كثيرٍ من قضايا الوطن العربي وآماله وآلامه، سواء بين عامة رواده أو بين خاصّتهم من المثقفين والكتاب والمبدعين، “فـ(المقهى الأدبي) -وعلى امتداد الأجيال- عاش مع القضايا العربية، وعكس ملامح العصر، وفيه وُضعت بعض الخطوط من حضارتنا، وأفضى الأدباء فيه بآرائهم في الكثير من القضايا والمشكلات التي يُوليها الرأي العام أهمية كبرى”(4).

مقاهي الأدب في القاهرة:

وقد زخرت القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين بالعديد من المقاهي الشهيرة، ومنها: “مقهى أفندية” وكان بالقرب من الجامع الأزهر، وقد أشار إليه عبدالله باشا فكري في بعض رسائله. و”مقهى نوبار” الذي كان ملتقى الفنانين والمطربين، ومنهم: عبده الحامولي، وباسيلي بك عريان، وخليل مطران. و”مقهى السنترال” الذي صار “كازينو الأوبرا” حاليًّا، وفيه كانت تُعقد ندوة أدبية كل يوم جمعة لنجيب محفوظ. وفي العتبة كان “مقهى متاتيا” وكان يرتاده: جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وسعد زغلول، وإبراهيم الهلباوي، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني، والشيخ فهيم قنديل. وفي شارع محمد علي يوجد “مقهى التجارة” ومعظم رواده من الموسيقيين العاملين بالفرق المعروفة في هذا الشارع. وفي نهاية هذا الشارع “مقهى الكتبخانة” وكان من رواده: حافظ إبراهيم، والشاعر محمد عبدالمطلب، والشيخ عبدالعزيز البشري، والشيخ حسن الآلاتي. وفي حي الحسين “مقهى الفيشاوي” الشهير، ومن أشهر رواده نجيب محفوظ. أما “قهوة الفن” فكانت تقع في مواجهة مسرح رمسيس، ويرتادها غالبًا البائسون من الفنانين والكومبارس. ولا يزال “مقهى ريش” من بين المقاهي الأشهر بالقاهرة.

مثقفو تونس.. والمقاهي:

ويحدثنا الكاتب التونسي رشيد الذوادي عن عددٍ من المقاهي الثقافية التي انتشرت في بلاده، ومنها تلك المقاهي التي كانت قريبة من “جامع الزيتونة”، وعلى رأسها “مقهى القشاشين” الذي كان رائدًا في هذا الأمر؛ إذ كان يؤمُّه عدد من المشاهير فضلًا عن طلاب الزيتونة وعدد من الأدباء والشعراء، ومنهم: شاعر تونس الكبير محمد الشاذلي، والبشير الفورتي، والمختار الوزير، وعبدالحميد المنيف، ومحمد العروسي المطوي، وغيرهم. كما اشتُهرت مقاهٍ أخرى في تونس مثل “مقهى المرابط” و”مقهى زمارة” اللذين كانا ملتقى لرواد الأغنية التونسية والموسيقيين. و”مقهى الهناء” بباب الجديد الذي حفل بأسمار الأدباء: البشير الفورتي، ومحمد العربي الكبادي، ومحمد المرزوقي، والهادي العبيدي، وعبدالمجيد بنجدو. كما اشتهرت مقاهي: “العياري” بباب الجديد، و”الأندلس” بنهج جامع الزيتونة، وفيه يقول الروائي شكري المبخوت: “يضج المكان في الذاكرة بحكايات لا تنتهي، ولكنها تعود. فلو كنا نعلم لتوقفنا حتى نمتلئ باللحظة التي أحسسنا فيها فجأةً بأننا في أقصى درجات الانسجام والتوازن. ولو كنا نعلم أن الحكاية جميلة -كما نتذكرها الآن- لاستحضرنا التفاصيل، ودققنا الوصف، وفرّعنا الأحداث، وعلقنا، وشرحنا، حتى لا تنتهي الحكاية. لو كنا نعلم أن بقايا (البن) في اللسان سنشتاقها، وأن (ورقة النعناع) في كأس الشاي الأخضر، وقد علقت يومًا بالشفة السفلى سنشتهيها؛ لما لفظنا الورقة بطرف اللسان، ولما شربنا الماء من ذلك الإناء مركِّزين على ما خُطَّ داخله بالشفاء.. لو كنا نعلم”(5).

أما “مقهى تحت السور” الكائن بربض باب سويقة في تونس العاصمة فقد اكتسب شهرة واسعة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الفائت، وكان منتدى للصفوة من الأدباء والمثقفين والفنانين، وفيه كانت تُعقد مجالس أدبية منتظمة تُعرض فيها الأعمال الأدبية المتنوعة، وقد أُطلِق على رواد هذا المقهى من الأدباء (مجتمع العيون) لابتداء أسمائهم أو ألقابهم بحرف العين، ومنهم: عبدالعزيز العروي، وعلي الدوعاجي، والهادي العبيدي، ومحمد العربي، وغيرهم.

على ضفاف نهر بردى:

أما في الشام، فقد راحت المقاهي تنتشر على ضفاف فروع نهر بردى مع مطلع القرن العشرين، وقد اشتُهر شارعا “العابد” و”بغداد” بالمقاهي الكثيرة. ومن بين المقاهي العديدة التي كان لها إسهام ثقافي مهم مقهى “الكمال” بدمشق، وكان موئل عدد من الأدباء في أواخر العشرينيات ومطلع الثلاثينيات، أهمهم العراقي أحمد الصافي النجفي الذي كانت أحاديثه وأشعاره محورًا لكثير من جلسات هذا المقهى. كما كان هناك مقهى “الرشيد”، وكان يُعرف قبل ذلك بمقهى “اللونا بارك”، وقد ظل هذا المقهى حتى خمسينيات القرن العشرين، وكان مسرحًا صيفيًّا يُقدم أيضًا الأفلام السينمائية، وكثيرًا ما تحول مسرحه إلى منبر للحفلات الخطابية السياسية والانتخابية. أما مقهى “الطاحونة الحمراء” فكانت صباحاته تكتظ بالصحفيين العاملين في الصحف اليومية. في حين يلتقي قدامى السياسيين والوزراء بمقهى “البرازيل” الذي يقع في شارع “بورسعيد” بدمشق، وقد تردد عليه -كذلك- عدد من كبار رجال الأدب والفكر الذين عاشوا في دمشق، ومنهم: سعيد الجزائري، د. بديع حقي، نسيب الاختيار، د. سامي الدروبي، د. شاكر مصطفى، وغيرهم. هذا بالإضافة إلى عدد من المقاهي التي اشتهرت بتردد الأدباء والفنانين والسياسيين عليها، ومنها: مقهى الهافانا، ومقهى الكمال الجديد.. إلخ.

مقاهي بغداد.. حاضنة التجديد:

أما في بغداد فكان لشارع الرشيد، الذي افتُتح في عهد الوالي العثماني خليل باشا عام 1916م، حصة الأسد من المقاهي الأدبية الشهيرة؛ إذ قامت على جانبيه كلٌّ من مقاهي: الشابندر، والزهاوي، والبرلمان، والبلدية، والمقهى الفني أم كلثوم. وكان لهذه المقاهي الأدبية دور سياسي بارز يتمثل في مناهضة الاستعمار البريطاني والتصدي لمخططاته، وكان شارع الرشيد ومقاهي منطقة “الحيدر خانة” -تحديدًا- مركز تجمعات المثقفين والسياسيين وتظاهراتهم المعارضة للعثمانيين والاستعمار البريطاني، وكان من أبرز الشخصيات الثقافية التي غذّت الحماسة الوطنية وألهبتها مع بدء ثورة 1920 الشاعر والخطيب محمد مهدي البصير. كما شهد شارع “الحيدر خانة” ومقهى “عارف أغا” عددًا من الاحتفالات التي كان يُحييها الشاعر معروف الرصافي، لتتحول إلى تظاهرات تخرج من المقهى لتنضم إلى الحشود، وفيها يشترك عدد من أبرز الوجوه الوطنية والثقافية في العراق. وقد شهدت هذه المقاهي انطلاقة التظاهرة الكبيرة عام 1948م لإسقاط حكومة صالح جبر، ملغية معاهدة جبر بيفن المبرمة بين العراق وبريطانيا.

وإضافة إلى هذا الدور السياسي البارز للمقاهي البغدادية، فقد كان لها دور أدبي كبير؛ فبين جدرانها خرجت المحاولات الأولى لتطوير القصيدة العربية، وكذا التجديد لدى الجماعات التشكيلية، ومعارض الرسم؛ فهي بحق حاضنة لكثير من محاولات التجديد الكبيرة في الأدب العربي.

ومن أشهر مقاهي بغداد “مقهى الزهاوي”، ويقع في شارع الرشيد على رأس جسر الشهداء الذي يربط بين جانبي بغداد: الكرخ والرصافة. وكان ملتقى النخبة الثقافية، وعلى رأسهم: الشاعر والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي، والشاعر معروف الرصافي، وشاعر العراق محمد مهدي الجواهري، وعالم الاجتماع علي الوردي. وقد شهد هذا المقهى سلسلة المقالات التي كتبها الزهاوي في نقد شعر عباس محمود العقاد، وتناقلتها الصحافة العراقية والمصرية تحت عنوان المعارك الأدبية في الثلاثينيات، كما شهد المقهى حلقات السجال والمناقشة الطريفة التي انعقدت بين الشاعرين الزهاوي والرصافي، وشغلت الناس بأجوائها، وانقسم جمهور المقهى حول الشاعرين. لكن الرصافي لم يلبث أن ترك هذا المقهى، منتقلًا إلى مقهى “عارف أغا” الذي صار مقرًّا جديدًا له، ومعه مريدوه الذين أحاطوا به. وبعد سنوات جرت مصالحة بين الشاعرين بحضور أعداد غفيرة من الأدباء والمثقفين والسياسيين(6).

ومن المقاهي الأدبية الشهيرة في بغداد: مقهى حسن عجمي، ومقهى الواق واق، ومقهى البرازيلية، ومقهى ياسين، ومقهى البلدية، ومقهى البرلمان، ومقهى الرشيد.

أدباء السودان والمقاهي:

في فترة الخمسینیات والستینیات كان للمقاهي دور في الحراك الثقافي بالسودان، وكان من أشهر تلك المقاهي وأبرزها أثرًا في الحركة الأدبية والفنية في السودان مقاهي أم درمان، ومن أهمها: “مقهى ود الأغا”، ومن أشهر رواده: مصطفى حامد الأمين، ومحمود إدريس، وإسماعيل خورشيد، والطاهر حسن السني، ومصطفى ركابي. وكان مصطفى حامد الأمين يثير القضايا الفلسفية والدينية، في حين كان محمود إدريس ميالًا إلى السياسة، وخورشید مشغول بقضايا المسرح والشعر الغنائي. و”مقهى أحمد خير”، وكانت تعقد فيه ندوة أدبية مساء كل ليلة يحضرها الشاعر السوداني أحمد محمد صالح، والشاعر إبراهيم العبادي.. إلخ. و”مقهى جورج مشرقي” ويقع في وسط سوق أم درمان. بالإضافة إلى مقاهي: “ود الحسين”، و”أولاد الفكي”، و”الحلواني”.

كما اشتُهر بين المقاهي السودانية بالخرطوم مقهى “المحطة الوسطى”، ومن الأدباء السودانيين الذين كانوا يرتادون هذا المقهى: الأديب مبارك إبراهيم رائد الجيل الثاني لحقيبة الفن بعد علي شمو، وصلاح أحمد محمد صالح. ومقهى “شناكة”، ومن أبرز رواده الفنانان إبراهيم الكاشف وحسن عطية، والصحفي رحمي محمد سليمان، وعثمان المشلي صاحب النكات المضحكة الذي يُعتبر من أشهر ظرفاء الخرطوم.

ويُعتبر “مقهى أتينيه” من أشهر مقاهي الخرطوم، وفي الستينيات والسبعينيات أضحى مكانًا راقيًا يرتاده مشاهير المجتمع، لا سيما الساسة وأهل الأدب والفن والصحافة ورجال الأعمال.

لبنان.. سحر الشرق:

منذ ثلاثينيات القرن العشرين عرفت مدن لبنانية عديدة المقهى الأدبي، وفيه دارت نقاشات وحوارات متعددة في كل قضايا الأدب والفكر والثقافة. وأبرز مقاهي الأدب اللبنانية تقع في مدينة بيروت، وأهمها: “مقهى محلة الزيتونة” ويقع على شاطئ بيروت، وممن تردد عليه: بشارة الخوري، وشلبي الملاط، وأمين الريحاني، وجرجي سعد، وجميل معلوف، ومحيي الدين الخياط.. إلخ. و”مقهى الخياط” ويقع بساحة الشهداء، وممن تردد عليه: أمين نخلة، ووديع عقل، وميشال أبو شهلة، وإلياس أبو شبكة، وغيرهم. و”مقهى فيصل” الواقع بمنطقة رأس بيروت، وفيه يجلس أساتذة الجامعة الأمريكية، وعدد من الشعراء والأدباء على رأسهم: خليل حاوي، ومحمد الماغوط، وميشال أبو جودة. و”مقهى الهورس شو” ويقع بمنطقة الحمراء، وفيه جلس: أنس الحاج، وشوقي أبو شقرا، وأنطوان كرباج، والرسام رفيق أبو شرف. وحين أُغلق هذا المقهى بكاه أدباء لبنان.

مقاهي المغرب.. فسيفساء أدبية:

تعددت المقاهي الأدبية في المغرب، ويأتي على رأسها “مقهى باليما”، ويقع بشارع محمد الخامس بالرباط، ومن بين مَنْ تردد عليه من الأدباء في الجلسات المسائية: محمد بن العباس القباح، ومحمد الصباغ، والعربي الخطابي، والحاج محمد باحنيني. وهناك “مقهى البستان” بالرباط، وتأسس في الثمانينيات، وتردد عليه أساتذة جامعات وأدباء منهم: عبدالعالي الوديغري، د. قاسم الحسيني، محمد الخمار، أحمد المجاطي.

ومن المقاهي الأخرى: “مقهى الجمرة” بالرباط. و”مقهى المصرف” بمراكش. و”مقهى جنان السبيل” بفاس. و”مقهى النادي الثقافي” بتطوان. و”مقهى الحافلة” بطنجة. و”مقهى البدوي” بوجدة.

مؤسسة ثقافية غير رسمية:

ومن اللافت في هذا السياق ما كتبه سميح القاسم مقترحًا اتخاذ المقاهي بديلًا للمؤسسات الثقافية الرسمية التي يحدث في داخلها التناحر والصراع على المناصب، وغير ذلك من أمور تُبعد المؤسسة الثقافية عن دورها، يقول في سياق حديثه عن تجربته في رئاسة اتحاد الكتاب الفلسطينيين: “وقد دفعتني تجربتي الشخصية إلى استنتاج قد يبدو متطرفًا: لعل “المقهى الأدبي” هو أفضل الأساليب لتنظيم الأدباء بفوضى محببة ومبدعة! فالمقهى الأدبي لا يتطلب بطاقات عضوية مُوَقَّعًا عليها، ولا يستدعي العودة إلى الدستور للتأكد مما إذا كان الرئيس أو الأمين العام هو الذي يوقِّع على البطاقات، ولا يفرض دفع اشتراكات أكثر من ثمن فنجان القهوة أو كأس القهوة البابلية، ولا يتطلب عقد مؤتمرات واجتماعات”(7).

وهذا المقترح الذي لا يخلو من طرافة يتناغم من دعوات بعض المثقفين بضرورة التوسع في الأنشطة الثقافية للمقاهي، في ظل محاولات “الدولة” جعل الثقافة منتجًا خاضعًا “للرسمية” بعد احتكار المؤسسات الثقافية.

___________________

(1) ملامح القاهرة في ألف سنة، جمال الغيطاني، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م، 3، بتصرف.

(2) من تقديم جمال الغيطاني لترجمة كتاب: “مقاهي الشرق” لجيرار جورج ليميز، ترجمة: محمد عبدالمنعم جلال، القاهرة، سلسلة “كتاب اليوم” الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم، أبريل 1991م، 10.

(3) قهاوي الأدب والفن في القاهرة، عبدالمنعم شميس، القاهرة، دار المعارف، 19.

(4) مقاهي الأدباء في الوطن العربي، رشيد الذوادي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م، 68.

(5) السابق: 73.

(6) انظر: مقاهي بغداد القديمة، ملاحق جريدة المدى اليومية، ورابطه: اضغط هنا

(7) مقال: المقهى الأدبي، سميح القاسم، مجلة “الناقد”، العدد رقم 41، 1 نوفمبر 1991م.

التعليقات

التعليقات

اترك تعليقًا

من فضلك اترك تعليق
من فضلك ادخل اسمك هنا